الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال

الحكومة منحته الغطاء السياسي.. و«حزب الله» أكمل استعداداته للدفاع عن المناطق الشيعية

الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال
TT

الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال

الجيش اللبناني يوافق على هدنة مشروطة في معركة عرسال

وافق الجيش اللبناني، أمس، على اتفاق مؤقت لوقف النار، بدأ في الساعة السادسة مساء، يسمح بدخول وفد من هيئة العلماء المسلمين إلى عرسال للقاء مسؤولين عن المسلحين المتشددين المقاتلين ضد الجيش في البلدة وغرودها، يبدأ من إطلاق سراح 22 عسكرياً كان الجيش فقد الاتصال بهم، ويُستكمل بانسحاب المسلحين باتجاه الأراضي السورية.
وجاءت الهدنة المؤقتة، بعد استعادة الجيش اللبناني زمام المبادرة، والسيطرة على مواقع متاخمة لنقاط الجيش كان المسلحون تمركزوا فيها على أطراف البلدة الغربية، وفي تلالها الشرقية الحدودية مع سوريا. وتوسعت سيطرة الجيش إلى التلال المطلة على البلدة، بعدما دفع بتعزيزات من أفواج عسكرية مقاتلة إلى البلدة، ساهمت بإحباط هجمات معاكسة للمسلحين على نقطة المهنية في عرسال التي يوجد بجوارها أكبر نقاط الجيش في عرسال وثكنته العسكرية.
وبادرت هيئة العلماء المسلمين إلى اقتراح هدنة في البلدة، إذ عقد وفد منها برئاسة الشيخ سالم الرافعي اجتماعا مع رئيس الحكومة تمام سلام، ووزيري العدل أشرف ريفي والداخلية نهاد المشنوق، ووفد من هيئة العلماء المسلمين الذي توجه إلى البلدة لطرح المبادرة على المسلحين.
وقال مصدر عسكري إن الجيش سمح بوقف إطلاق نار مؤقت، بدءاً من الساعة السادسة مساء، كي يدخل وفد المشايخ إلى عرسال ويعود بالعسكريين اﻷسرى، مشددا، في تصريح نقلته قناة «إل بي سي آي» على أن عودة العسكريين «شرط أول لمواصلة تطبيق باقي بنود الاتفاق».
ويضم الاتفاق أربعة بنود أساسية. وأوضح عضو هيئة العلماء المسلمين الشيخ نبيل رحيم لـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاق ينص على «إطلاق سراح العسكريين والأمنيين الموقوفين»، و«انسحاب المسلحين من عرسال وتلالها وغرودها إلى سوريا»، و«إخراج المدنيين الجرحى من أهل عرسال المحاصرين في البلدة»، و«إدخال مساعدات إنسانية إلى البلدة التي تشهد اشتباكات». وأشار إلى أن بنداً خامساً في الاتفاق جرى إرجاء البحث فيه إلى وقت لاحق، بعد تنفيذ الهدنة والتوصل إلى اتفاق نهائي لإطلاق النار، مرتبط بمصير (القيادي المتشدد) عماد جمعة الموقوف لدى الجيش إلى وقت لاحق لم يحدد».
وكانت الاشتباكات اندلعت إثر توقيف جمعة، وهو قيادي متشدد أعلن مبايعته لتنظيم «داعش»، يوم السبت الماضي، وأدت إلى مهاجمة مسلحين سوريين متشددين مواقع الجيش في عرسال، والسيطرة على بعض أحياء البلدة الداخلية، ونقل المعارك، بعد ملاحقة الجيش لهم، إلى داخل البلدة ومدخلها الغربي المحاذي لبلدة اللبوة.
وقال الشيخ رحيم إن المبادرة بدأت بمسعى من هيئة العلماء المسلمين التي اقترحتها على الحكومة اللبنانية، ووافقت عليها، كما وافقت قيادة الجيش على دخولها حيز التنفيذ، مشيراً إلى أنها «مبادرة ذاتية من الهيئة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإيقاف المعارك». ولفت إلى «إننا ننتظر معرفة قرار المسلحين إذا كانوا سيوافقون على المبادرة»، على الرغم من أن الأمور «أكثر تعقيداً، كونها مرتبطة بأمور إقليمية» لم يوضحها، وعلى وجه الخصوص «مرتبطة بتدخل حزب الله في سوريا».
