تكتم لبناني حول ملابسات اعتقال أمير «كتائب عبد الله عزام»

ترجيحات بالقبض على الماجد في مستشفى ببيروت.. والداعية عمر فستق قال إنه اختفى عن الرادار منذ أيام

لبناني يسير قرب السفارة الايرانية في بيروت لدى استهدافها بانفجارين اعلنت كتائب عبد الله عزام مسؤوليتها عنهما (رويترز) وفي الاطار ماجد الماجد
لبناني يسير قرب السفارة الايرانية في بيروت لدى استهدافها بانفجارين اعلنت كتائب عبد الله عزام مسؤوليتها عنهما (رويترز) وفي الاطار ماجد الماجد
TT

تكتم لبناني حول ملابسات اعتقال أمير «كتائب عبد الله عزام»

لبناني يسير قرب السفارة الايرانية في بيروت لدى استهدافها بانفجارين اعلنت كتائب عبد الله عزام مسؤوليتها عنهما (رويترز) وفي الاطار ماجد الماجد
لبناني يسير قرب السفارة الايرانية في بيروت لدى استهدافها بانفجارين اعلنت كتائب عبد الله عزام مسؤوليتها عنهما (رويترز) وفي الاطار ماجد الماجد

ينتظر الجهاديون بيانا رسميا تصدره «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، تعلن فيه ظروف توقيف استخبارات الجيش اللبناني لزعيمها ماجد الماجد في بيروت قبل أيام، بعدما بات مؤكدا بالنسبة لهم أن الماجد «فُقِد الاتصال به منذ أسبوع»، بحسب الداعية الإسلامي عمر بكري فستق الذي أشار إلى أن «منتديات جهادية على الإنترنت، ذكرت أن جهاديا اعتقل على باب مستشفى (المقاصد) في بيروت، من غير تحديد هويته أو توضيح نوع العلاج الذي كان يخضع له»، علما بأن تقارير أمنية لبنانية أكدت أنه اعتقل أثناء توجهه إلى سوريا.
وأكد فستق لـ«الشرق الأوسط»، وهو خبير في الجماعات الجهادية، أن الماجد «اختفى عن الرادار، وفُقِدَ الاتصال معه منذ أيام»، مشيرا إلى أن القسم الإعلامي في «كتائب عبد الله عزام» سوف «يصدر بيانا رسميا قريبا، يؤكد فيه النبأ»، لافتا إلى أن الجماعات الجهادية «لم تصدر نفيا لخبر اعتقاله على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، بعد إعلان خبر توقيفه». وأوضح فستق أن إسلاميين آخرين «التبس الأمر عندهم، خصوصا بعد الحديث عن أن الموقوف سيخضع في لبنان لفحص الحمض النووي DNA للتأكد من هويته»، مشيرا إلى أن «جهاديين فقدوا الاتصال به، رجحوا فرضية اعتقاله على فرضيتي مقتله أو تواريه عن الأنظار».
وتراجع وزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية فايز غصن، أمس، عن تأكيده نبأ اعتقال الماجد في بيروت، حيث أصدر مكتبه الإعلامي بيانا قال فيه إن غصن «لم يدل بأي تصريحات لأي وسيلة إعلامية». وجاء هذا النفي فور نقل وكالة الصحافة الفرنسية عن غصن قوله إن «مخابرات الجيش اللبناني ألقت القبض على ماجد الماجد» أمير «كتائب عبد الله عزام»، في بيروت، رافضا إعطاء تفاصيل عن ظروف التوقيف وتوقيته. وأشار إلى أن «التحقيق معه يجري بسرية تامة».
وأرجع فستق «التعتيم» على اعتقاله إلى «خشية من تحرك الشباب المسلم»، نظرا لأن الشارع السني «سيعتبر اعتقاله جاء على خلفية مناصرة الماجد للثورة السورية ضد نظام حكم (الرئيس السوري) بشار الأسد». وقال فستق إن اعتقاله «سيتسبب بالإحراج لمشايخ أهل السنة وهيئة العلماء المسلمين وأنصار الثورة السورية في لبنان، مما يدفعهم للتحرك دفاعا عن اعتقاله، حتى لو كانت التهم المنسوبة إليه لا تشير إلى أن اعتقاله يجري على خلفية مناصرته الثورة السورية».
وذكرت قناة «إل بي سي» اللبنانية، أن السلطات اللبنانية أبلغت المملكة العربية السعودية بتوقيف الماجد الموجود حاليا في المستشفى العسكري لمتابعة وضعه الصحي، كون الماجد، بحسب مدونة «لونغ وور جورنال» وهي مدونة بارزة مناهضة للإرهاب، «هو واحد من بين 85 فردا تضمهم قائمة للحكومة السعودية صدرت عام 2009 لأبرز المطلوبين لضلوعهم في أنشطة مع تنظيم القاعدة».
وكانت وسائل إعلام لبنانية، أكدت أول من أمس أن الجيش اللبناني أوقف ماجد محمد الماجد، الذي يعد زعيم «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي تبنت التفجيرين الانتحاريين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية في بيروت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وكانت مصادر بالأمن القومي الأميركي أفادت بأن الماجد اعتقل فعلا. وأكد مصدران أميركيان صحة تقارير إعلامية من لبنان تفيد بأن القوات المسلحة اللبنانية ألقت أخيرا القبض عليه. ولم يذكر المصدران مزيدا من التفاصيل عن ملابسات اعتقال الرجل.
