محاكمة بنك عربي بسبب أموال متحدث حماس تثير قلق الأوساط المصرفية

المصرف أغلق حساب أسامة حمدان .. ورئيس جمعية المصارف اللبنانية واثق من كسب الدعوى

مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})
مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})
TT

محاكمة بنك عربي بسبب أموال متحدث حماس تثير قلق الأوساط المصرفية

مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})
مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})

كان هناك حساب مصرفي أساسي لدى فرع البنك العربي بمنطقة المزرعة في بيروت في لبنان، وما لفت الانتباه أن الحساب كان باسم: أسامة حمدان، المتحدث باسم حركة حماس التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
وحسبما أفاد المدعون، فإنه أثناء فترة الست سنوات التي ظل فيها حساب السيد حمدان جاريا، تلقى الحساب ما لا يقل عن ثلاثة تحويلات مصرفية لصالح حركة حماس، وهي الصفقات التي جرى مراجعتها والتصديق عليها من جانب مسؤولي البنك العربي.
والآن، يمثل البنك للمحاكمة أمام محكمة فيدرالية في بروكلين؛ حيث يدعي المدعون أن هذه القضية ستسلط الضوء على إحدى الشبكات الغامضة والمترابطة التي تمول الإرهابيين.
ويقول المدعون بأن هذا البنك والبنوك المماثلة له تشكل بنية تحتية هامة بالنسبة لشبكة تعمل - في بعض الأحيان - بمثابة نظام ضمان اجتماعي بالنسبة لـ(الإرهابيين). كما أنهم قالوا: إن أفراد الأسر تلقوا تعليمات بالذهاب إلى فروع البنك العربي للحصول على أموال خيرية عقب مقتل أقاربهم.
وبينما قامت السلطات الأميركية بمقاضاة بنوك جراء تورطهم في تشغيل أموال فاسدة، تعد هذه بمثابة أول محاكمة مدنية تنعقد ضد أحد البنوك، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وكان من المقرر أن تنعقد أولى جلسات المحاكمة أمس.
وثار الجدل لفترة طويلة حول هذه القضية، وأسفرت تلك القضية عن نشوب خلافات في إدارة أوباما، كما أنها أثارت انتباه المحكمة العليا الأميركية، ورأت حكومة الأردن، حيث يوجد المقر الرئيسي للبنك، أن هذه القضية تعرض كامل البنية التحتية المصرفية في منطقة الشرق الأوسط لمخاطر كبيرة. ويراقب بعض مديري البنوك التنفيذيين المحاكمة بشيء من التوتر، خشية إدانة البنك وما قد يعنيه ذلك من أن يصبح الخوض في أعمال تجارية في مناطق كثيرة بالعالم أمرا خطيرا للغاية.
ويؤكد البنك العربي أنه أجرى تحرياته بشأن الإرهابيين، من خلال التحقق من الأسماء التي تتعارض مع تلك القوائم المعمول بها التي تتضمن الأفراد والمنظمات الإرهابيين. وفي هذا الصدد، أشار البنك أنه بمجرد إضافة السيد حمدان إلى إحدى تلك القوائم عام 2003. جرى إغلاق حسابه.
ورغم ذلك قيدت مجموعة من الأحكام القاسية من قدرة البنك على الدفاع عن نفسه أثناء المحاكمة. كما أن إخفاق البنك في تقديم الأدلة التي طالب بها المدعون قاد بالقاضي نينا غيرشون للحكم بأن هيئة المحلفين قد يوعز إليها أنه «يجوز لها - ولكن لا يتطلب منها القيام بذلك - أن تستنتج» أن البنك قدم خدمات مالية إلى المنظمات والأفراد المدرجة على قائمة الإرهاب، وأنه مرر مدفوعات إلى الإرهابيين تعود إلى جهة خيرية أهلية تُسمى «اللجنة السعودية». كما قيد القاضي غيرشون أيضا من قدرة البنك على تقديم معلومات أثناء المحاكمة من شأنها أن تدحض من هذا الاستنتاج.
