مسؤول فلسطيني لـ {الشرق الأوسط}: المفاوضات تبدأ الأحد بوساطة مصرية

كيري وبان كي مون يحملان حماس مسؤولية خرق الهدنة.. والقسام تلتزم الصمت

فلسطينيون يبحثون بين الركام عما تبقى من أغراضهم بعد القصف الإسرائيلي العنيف الذي تعرضت له منازلهم في غزة أمس (أ.ب)
فلسطينيون يبحثون بين الركام عما تبقى من أغراضهم بعد القصف الإسرائيلي العنيف الذي تعرضت له منازلهم في غزة أمس (أ.ب)
TT

مسؤول فلسطيني لـ {الشرق الأوسط}: المفاوضات تبدأ الأحد بوساطة مصرية

فلسطينيون يبحثون بين الركام عما تبقى من أغراضهم بعد القصف الإسرائيلي العنيف الذي تعرضت له منازلهم في غزة أمس (أ.ب)
فلسطينيون يبحثون بين الركام عما تبقى من أغراضهم بعد القصف الإسرائيلي العنيف الذي تعرضت له منازلهم في غزة أمس (أ.ب)

بعد انهيار الهدنة أمس، اثير جدل حول امكانية التوصل لاتفاق لتحديد موعد للتفاوض بين الاسرائيليين والفلسطينيين في القاهرة، وقال بسام الصالحي، عضو الوفد الفلسطيني الذي يفترض أن يصل إلى القاهرة اليوم لبحث سبل وقف إطلاق النار في غزة، إن الوفد جاهز لمفاوضات فورية مع إسرائيل بوساطة مصرية.
وقال الصالحي وهو عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير للشرق الأوسط: «نحن جاهزون من الآن للبدء في مفاوضات».
وأضاف: «سنتوجه غدا (اليوم) إلى القاهرة بموقف متماسك وسنتحرك وفق خطة عمل واضحة». وتابع: «خطتنا هي الوصول إلى فك الحصار عن غزة والبحث في نقاط أكثر تحديدا».
ويتحدث الصالحي عن النقاط التي وردت في الملاحظات التفسيرية الفلسطينية على المبادرة المصرية وتشمل فتح المعابر وإلغاء الشريط الأمني والسماح بالصيد البحري على عمق 12 ميلا بحريا، وإطلاق سراح أسرى صفقة شاليط الذين أعيد اعتقالهم أخيرا وإطلاق سراح أسرى الدفعة الرابعة الذين اتفق عليهم أثناء المفاوضات مع الإسرائيليين ولم يجر الإفراج عنهم. وأوضح الصالحي أن مصر هي التي ستشرف وتدير المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
ويفترض أن تتوسط مصر بين الطرفين وتمارس صلاحياتها على الأطراف لحين الوصول إلى اتفاق.
وفي المقابل، يطرح الإسرائيليون كذلك شروطا من ضمنها تدمير الأنفاق وسحب سلاح حماس وإيجاد آلية لمنع تهريب الأسلحة والأموال إلى غزة ووجود فلسطيني رسمي على معبر رفح وليس من حماس. وستكون الطلبات الفلسطينية والإسرائيلية محل نقاش وجدل كبير. ويعتقد أن تنطلق المفاوضات الأحد بسبب عطلة السبت عند اليهود.
وقال الصالحي: «على الأغلب أنها ستنطلق الأحد».
وأكد الصالحي أن جهودا تبذل من أجل إقناع إسرائيل بالعودة إلى الهدنة الإنسانية في غزة. وقال الصالحي إن الجانب الفلسطيني بكل أطرافه بما في ذلك حماس ما زالوا ملتزمين بالتهدئة.
واتهم الصالحي إسرائيل بخرق التهدئة. وقال إنهم طالما يريدون العمل داخل القطاع فعليهم أن يتوقعوا مقاومة. وأضاف: «إذا كانت إسرائيل جادة في التهدئة فعليها وقف كل الأنشطة العسكرية».
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس شكل أمس الوفد الفلسطيني بعد مباحثات أجراها عبر الهاتف مع وزير الخارجية المصري سامح شكري.
وأصدر عباس قرارا بتشكيل وفد يرأسه عزام الأحمد (فتح) وماجد فرج (فتح) وموسى أبو مرزوق (حماس)، وخليل الحية (حماس)، وعزت الرشق (حماس)، ومحمد نصر (حماس)، وعماد العلمي (حماس)، بسام الصالحي (حزب الشعب)، وقيس عبد الكريم (الجبهة الديمقراطية)، وزياد نخالة (الجهاد الإسلامي)، وخالد البطش (الجهاد الإسلامي)، وماهر الطاهر (الجبهة الشعبية).
وكان يفترض أن تتوجه الوفود أمس إلى القاهرة، لكن إسرائيل اعتذرت وأعلنت انهيار التهدئة.
واتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هاتفيا مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس وقال له: «على الرغم من التصريحات التي أدليت بها مع الأمين العام للأمم المتحدة بأنه جرى قبول ضمانات من قبل حماس والتنظيمات الإرهابية الأخرى العاملة في قطاع غزة حول احترام وقف إطلاق النار اعتبارا من الساعة الثامنة صباحا، فإن الفلسطينيين خرقوا بشكل سافر وأحادي الجانب الهدنة الإنسانية واعتدوا على جنودنا بعد الساعة التاسعة. ونتيجة هذه الاعتداءات قُتِل جنديان إسرائيليان وهناك خشية من اختطاف جندي آخر وذلك بعد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ».
وأضاف: «حماس والتنظيمات الإرهابية الأخرى في قطاع غزة ستتحمل نتائج أفعالها ونحن سنتخذ جميع الإجراءات اللازمة بحق أولئك الذين يدعون إلى تدميرنا ويشنون اعتداءات إرهابية على مواطنينا».
كما بحث كيري مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس إمكانية تثبيت الهدنة من جديد.
وفي هذا الوقت نددت الولايات المتحدة بقوة بمقتل جنديين إسرائيليين وخطف جندي آخر على أيدي ناشطين فلسطينيين وألقت باللوم على حماس في انتهاك وقف إطلاق النار.
ودعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري حماس لأن «تفرج على الفور ودون شروط عن الجندي الإسرائيلي المخطوف». وحث كيري المجتمع الدولي على «تكثيف الجهود لإنهاء الهجمات ضد إسرائيل».
وقال كيري في بيان: «إنني على اتصال وثيق بنتنياهو والمنسق الخاص للأمم المتحدة روبرت سري وشركاء آخرين في المنطقة». وأضاف: «يجب على المجتمع الدولي الآن أن يضاعف جهوده لإنهاء هجمات الأنفاق والصواريخ التي يشنها إرهابيو حماس على إسرائيل والمعاناة وإزهاق أرواح المدنيين».
كما ندد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون «بانتهاك ناشطي حماس لهدنة إنسانية مدتها 72 ساعة في غزة» وطالب بالإفراج الفوري غير المشروط عن الجندي الإسرائيلي الأسير.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفاني ديواريتش: «لقد أصيب بمشاعر الصدمة والاستياء البالغ لهذه التطورات». وأضاف أن «الأمين العام يشعر بقلق شديد بشأن استئناف الهجمات الإسرائيلية على غزة».
وقال ديواريتش: «يحث الأمين العام الجانبين على إبداء أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى الهدنة الإنسانية ومدتها 72 ساعة التي لم تستمر سوى فترة قصيرة من الوقت».
ولاحقا، دعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري «بدافع الخوف من تصاعد أعمال العنف في قطاع غزة» تركيا وقطر إلى استخدام نفوذهما في تحقيق الإفراج عن الجندي الإسرائيلي.
واتصل كيري بوزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو على الفور بعد أن أبلغه أحد مساعديه أثناء رحلة العودة من زيارة للهند بتقارير أشارت إلى خطف الجندي الإسرائيلي ومقتل جنديين. وأدت هذه الحوادث إلى الانهيار السريع لوقف إطلاق النار الذي توسط فيه كيري.
وقال مسؤول رفيع بوزارة الخارجية الأميركية للصحافيين الذين يرافقون كيري: «وجهنا لهما الدعوة لاستخدام نفوذهما وبذل كل ما بوسعهما من أجل عودة الجندي».
وأضاف: «بخلاف ذلك، فإن مخاطر هذا التصعيد المستمر الذي يؤدي إلى مزيد من الخسائر في الأرواح عالية للغاية». وجاء موقف كيري بعد وقت قصير من تصريح للناطق بلسان البيت الأبيض عد فيه هجوم حماس بأنه «يشكل خرقا وحشيا لوقف إطلاق النار».
ولم تؤكد كتائب القسام أو تنفي وجود جندي لديها.
والتقى المجلس الأمني والسياسي المصغر الإسرائيلي (الكابنيت) أمس لبحث الموقف.
وأكد مصدر دبلوماسي في وزارة الخارجية المصرية، أن مصر تتوقع من الطرفين المعنيين الالتزام الكامل بما ورد في حديث سكرتير عام الأمم المتحدة بان كي مون بشأن وقف إطلاق النار قبل بدء المفاوضات.
وكشف المصدر الدبلوماسي عن بدء المفاوضات غدا (الأحد) بعد وصول الوفد الفلسطيني صباح السبت، ووصول الوفد الإسرائيلي صباح الأحد.
وقال الدبلوماسي، إن المفاوضات لا بد أن تجري في أعقاب الهدنة التي تبلغ مدتها 72 ساعة والتي أعلنت عنها الأمم المتحدة ووزير الخارجية الأميركي جون كيري.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.