وتضاربت الأنباء حول موقع اعتقال الماجد. وذكرت محطة «إن بي إن» التلفزيونية اللبنانية أن الماجد اعتقل في منطقة الفياضية على الطريق الدولي إلى سوريا، على مقربة من وزارة الدفاع اللبنانية، بعد رصده وملاحقته، مشيرة إلى أنه كان متوجها إلى سوريا، وينتقل بعدها إلى العراق. وأوضح مصدر أن الماجد كان محل رصد ومتابعة وملاحقة من قبل مخابرات الجيش اللبناني لأنه مطلوب في قضايا إرهابية عدة في لبنان وخارجه، وآخرها الهجومان الانتحاريان على حاجزي الجيش اللبناني في صيدا بجنوب لبنان، الشهر الماضي. ونقلت «إل بي سي» معلومات أمنية تفيد بأن مسؤولي تنظيم القاعدة «طلبوا من الماجد لقاء أبو بكر البغدادي في العراق والإعداد معه لعمليات كبيرة ونوعية كان سيطلب منه تنفيذها، وتهدف إلى قلب المعادلات في لبنان والمنطقة».
وكان تنظيم «كتائب عبد الله عزام»، تبنى التفجيرين الانتحاريين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية في بيروت، في نوفمبر الماضي، تحت عنوان «غزوة السفارة الإيرانية»، وأسفرا عن مقتل 23 شخصا بينهم الملحق الثقافي بالسفارة.
والماجد، هو الأمير الثالث لتنظيم «كتائب عبد الله عزام» المرتبط بتنظيم القاعدة، وعُيّن قبل عامين في هذا الموقع خلفا لصالح القرعاوي الأمير السابق للكتائب الذي أصيب في حرب العراق، مما أدى إلى بتر قدميه، وعزل من موقعه قبل عامين ليُعيّن الماجد مكانه.
ويحمل الماجد الآن لقب أمير التنظيم في بلاد الشام وأرض الكنانة. وذكر موقع «مجموعة سايت للمعلومات» الأميركي، أن «كتائب عبد الله عزام» التي تعمل في أرجاء الشرق الأوسط، أعلنت للمرة الأولى اسم زعيمها في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي؛ إذ أطلقت شريطا مرئيا ذكرت فيه أن أميرها هو السعودي ماجد بن محمد الماجد، المطلوب أمنيا في قائمة الـ85 التي أعلنت سنة 2009. وقالت «المجموعة» إنها المرة الأولى التي تسمي فيها «كتائب عبد الله عزام» قائدها. وأشارت إلى أن «مركز الفجر الإعلامي» الذي يتولى توزيع الدعاية الخاصة بـ«القاعدة» سبق أن وزع شريطين مرئيين تضمنا خطبتين للماجد من دون أن يحدد دوره في أي جماعة جهادية.
وقال فستق لـ«الشرق الأوسط» إن آخر ظهور للماجد كان في أغسطس (آب) الماضي، حين قال كلمته الشهيرة «نصرتي يا شام»، وهو خطاب مسجل، صدر على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع إلكترونية جهادية، وهو «آخر ما غرد به».
وأكد فستق أن الماجد «شارك في الثورة السورية»، فيما «لم يكن موقع إقامته معلوما»، مشيرا إلى أن «بيعته لأمير (جبهة النصرة) في سوريا، لم تثبت على نطاق واسع في أوسط الجهاديين، وبقيت محصورة عند بعض الأشخاص الذين تداولوا هذه البيعة نقلا عن وسائل الإعلام». وأضاف: «المعلومات عن الماجد في الأوساط الجهادية، أنه قائد فذّ، كان صديقا للأمير السابق القرعاوي»، مشيرا إلى أن «(مركز الفجر) قال إنه تولى القيادة وينسق العمل الجهادي بين لبنان وسوريا، علما بأنه مطلوب للقضاء السعودي».
وذكرت تقارير إعلامية أن الماجد عاش عدة سنوات في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا (جنوب لبنان)، قبل أن يغادره قبل شهر متوجها إلى سوريا «حيث أفادت أنباء بأنه أعلن ولاءه لزعيم (جبهة النصرة) وهي إحدى الجماعات المتشددة، أبو محمد الجولاني».
و«كتائب عبد الله عزام»، التي تحمل اسم أستاذ زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، تأسست في عام 2004 بوصفها جماعة منبثقة عن «القاعدة في العراق»، وتتولى مهمات مهاجمة أهداف في لبنان وفي بقاع أخرى في منطقة الشرق الأوسط، ووضعتها الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابية في 24 مايو (أيار) 2012.
ويقول فستق إن الكتائب «جهادية تنتمي إلى المدرسة السلفية الجهادية، وتعمل في لبنان وسوريا والعراق، حيث كان لها موطئ قدم قبل انتشارها على نطاق واسع في سوريا بعد بدء الأزمة السورية».
وتولى سليمان حمد منصب أمير التنظيم، ثم تلاه صالح القرعاوي، قبل أن يصبح ماجد الماجد أميرها. وأوضحت مجلة «لونغ وور جونال» أن القرعاوي كان في البداية قائدا عسكريا لـ«الكتائب». كما عمل سليمان حمد خبير متفجرات لـ«الكتائب»، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة عدَّتهما «إرهابيين عالميين»، لكنها لم تطلق تلك الصفة على الماجد حتى الآن.
و«كتائب عبد الله عزام» متهمة بتبني أكثر من عملية لإطلاق صواريخ «كاتيوشا» من جنوب لبنان باتجاه شمال إسرائيل، فضلا عن تبني عملية تفجير السفارة الإيرانية في بيروت. وكانت «الكتائب» تبنت في بداياتها عام 2004 ثلاثة تفجيرات بمنتجعات في طابا ونويبع وشرم الشيخ في مصر، كما أعلنت مسؤوليتها عن قصف بارجتين أميركيتين في ميناء العقبة في 2005، واستهداف سياح أجانب قرب المتحف المصري، وعن قصف مدينتي إيلات والعقبة بخمسة صواريخ «غراد» في أغسطس 2010.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.