مصر: المظاهرات في تراجع.. والساحات المخصصة لها خارج الخدمة

بعد تسعة أشهر من إصدار قانون «مطعون عليه» دستوريا

مصر: المظاهرات في تراجع.. والساحات المخصصة لها خارج الخدمة
TT

مصر: المظاهرات في تراجع.. والساحات المخصصة لها خارج الخدمة

مصر: المظاهرات في تراجع.. والساحات المخصصة لها خارج الخدمة

لم تفلح محاولات الشاب الجامعي ناصر عبد الله في حث ركاب حافلة النقل العام (الميكروباص) المتجهة من حي إمبابة إلى حي فيصل بمحافظة الجيزة، على التمرد لرفض الزيادة التي قررها السائق على الأجرة المحددة، حيث رفعها من (150 قرشا إلى 200 قرش) بنسبة تتجاوز الـ30 في المائة المقررة رسميا، معللا ذلك بزيادة أسعار الوقود في مصر. فرغم الغضب المبرر عند معظم الركاب وضيق أحوالهم المعيشية، فإنهم رفضوا أن يحذوا حذوه، متجاهلين ثورة غضبه ودفعوا الأجرة صاغرين.
انخفاض حدة الاحتجاجات وهدوء ثورة الغضب لدى غالبية المواطنين في دولة شهدت ثورتين على مدار ثلاث سنوات، تخللهما مظاهرات شبه يومية، رصدته عدة تقارير رسمية وحقوقية صدرت أخيرا في مصر، أشارت فيها إلى تراجع كبير في معدلات التظاهر والاحتجاجات، رغم القرارات الحكومية الأخيرة برفع الدعم جزئيا عن بعض السلع والخدمات كالوقود والكهرباء وما ترتب عليه من زيادات في الأسعار.
يقول مسؤول حكومي بـ«مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار»، التابع لمجلس الوزراء المصري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المواطنين في الفترة الحالية وبعد إجراء الانتخابات الرئاسية وفوز الرئيس عبد الفتاح السيسي، أصبح لديهم أمل كبير في المستقبل، ووعي بخطورة استمرار حالة المظاهرات وما سببته من فوضى أمنية وتراجعا اقتصاديا، إضافة إلى ثقتهم في القيادة الحالية للبلاد، وأنها تعمل وتتجه إلى الطريق الصحيح في إعادة الاستقرار والأمن للبلاد، وبات الكل يدرك أن الوضع صعب ويتطلب صبرا».
يضيف المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، إن «عددا من تقارير المتابعة الدورية أشارت إلى احتقان وملل شديدين للمواطنين من التظاهر بشكل عام، ومن مظاهرات جماعة الإخوان المسلمين وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي بشكل خاص»، مشيرا إلى أنه «حتى مظاهرات الإخوان شهدت تراجعا أيضا، سواء على مستوى حجم المشاركة، أو على مستوى الدعوات، بل إن هناك تيارا كبيرا داخل الجماعة بات يشكك في جدوى التظاهر».
ويعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، وتعاني الدولة من تزايد حجم الدين المحلي والدولي، ونقص في السلع التموينية، إضافة لانقطاع متواصل للكهرباء لساعات طويلة يوميا بسبب نقص الوقود. لكن كل هذه الأزمات التي أطاحت بالرئيسين السابقين حسني مبارك ومحمد مرسي لم تؤجج غضب المصريين حتى الآن. وقبل انتخابه رئيسا للبلاد قال السيسي «إنه لن يقبل بالمظاهرات في عهده».
ووفقا لتقرير أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فقد نظمت القوى السياسية المختلفة في مصر، بعيدا عن جماعة الإخوان المسلمين وأنصار محمد مرسي، 52 فعالية احتجاجية فقط خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي، 20 منها للقوى الثورية والمدنية، و14 فاعلية طلابية، بينما شهد الشهر 18 احتجاجا واعتصاما وإضرابا عماليا واجتماعيا، تنوعت بين مظاهرات وسلاسل بشرية ومؤتمرات ومعارض تضامنية، بهدف رفض قانون التظاهر، والتضامن مع المسجونين بموجبه، أو للاعتراض على حالات تحرش جنسي لا يزال صداها يؤرق الشارع المصري.