ويمثل الـ297 مدعيا هؤلاء الذين لقوا حتفهم أو أصيبوا أو قُتل أحد أفراد عائلاتهم في الهجمات الـ24 التي شنتها حركة حماس في الفترة ما بين عامي 2001 – 2004. ويزعم المدعون أن البنك العربي عقد صفقات لصالح الأفراد أو المنظمات التي يُعرف عنها ارتباطها بالأعمال الإرهابية.
وكان من بين المدعين ساري آن سنجر، وروى، المقيم حاليا في نيوجيرسي؛ فعندما كان يركب الحافلة رقم 14 A في القدس في يونيو (حزيران) 2003 للقاء أحد أصدقائه وتناول العشاء معه، فجر انتحاري – كان يجلس بالمقاعد البعيدة – قنبلته، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 16 شخصا، وأُصيب السيدة سينجر بشظية ونجت من الهجوم، الذي أعلنت حماس مسؤوليتها عنه.
وهناك مجموعة أخرى من المدعين تُدعى عائلة سوكولو، كانت تعيش في لونغ يالاند، وتقضي عطلتها في إسرائيل عام 2002. وأثناء خروجهم من محل أحذية، بالقرب من الفندق الذي ينزلون فيه، فجرت انتحارية نفسها، مما أسفر عن إصابة مارك ورينا سوكولو، واثنين من بناتهما جامي ولورين.
ويزعم المدعون أن جمعيات خيرية أهلية ترسل مدفوعات إلى الإرهابيين وعائلاتهم، ويتم ذلك عن طريق البنك، مشيرين إلى أن قوائم الجمعية المسماة «اللجنة السعودية» التي تُدرج فيها «أسماء الشهداء، والمستفيدين التابعين لهم، فضلا عن سبب مقتل الشهداء»، وذلك بناء على ما ورد في قرار القاضي غيرشون.
ويدلل المدعون أيضا على ذلك ببعض الإعلانات مثل الإعلان الذي نُشر في إحدى الصحف العربية عام 2002، والذي نص على الآتي: «على أقارب الشهداء، الذي تتضح أسماؤهم فيما يلي التوجه إلى فروع البنك العربي في محل إقامتهم من أجل الحصول على الدفعة العاشرة، وهو مبلغ قدره 5316.06 دولار أميركي لكل أسرة».
ووفقا لسجل حوالة مصرفية حصل عليها المدعون، هذا هو بالضبط المبلغ الذي حصل عليه رجل يُدعى شهيل أحمد إسماعيل المصري من خلال البنك العربي. وفي مقابلة تلفزيونية أُجريت معه، قال المصري بأنه كان يتلقى المبلغ المالي باعتباره «راتبا» لأن والده شن هجوما انتحاريا على صالون بيتزا سبارو في القدس عام 2001. مما أسفر عن مقتل أو إصابة 130 شخصا، بمن فيهم بعض المدعين في هذه القضية، وذلك وفقا لما ورد في قرار القاضي.
ومع ذلك، لا يزال البنك العربي مصرا على أنه لا صلة له باختيار المستفيدين من مدفوعات اللجنة؛ حيث إنه قام بفحص الصفقات التي تتعارض مع القوائم السوداء، ولم تجد مخالفات (حيث أوضح البنك أن أقارب الإرهابيين - الذين تلقوا المدفوعات - لم يكونوا مدرجين على القوائم السوداء). كما ذكر أن اللجنة لم تُدرج على الإطلاق على القائمة الأميركية الرسمية كإحدى المؤسسات التابعة لمجموعة إرهابية، ومن بين الـ180 ألف صفقة التي أجرتها اللجنة من خلال البنك العربي خلال هذه الفترة، لم يشكك المدعون سوى في عدد قليل من الصفقات.
ربما لم تستمع المحكمة لبعض من هذا الدفاع أثناء المحاكمة نظرا لقرار القاضي غيرشون، الذي طعن فيه البنك. وقال مسؤولو البنك بأنهم لم يتمكنوا من تسليم عدد كبير من الوثائق المطلوبة جراء قوانين السرية المصرفية الأجنبية.
