«أبو هريرة» أول انتحاري أميركي.. عاد للوطن قبل تفجير نفسه

وكالات أمنية: أكثر من 1000 مواطن غربي بينهم 100 مواطن أميركي تدربوا على القتال في سوريا

مير محمد أبو صالحة (أبو هريرة الأميركي) يقطع جواز سفره ويحرقه في شريط فيديو قبل تفجير نفسه (نيويورك تايمز)
مير محمد أبو صالحة (أبو هريرة الأميركي) يقطع جواز سفره ويحرقه في شريط فيديو قبل تفجير نفسه (نيويورك تايمز)
TT

«أبو هريرة» أول انتحاري أميركي.. عاد للوطن قبل تفجير نفسه

مير محمد أبو صالحة (أبو هريرة الأميركي) يقطع جواز سفره ويحرقه في شريط فيديو قبل تفجير نفسه (نيويورك تايمز)
مير محمد أبو صالحة (أبو هريرة الأميركي) يقطع جواز سفره ويحرقه في شريط فيديو قبل تفجير نفسه (نيويورك تايمز)

عندما قاد منير محمد أبو صالحة شاحنة محملة بالمتفجرات إلى أحد المطاعم في شمال سوريا في شهر مايو (أيار)، سلمت السلطات الأميركية بأنهم لا يعرفون إلا القليل عن كيفية تحول الشاب الذي نشأ مراهقا مهووسا بكرة السلة في مجتمع مسور في فلوريدا إلى انتحاري.
ولم تعترف السلطات الأميركية بالاكتشاف المذهل الذي توصلوا إليه قبل أسابيع من خلال تحقيقاتهم، وأنه عقب تلقيه التدريبات على يد جماعة متطرفة في سوريا، عاد السيد أبو صالحة الذي عرف بعد ذلك باسم «أبو هريرة الأميركي» إلى الولايات المتحدة مجددا ليقضي عدة شهور قبل مغادرة البلاد للمرة الأخيرة.
واختار أبو صالحة، البالغ من العمر 22 سنة، الذي يعد أول انتحاري أميركي في الأراضي السورية، تنفيذ هجومه في سوريا بدلا من الولايات المتحدة، ولكن الصعوبة في تتبع خلفيته، ودوافعه، وسفرياته، تشير إلى المشكلات التي تواجه المسؤولين المكلفين بإنفاذ القانون في محاولة التعرف على هويات الغربيين - بمن فيهم عشرات الأميركيين - الذين يعتقد أنهم تلقوا التدريبات على يد المسلحين الإسلاميين في سوريا.
ذكر مسؤولون في مكافحة الإرهاب في كل من أوروبا والولايات المتحدة منذ فترة طويلة أنهم يعدون عودة المواطنين المتطرفين من سوريا إلى بلادهم تهديدا قائما، وخصوصا بالنسبة للبلدان التي يسهل الوصول إليها من سوريا. ولكن مع الكثير من الأميركيين الذي يسافرون للخارج، يواجه المسؤولون في الولايات المتحدة سؤالا صعبا حول كيفية التعامل مع الأخطار المحتملة التي تشكلها مجموعة صغيرة من الناس. وقال ريك نيلسون، وهو مسؤول كبير سابق في مكافحة الإرهاب، إنه ينبغي توجيه اللوم إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي وغيره من هيئات إنفاذ القانون إزاء التغافل عن سفريات أبو صالحة إذ لم يتمكنوا من تتبع الرايات الحمراء «مثل محادثاته عبر شبكة الإنترنت مع الجماعات المسلحة أو نشر الآيديولوجيات الراديكالية على وسائل الإعلام الاجتماعي».
ولكن «إذا كان يعمل تحت المراقبة، واشترى تذكرة بالفعل ثم عاد مرة أخرى، فلن تكون هناك حاجة للتحقيق معه»، كما قال السيد نيلسون، نائب الرئيس الحالي في شركة كروس ماتش للتقنيات: «من السهولة بمكان السفر إلى الخارج والبقاء دون اكتشاف أو تتبع». وقد رفض مايكل كورتان، المتحدث الرسمي باسم مكتب التحقيقات الفيدرالية، مناقشة قضية السيد أبو صالحة، ولكنه أقر بالمشكلات التي تواجه مسؤولي إنفاذ القانون.