وواصل الجيش اللبناني عملياته العسكرية أمس، والتي أسفرت عن مقتل «14 شهيدا بالإضافة إلى 86 جريحا، وفقد 22 عسكريا، ويعمل الجيش على البحث والتقصي عنهم لكشف مصيرهم»، كما أوضحت قيادة الجيش في بيان لها.
وقال الجيش إن وحداته «تخوض معارك ضارية منذ يومين على أكثر من محور، في منطقة غرود عرسال ضد مجموعات مسلحة من الإرهابيين والتكفيريين»، مشيرا إلى أنه «أنهى تعزيز مواقعه العسكرية الأمامية، وتأمين ربطها ببعضها بعضا ورفدها بالإمدادات اللازمة». وقال إن وحداته «تعمل على مطاردة المجموعات المسلحة التي لا تزال تمعن في استهداف العسكريين والمدنيين العزل في بلدة عرسال».
وكانت المعارك اشتدت فجر أمس في محيط المهنية الواقعة غرب البلدة. وأكدت قيادته في بيان صدر عن مديرية التوجيه، أن أحد مراكز الجيش، بالقرب من مهنية عرسال، «تصدى لهجوم قامت به أعداد كبيرة من المسلحين الإرهابيين الليلة الماضية، وتمكنت عناصر المركز بعد اشتباكات عنيفة بمختلف أنواع الأسلحة، من إيقاع عشرات القتلى والجرحى في صفوف الإرهابيين المهاجمين، فيما لاذ الباقون منهم بالفرار».
وتقدمت وحدات الجيش على محور وادي الرعيان ووادي عطا، وهي تلال استراتيجية في الجبال الشرقية المطلة على عرسال، بعد استكمال السيطرة على النقاط العسكرية غرب البلدة. وقالت مصادر ميدانية من البلدة لـ«الشرق الأوسط» إن نقاط الجيش تتوزع على أطرافها، ولا وجود لمركز داخل البلدة، حيث يسيطر المسلحون على الأحياء». وأشارت المصادر إلى أن الاشتباكات «تركزت على تخوم وادي الحصن الذي يسيطر فيه المسلحون على مركز للجيش، كانوا خطفوا عسكريين منه»، لافتة إلى «شكوك بأن العسكريين المخطوفين محتجزون في تلك النقاط التي تقدم الجيش عليها».
وفي سياق متصل، أكد مسؤول أمني لبناني لوكالة «رويترز» أن الجيش اللبناني تقدم في عرسال وعثر على جثة 50 مسلحاً، فيما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن ثلاثة أطفال من آل الحجيري قتلوا جراء الاشتباكات المستمرة بين الجيش والمسلحين في بلدة عرسال.
وتعد ثكنة الجيش قرب المهنية «أكبر النقاط العسكرية التابعة للجيش في عرسال، وتقع في منطقة رأس السرج، غرب البلدة، فيما تتوزع أربع نقاط عسكرية على التلال الحدودية مع سوريا في وادي عطا والمصيدة ووادي الحصن ووادي حميد. وكان الجيش تعرض منذ شهر يناير (كانون الثاني) 2013 لهجمات شنها مسلحون على مواقع متقدمة في وديان حدودية مع سوريا، قتل فيها عدد من العسكريين. كما تعرضت نقاط تابعة للجيش لهجمات انتحارية وإطلاق نار.
ويقول الجيش إن ثلاثة آلاف مسلح على الأقل، معظمهم من السوريين الذين ينتمون لجماعات متشددة، يقاتلون الجيش في عرسال، ويتنقلون بين مخيمات النازحين السوريين وتلال البلدة. وتزامنت الاشتباكات مع معارك داخل الحدود السورية، يخوضها الجيش النظامي مدعوما بمقاتلين من حزب الله اللبناني، ضد مقاتلي المعارضة الذين غالباً ما كانوا يفرون إلى غرود عرسال.
وتمتد حدود عرسال مع سوريا على مسافة 52 كيلومتراً، وتحاذي محافظتي حمص وريف دمشق. وكانت القوات الحكومية السورية استعادت السيطرة على بلدات القلمون المتاخمة لعرسال في شهر أبريل (نيسان) الماضي، قبل أن تتجدد الاشتباكات مطلع شهر يوليو (تموز) الماضي.