ووفقا للتقرير ذاته، الذي يصدر بشكل شهري، فقد انخفضت هذه الأرقام في الشهر التالي مباشرة، حيث نظمت القوى السياسية المختلفة في مصر، دون «الإخوان»، 26 فعالية احتجاجية فقط خلال يوليو (تموز) الماضي، من بينها عشرة احتجاجات عمالية واجتماعية وسبعة احتجاجات طلابية وتسعة احتجاجات نظمتها القوى المدينة والثورية.
وأرجع حقوقيون انخفاض معدلات التظاهر في مصر، نظرا للقبضة الأمنية الشديدة التي تحكم بها السلطة الحالية للبلاد، وما تشمله من حالات قمع واعتقال للمتظاهرين، أدت إلى حالة من الخوف لدى غالبية الشعب، إضافة إلى قانون تنظيم التظاهر الذي صدر قبل تسعة أشهر، ووضع قيودا كبيرة على تنظيم أي مظاهرة.
تقول داليا موسى، مسؤولة التنظيم العمالي في المركز المصري للحقوق الاقتصادية: «قبيل الانتخابات الرئاسية الماضية كانت هناك موجة عالية من الاحتجاجات، حيث شهدت مصر خلال النصف الأول للعام الحالي، منذ يناير (كانون الثاني) حتى يونيو الماضيين، نحو 470 احتجاجا خلال ستة أشهر لأسباب اجتماعية واقتصادية وعمالية فقط، إضافة إلى المظاهرات السياسية شبه اليومية لجماعة الإخوان، لكن الأمر تغير تماما عقب تنصيب السيسي رئيسا».
وتشير موسى في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «عقب الانتخابات الرئاسية تراجعت حدة المظاهرات تماما، في الشهرين الماضيين فأصبح لا توجد حركات ثورية أو حركات عمالية رغم الإجراءات التقشفية الأخيرة وإلغاء الدعم وما ترتب عليه من رفع للأسعار وتراجع الخدمات الأساسية، فلم تتحرك الناس أيضا.. والوضع لا يبشر بأي انتفاضة غضب، وحتى إذا نظمت مظاهرة فالأعداد المشاركة محدودة جدا».
وبررت موسى هذا التراجع بشقين الأول هو «القبضة الأمنية الشديدة للسلطات، إضافة إلى انتظار وأمل الناس تحقيق طفرة وتنمية اقتصادية، فمعظم الناس لديها قناعة أن مطالبهم ستتحقق بعد الانتخابات وستشهد الدولة حالة استقرار، كما أن سبب ما فيه البلد من معاناة حالية هو جماعة الإخوان المسلمين والإرهاب بشكل عام، وبالتالي فإن دعم الدولة في القضاء على الإرهاب متمثلا في هذه الجماعة في الوقت الحالي سيمكنها من تحقيق آمالهم وطموحاتهم».
وكشفت الناشطة في الحقوق العمالية عن «تعرض عدد من العمال في شركات ومصانع للتوقيف والتهديد بالفصل عند محولاتهم التظاهر، وفيهم من حاول إخراج تصريح تظاهر، حتى أدرك الجميع أن الثمن قاس جدا».
وعدت موسى أن لقانون التظاهر الصادر قبل نحو تسعة أشهر دورا في تحجيم ومنع هذه المظاهرات. وكان الرئيس السابق عدلي منصور قد أصدر في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي قانونا لتنظيم حق التظاهر يشترط إخطار وزارة الداخلية بالمظاهرة قبل ثلاثة أيام، كما يعطيها الحق؛ إذا ما توافرت لديها معلومات جدية على وجود ما يهدد الأمن والسلم، في إصدار قرار مسبب بمنع المظاهرة أو إرجائها أو نقلها إلى مكان آخر، على أن يبلغ مقدمو الإخطار بذلك قبل الموعد المحدد، بأربع وعشرين ساعة على الأقل.
ويتضمن الإخطار عدة بيانات منها مكان المظاهرة، موعد بدئها وانتهائها، الغرض منها، المطالب التي يرفعها المشاركون فيها، وبيانا بأسماء الأفراد أو الجهة المنظمة للاجتماع العام، ووسيلة التواصل معهم، كما يحظر القانون على المتظاهرين أن يعتصموا أو يبيتوا في أماكن المظاهرة، أو تجاوز المواعيد المقررة للتظاهر.
ويشمل القانون عقوبة السجن والغرامة من 100 ألف إلى 300 ألف جنيه لكل من عرض أو حصل على مبالغ نقدية، أو أي منفعة لتنظيم المظاهرات، أو الاعتصام دون إخطار أو توسط في ذلك.
