قادة سابقون في جماعة الإخوان يرسمون صورة قاتمة لمستقبل أحفاد حسن البنا

توافقوا في رؤاهم لـ («الشرق الأوسط») على أن التنظيم بلا مستقبل في مصر

قادة سابقون في جماعة الإخوان يرسمون صورة قاتمة لمستقبل أحفاد حسن البنا
TT

قادة سابقون في جماعة الإخوان يرسمون صورة قاتمة لمستقبل أحفاد حسن البنا

قادة سابقون في جماعة الإخوان يرسمون صورة قاتمة لمستقبل أحفاد حسن البنا

في أواخر ثلاثينات القرن الماضي، في المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين في مصر قفز مؤسس الجماعة حسن البنا على تناقضات الواقع مقدما تعريفه لها باعتبارها «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»، لكن الجماعة التي أقصيت عن السلطة منتصف العام الماضي، بعد عام واحد من تجربة الحكم، عبر مظاهرات ربما هي الأضخم في التاريخ الحديث، باتت تواجه اليوم سؤال المستقبل بثقة أقل في ماهيتها، وإجابات مرتبكة حول المصير.
«الشرق الأوسط» سعت لاستطلاع صورة عن مستقبل جماعة يمتد تاريخها لما يزيد على 80 عاما، من وجهة نظر قيادات سابقة في «الإخوان»، غادروا مواقعهم حينما عايشوا بأنفسهم انحلال التناقضات التي كشفت عن خطاب السلطة وقد ضاق ذرعا بالتخفي خلف قناع الخطاب الدعوي.
ويعتقد الدكتور محمد حبيب النائب الأول السابق لمرشد الإخوان أن الصدام مع السلطة تجربة اعتاد عليها «الإخوان»، لافتا إلى أنها هذا الصدام لا يمثل جوهر اللحظة الفارقة في تاريخ الجماعة، يقول حبيب الذي أقصي عن الجماعة في عام 2011 لـ«الشرق الأوسط» إنه «في الماضي كان يحدث صدامات بين الأنظمة المتعاقبة وجماعة الإخوان، كانت تتجلى في اعتقالات وقرارات الحبس الاحتياطي لقادتها وكوادرها، وفي حرب على الأرزاق، والنقل العقابي، لكن وسط كل هذا كان الناس يتعاطفون مع (الإخوان)».
ويرى حبيب أن أسباب التعاطف الشعبي مع الجماعة مرده إيمان هؤلاء بأن «الإخوان» أصحاب منهج سلمي يعدون أن القضايا السياسية لا بد فيها من مشاركة أطياف الحركة الوطنية المصرية، وكان هناك حرص على تثبيت هذا المبدأ على مستوى النقابات المهنية، وفي أوساط الأحزاب السياسية.
ويرسم حبيب حدا لسلوك «الإخوان» المنفتح تجاه استيعاب الاختلاف مع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وما أعقبها من تعديل الدستور، وصمت «الإخوان» على المذابح التي جرت بحق القوى الثورية في مصر ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وغيرها (مصادمات وقعت خلال العام الأول للثورة بين قوى الأمن وشباب الثورة من القوى اليسارية الليبرالية وسقط خلالها عشرات القتلى)، والخلاف الشديد بين القوى الثورية و«الإخوان» على شرعية الميدان والبرلمان ودفاع «الإخوان» عن المجلس العسكري، وحتى فوز الرئيس الأسبق محمد مرسي في انتخابات الرئاسة عام 2012.
ويقول حبيب: «هنا شعر الجميع القوى السياسية والجماهير أن (الإخوان) نكثوا بكل العهود، وبدا واضحا رغبتهم في الاستئثار بالسلطة وقد فشلوا فشلا ذريعة وتبين للجميع أيضا أنهم لا يملكون لا خبرة ولا رؤية ولا استراتيجية».
ويضيف حبيب قائلا: «الأنكى كان سيادة الشعور بأن مرسي لم يكن يحكم، الحكم كان في مكتب الإرشاد، وحتى لم يكن كامل هيئة مكتب الإرشاد إنما واحد أو اثنان، يفرضان رؤيتهما لا على الجماعة ولكن على مصر كلها وبالتالي كان هتاف يسقط حكم المرشد دقيقا ومعبرا عن الحقيقة».
«ومع سقوط حكم المرشد، اكتشفت الجماهير أن جماعة الإخوان لم تختلف في شيء عن الحزب الوطني ونظام مبارك، وهو ما جعل الإجراءات التي تتخذ ضدهم الآن تكاد تكون مصدر سعادة للمصريين»، بحسب حبيب الذي يرى أيضا أن قيادة «الإخوان» لن تفلح في التغطية على فشلها بصناعة ما يسميه «كربلائية جديدة».
ويعتقد حبيب أن تجاوزات الشرطة ضد أعضاء الجماعة تساهم في ترميم تصدعات التنظيم، ورغم التماسك البادي حاليا يرى نائب المرشد السابق أن العقول المتحجرة التي تتولى القيادة حاليا هدمت تاريخ «الإخوان» وتركت الجماعة بلا مستقبل.
من جانبه، يرهن القيادي السابق في جماعة الإخوان أحمد بان مستقبل التنظيم بإجراء مراجعة جادة ومعمقة لجملة مسارها السياسي وجملة أفكارها ومقولتها الرئيسة وقرارها الاستراتيجي بالجمع بين الوظيفة السياسية والدعوية.