وسياسيا أجمع المسؤولون اللبنانيون على وجوب توفير الدعم السياسي واللوجيستي للجيش اللبناني، فيما أعلنت الحكومة اللبنانية أمس: «لا مهادنة ولا تساهل مع الإرهابيين»، وأن «الحل الوحيد المطروح هو انسحاب المسلحين من عرسال وجوارها، والإفراج عن جميع العسكريين اللبنانيين المحتجزين، وعودة الدولة بكل أجهزتها إلى هذه المنطقة اللبنانية العزيزة».
وطالبت بعض القوى السياسية، وتحديدا حزبي «القوات»، بلسان رئيسه سمير جعجع، و«الكتائب»، التي يتزعمها الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، على لسان وزرائها في الحكومة، بتوسيع تطبيق القرار الدولي 1701 ليشمل نشر قوات دولية على الحدود مع سوريا، على غرار الوضع في جنوب لبنان، لكن هذا الاقتراح لم يلق تجاوبا في مجلس الوزراء ولا على الساحة اللبنانية. وبموازاة ذلك، برز موقف لافت لرئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط، الذي قال إن «المطلوب التحلي بأعلى درجات اليقظة والإدراك أن المعركة في لبنان أصبحت معركة وجودية وأكبر من أن تكون معركة حسابات فئوية من هنا وهناك».
وكانت الحكومة اللبنانية، عقدت أمس اجتماعا استثنائياً على خلفية مواجهات عرسال، خرج بعده رئيس الحكومة تمام سلام ليعلن، محاطاً بالوزراء كافة، قرار مجلس الوزراء «استنفار كل المؤسسات والأجهزة الرسمية اللبنانية للدفاع عن لبنان والتصدي لكل محاولات العبث بأمنه، والحيلولة دون تحويله ساحة لاستيراد صراعات خارجية». وأشار إلى أن «هذه المسؤولية ملقاة بالدرجة الأولى على السلطة السياسية بمؤسساتها الدستورية كافة، كما على جميع المرجعيات والقوى السياسية المختلفة، وهي ملقاة بالمقدار نفسه على قواتنا المسلحة، من جيش وقوى أمنية».
وقال سلام، في بيان إثر اجتماع مجلس الوزراء، إن «لبنان يتعرض لعدوان صريح على سيادته وأمنه، من مجموعات إرهابية ظلامية (..) تنفيذا لخطة مبرمجة مشبوهة»، جازماً بأنه «لا تساهل مع الإرهابيين القتلة، ولا مهادنة مع من استباح أرض لبنان وأساء إلى أهله». وتابع: «لا حلول سياسية مع التكفيريين، الذين يعبثون بمجتمعات عربية تحت عناوين دينية غريبة وظلامية، ويريدون نقل ممارساتهم المريضة إلى لبنان».
من ناحيته، حذر النائب وليد جنبلاط من «وقائع جديدة ترتسم في المنطقة العربية مع تسارع الأحداث السياسية والعسكرية التي تدل، أكثر من أي وقت مضى، على أن الدول القومية والوطنية التي تولدت بفعل اتفاقية (سايكس - بيكو) ولاحقا اتفاقية (لوزان) في طريقها إلى الانهيار في مقابل صعود كيانات طائفية ومذهبية ترسم حدودها بالحديد والنار والمجازر والتهجير».
وأجمعت المواقف السياسية الصادرة أمس على الدعم الكامل للجيش اللبناني «في مواجهته المسلحين الغرباء والإرهابيّين»، على حد تعبير رئيس حزب القوات سمير جعجع، مؤكداً «رفضه أي مقايضة من أي نوع كان مع المسلحين».
في المقابل، هاجم رئيس الهيئة الشرعية في «حزب الله» الشيخ محمد يزبك «البعض ممن يتحركون ويريدون أن يفتئتوا على الجيش اللبناني وعلى الوطن من أجل مصالحهم الخاصة»، وقال: «لن نترك الجيش وحده وكلنا مع الجيش الذي اختلطت دماؤه بدماء أبنائه في مواجهة العدوان الإسرائيلي وفي الدفاع عن لبنان واستقلاله».
وطالب يزبك «أبناء المناطق القريبة من مسرح الاشتباكات أن يكونوا على استعداد لمواجهة خفافيش الليل المظلم»، وقال: «علينا أن نكون جاهزين ومن يهدد بانقسام الجيش والخروج عنه نقول لهم ليس لبنان ولا البقاع هو الموصل، ولن نسمح بهدم مسجد أو كنيسة أو حسينية أو مقام وسندافع بكل ما أوتينا من قوة ولن نتردد».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.