ورفضت محكمة استئناف الدائرة الثانية مراجعة الحكم القاضي غيرشون، ولذا أُحيل الاستئناف إلى المحكمة العليا، التي طلبت المشورة من إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وفي الواقع، اتخذ مسؤولو وزارة الخارجية الأميركية موقفا مؤيدا للبنك العربي، قائلين بأن الأردن كانت حليفا مجديا. ولم يرغب قسم الأمن القومي بوزارة العدل في التدخل ضد الضحايا الأميركيين جراء الهجمات الإرهابية، بيمنا وقف مسؤولو الضرائب والمسؤولون بوزارة المالية إلى جانب المدعين نظرا لأنه إذا حلت قوانين السرية المصرفية الأجنبية محل تلك القوانين المتعلقة بالولايات المتحدة، فإنه سيجري عرقلة جهودهم الرامية إلى تضييق الخناق على المتهربين من الضرائب من خلال الحسابات الأجنبية.
وأبدى الأردن رأيه في هذا الشأن، قائلا: «إن إجبار البنك العربي للمثول للمحاكمة من شأنه أن يضر بالوضع الاقتصادي للبنك وسمعته»، وأضاف: «ويمكن أن يؤدي إلى عدم استقرار اقتصادي وسياسي في المنطقة التي لا تستطيع تحمل المزيد». ورفضت المحكمة العليا في نهاية الأمر الاستماع للقضية، مما سمح باستمرار العقوبات التي أصدر بها القاضي حكمه.
إن رهانات القضية المدنية لا تزال عالية، وليس فقط بالنسبة للبنك العربي ولكن لكامل الصناعة المصرفية، على حد تعبير المحامين الذين يتعاملون مع الأعمال المصرفية. ويقولون: إن انتصار المدعين من شأنه تسريع وتيرة التقشف على نطاق واسع بين البنوك الذين يباشرون أعمالهم في المناطق التي يمزقها الصراع.
وفي حالته الأكثر تطرفا، فإن الحكم ضد البنك العربي، يقلق بعض محامي البنك، من أن يعني أن تكون البنوك على المحك إزاء المخالفات من ناحية العملاء حتى إذا اتبعت المؤسسات المالية القواعد المصرفية.
وتحاول الحكومات في ذات الوقت منع الأموال الملوثة من التدفق إلى داخل النظام المالي الأميركي، وقد ورطت هذه التحقيقات بالفعل بعضا من عمالقة الصناعة المصرفية، بما في ذلك البنك البريطاني، وبنك (HSBC) وبنك باريبا الفرنسي.
وبالنسبة للبنوك الأوروبية الكبرى، فإن تجهيز تلك المدفوعات في صورة دولارات كان تجارة مربحة – وإحدى الفرص التي جعلتهم يفتحون الأبواب لدول مثل إيران، على حد وصف أحد ممثلي الادعاء الأميركيين.
أما بنك باريبا، وهو أكبر البنوك الفرنسية، فقد دفع بأنه مذنب حيال اتهامات جنائية نادرة وسدد عقوبة مالية تقدر برقم قياسي يبلغ 8.9 مليار دولار لمعالجة بلايين الدولارات بالنيابة عن السودان.
وقد جاءت عقب سلسلة من القضايا ضد بنك لويد، وكريدي سويس، وباركليز، وستاندرد شارترد. وقد توصلت كافة البنوك إلى صفقات مع السلطات الأميركية حول اتهامات بإجرائهم أعمال مع دول تواجه عقوبات من الولايات المتحدة الأميركية.
جنبا إلى جنب، ألقت تلك القضايا بظلال باردة على الصناعة المصرفية بأكملها، مما أدى ببعض البنوك إلى التخلص من بعض الأعمال الخطيرة بالكلية. فعلى سبيل المثال، قام بنك جي بي مورغان تشيس، وبنك أميركا، وسيتي غروب بتفكيك خدمات نقل الأموال في مناطق مثل المكسيك.
* خدمة «نيويورك تايمز»



تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.


تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.