ويرى بان الباحث المتخصص في شؤون الجماعة الإسلامية أنه إذا اختارت الجماعة أن تتخلى عن الغطاء الدعوي الذي حاولت من خلاله إخفاء هويتها السياسية وتواجه نفسها بحقيقة ماهيتها السياسية فعليها أن تتحدث عن كونها حزب سياسي يسعى للتفاعل بلغة السياسية. أما إذا قررت الجماعة أنها كيان دعوي فعليها أن تنشط تحت مظلة جمعية أهلية تخضع للشرعية قانونية وحينها جيب ألا تتدخل في المجال السياسي.
ويحذر بان من خيار ثالث وهو إصرار التنظيم على محاولة «ركوب حصانين في وقت واحد والإبقاء على الصيغة الملتبسة بين الدعوي والسياسي»، وهو ما سيدفعها، إلى ما يسميه بان «الدخول في شكل من أشكال الكمون حتى تنكسر موجة التضييق ويولد أفق جديد ويسمح لها بالتمدد كما حدث خلال تاريخها»، لكن في كل الأحوال لن تعود الجماعة كما كانت، قد تتحول إلى تنظيم أكثر صلابة تنظيمية لكن أقل عددا وأقل قدرة على التداخل مع محيطها الاجتماعي أكثر جنوحا للعنف وللقطيعة مع المجتمع.
ويعتقد بان أن ظاهرة «الإخوان» حتى وإن دخلت في طور الكمون، سيكون نجاحها مرهونا بشكل توجهات النظام الجديد وقدرته على تحقيق طفرة اقتصادية، لافتا إلى أن كل نجاح يحرزه النظام في هذا الإطار يخصم من رصيد الجماعة والعكس صحيح.
وعما إذا كانت الجماعة تملك القدرة على تحرير خطابها من التباساته يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «مع الأسف الشديد كل القيادات القادرة على القيام بهذه المراجعات الفكرية إما خرجت من الجماعة أو أخرجت منها، وبالتالي فإن جيل الشباب ربما هو الأقدر على اتخاذ هذه الخطوة ولكن هذا الجيل تم إرهاب وعيه وتزييفه وردعه بمظلومية جديدة على الأرجح تمنعه من إجراء مراجعة تأخرت لعقود».
ويرى بان أن من يمتلك حيثية وقدرة على إحداث هذا التغيير في مشروع «الإخوان» هم فرع الجماعة في تونس. يقول «هذا قد يحدث إذا امتلك حزب النهضة الشجاعة الكافية لمواجهة الجماعة بأخطائها، شرط أن يواكب هذا قدرة النظام الحالي على تحقيق نجاحات على الأرض تغيري شباب الجماعة بالتفاعل إيجابيا مع المراجعات».
يقدم الدكتور كمال الهلباوي أحد القيادات التاريخية لـ«الإخوان» ومتحدثها السابق في الغرب، رؤية أكثر تشاؤما حيال مستقبل «الإخوان»، فيقول لـ«الشرق الأوسط» بنبرة قاطعة خلت من التردد إنه «في ضوء القرارات الخاصة بالإرهاب وحظر الجماعة ونشاطها وحل الحزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة ومصادرة أموال (الإخوان) لا مستقبل للجماعة في مصر».
ويضيف الهلباوي الذي كان من بين أعضاء لجنة كتابة الدستور الجديد إن نهاية «الإخوان» لا تعني نهاية المشروع الإسلامي، ويعتقد أن الوقت قد حان لمواجهة تشرذم الإسلاميين بين توجهات سلفية وإخوانية، مشيرا إلى أن هناك من يتنبه حاليا لأهمية هذا المشروع ويعمل على إنجازه.
من جانبه، يرى القيادي الإخواني السابق مختار نوح أنه بالإدارة الحالية لجماعة الإخوان التي استمرت من التسعينات وحتى اللحظة الراهنة مستحيل لأنها إدارة قطبية (نسبة لسيد قطب القيادي التاريخي للإخوان والذي أعدم في ستينات القرن الماضي) تفكيرها قريب من فكر الخوارج وتميل لإقصاء الآخرين، لافتا إلى أن تلك القيادة القطبية كونت مجموعة تؤمن بنفس آرائها داخل التنظيم، وهو ما جعله يقول لـ«الشرق الأوسط» بنبرة واضحة إنه «لا مستقبل لـ(الإخوان)».
ويضيف نوح أن «فكرة الجماعة نفسها باتت مرفوضة». يقول إن «وجود جماعة متمايزة داخل مجتمع مسلم أفرز آثارا سلبية كثيرة، وقد لمسها الناس وبالتالي الجماعة ستعاني من تراجع عدد الأعضاء مع مرور الوقت، بعد أن فقدت تعاطف المصريين».
تتواكب هذه المتغيرات في اعتقاد نوح مع تراجع بريق شعارات الإسلاميين. يقول إنهم جربوا كم كانت الشعارات الإسلامية جذابة وحصدوا ثمار هذه الجاذبية أمام صناديق الاقتراع، لكن استخدام «الإخوان» للعنف والتكبر الذي أظهروه خلال حكمهم وظهور مشايخ سلفية في مظهر غير مثقف ومفارق للواقع أنهى فرص استمرارهم.
ويحدد عبد الجليل الشرنوبي القيادي السابق في جماعة الإخوان مسارين لأعضاء التنظيم، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «(الإخوان) يمضون حاليا في مسارين، الأول، مخاصمة أشكال الحياة خارج التنظيم، والآخر يسعى لاستعادة التنظيم على أشلاء وطن».
ويرى الشرنوبي أن محاولة استعادة التوازنات السابقة بين السلطات الحاكمة وجماعة الإخوان خلال فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات والرئيس الأسبق حسني مبارك يعد خيانة للوطن، مشددا على أن تحرير الخطاب الديني من سلطان أي تنظيم أو أي حاكم هو الضمانة الحقيقية لاستقلال الوطن.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.