ووفقا لذلك القانون فقد سجن عدد من النشطاء البارزين ممن شاركوا في ثورة 25 يناير 2011، بتهم خرق قانون التظاهر وعدم الحصول على تصريح من الشرطة للاحتجاج، من بينهم أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل (نيسان) وأحمد دومة وماهينور المصري وعلاء عبد الفتاح.
وتقاوم أحزاب مدنية ومنظمات حقوقية مصرية حاليا لإلغاء أو على الأقل تعديل هذا القانون، الذي عدته مهددا للحريات والديمقراطية في مصر. وأقام المحاميان طارق العوضي وخالد علي والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومركز دعم دولة القانون دعوى قضائية بشأن عدم دستورية المادتين 8 و10 من القانون، وضرورة تأكيد الحق في التعبير عن الرأي كأحد ضمانات الحرية التي كفلتها الدساتير المصرية المتعاقبة.
وفي 17 يونيو الماضي، قضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بإحالة هذه الدعوى القضائية للمحكمة الدستورية العليا للنظر في مدى دستورية هذا القانون، وأرجأت نظر الدعوى لجلسة 21 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لحين رد المحكمة.
واستحدث قانون التظاهر نظاما جديدا يلزم المحافظين بتخصيص منطقة كافية داخل حدود المحافظة يسمح فيها للاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات السلمية للتعبير السلمي فيها عن الرأي دون التقيد بالإخطار، على أن يتضمن قرار تحديد هذه المنطقة إشارة للحدود القصوى لأعداد المجتمعين فيها. لكن المفارقة أن أي من هذه المناطق، التي حددتها كل محافظات مصر عقب إقرار القانون، لم تشهد مظاهرة واحدة حتى الآن، رغم مرور تسعة أشهر على تخصيصها.
يقول الناشط الحقوقي، جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان لـ«الشرق الأوسط»: «بالفعل تقلصت المظاهرات إلى حد كبير بسب القمع الممارس من قبل أجهزة الدولة بموجب قانون تنظيم التظاهر، لكن هذا القانون آجلا أم عاجلا مصيره الزوال، ولن يعترف به أحد إلا الدولة». وأوضح عيد أنه «في كل الأحوال ومع مرور الوقت وعدم تحقيق رغبات الناس، سيتجاوز الناس القانون، أو سيعدله البرلمان المقبل». وحول المناطق المخصصة للتظاهر، أشار عيد إلى أن هذه المناطق لم تستخدم أي منها حتى الآن ولم يعترف بها أحد.
«الشرق الأوسط» زارت المنطقة التي خصصتها محافظة القاهرة للمظاهرة، والتي تقع في حي مصر القديمة جنوب حديقة الفسطاط. يقول عم «محمد» حارس المنطقة، إنه منذ الإعلان عنها لم يأت أحد إلى هذا المكان إطلاقا. ويضيف: «كيف يأتي أحد في موقع خرب ويترك العمار داخل المدينة، الناس لا يتظاهرون في منطقة لا يسمعهم فيها أحد».
ولا يتوافر في المنطقة المشار إليها، والتي تعد ساحة كبيرة خالية وتقدر ببعض الأفدنة، أي نوع من الخدمات الأساسية وأهمها مياه الشرب أو «دورات المياه»، كما أنها أشبه بمنطقة صحراوية يعاني الموجود فيها من حرارة الشمس.
ويعد الوصول إلى هذه المنطقة أمرا شاقا جدا ومجهدا، حيث يستغرق الطريق نحو ساعة أو أكثر من منطقة وسط القاهرة. ويشير عم «محمد» إلى أن أي «شخص يعتزم التظاهر في هذا الموقع لن يراه أحد، فليس هنا أي تجمع سكاني كبير أو ما شابه».
وترى الحقوقية داليا موسى، أن «ساحات التظاهر هذه أمر غير منطقي وغير معمول به، فمن المفترض ألا يوجد مثل ذلك، فالناس تقوم بالاحتجاج عند موقع الجهة المنوط بها حل الموضوع، وليس في الصحراء».
رسم بياني يوضح الاحتجاجات خلال شهر يوليو الماضي (الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)



تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.


تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.


المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.