وأضاف كورتان: «رغم عدم إمكانية مناقشة التفاصيل في هذه الحالة تحديدا، فإن المسؤولين الأميركيين حذروا منذ شهور من الصعوبات التي تشمل التعرف على الأميركيين الذين يسافرون إلى سوريا للمشاركة في الصراع المسلح، حيث تجسد هذه الحادثة قدر التحديات التي تواجه مكتب التحقيقات الفيدرالي في اكتشاف المواطنين الأميركيين الذين يسعون إلى السفر إلى سوريا للمشاركة في الجهاد».
ولكن قضية أبو صالحة تعد دليلا أيضا على أن الغربيين الذاهبين إلى الصراع السوري ليس بالضرورة أن يكون هدفهم هو شن الحرب خارج حدود سوريا. وجبهة النصرة، وهي الجماعة التي دربت أبو صالحة، معروف تحالفها مع تنظيم القاعدة ولكنها كانت أول من التزم بمقاتلة حكومة الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية السورية الدامية.
ولا يزال المسؤولون الأميركيون يجمعون معلومات حول سفريات أبو صالحة داخل الولايات المتحدة فيما بين رحلتيه المذكورتين إلى سوريا وجمع المعلومات حول من تقابل معهم. وجاءت بعض المعلومات حول الوقت الذي قضاه في سوريا من شريط فيديو مطول أصدرته جبهة النصرة يوم الاثنين، حيث شوهد فيه السيد أبو صالحة يمزق، ويعض، ويحرق جواز سفره الأميركي. وقال إنه دخل إلى سوريا عبر تركيا، حيث وصل إليها وبحوزته 20 دولارا في جيبه لأجل التأشيرة التركية.
وأضاف أبو هريرة الأميركي: «من هناك لم تكن معي أي نقود، ولم أعرف أي شخص يمكن أن يساعدني للذهاب إلى سوريا»، على حد قوله. ولم يذكر كيف انتقل من تركيا إلى سوريا. وقبل مغادرة الولايات المتحدة، قال إنه سار خمسة أميال إلى المطار.
«سالت الله طيلة الطريق ليجعله يسيرا علي، وقد جعله الله يسيرا علي بالفعل»، كما قال، وأضاف أنه حاول تجنيد أميركيين آخرين للذهاب إلى سوريا.
لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي بعض المؤشرات حول توقيت رحلته الأولى تفيد بأن أبو صالحة قد سافر إلى سوريا، ولكنهم لم يدركوا أنه تلقى التدريبات في معسكر جبهة النصرة ولم تتوفر لديهم المعلومات بنيته تنفيذ هجوم انتحاري، طبقا لتصريحات المسؤولين. حصلت الولايات المتحدة على المعلومات حول نيته تنفيذ الهجوم الانتحاري عقب وصوله إلى سوريا في المرة الثانية.
وصرح أحد مسؤولي إنفاذ القانون: «كان في طريقه عند تلك المرحلة وقرر المضي قدما في تنفيذ الهجوم. لقد كان الوقت ضيقا للغاية حين علمنا بتنفيذه للهجوم».
وقال ماثيو جي. أولسن، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي: «بمجرد وصولهم إلى سوريا، فإن قدرتنا على إدراك أماكنهم وماذا يصنعون تعد محدودة للغاية».
وقال إن وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات قدرت أن هناك أكثر من 1000 مواطن غربي - بمن فيهم ما يقرب من 100 مواطن أميركي - قد تلقوا التدريبات في سوريا، ولكن من المرجح أن يكون الرقم أكبر من ذلك نظرا لأن الرؤية قليلة الوضوح بالنسبة للمسؤولين الأميركيين حيال تحركات المقاتلين الأجانب إلى البلاد. كانت هناك مناسبات أخرى حيث تلقى الأميركيون تدريبات إرهابية خارج البلاد ثم عادوا إلى الوطن، من دون علم وكالات إنفاذ القانون الأميركية.
قبل تفجيره لقنبلة في تايمز سكوير عام 2010، فيصل شاهزاد، وهو مواطن أميركي من أصل باكستاني، كان قد تلقى تدريبات على المتفجرات في معسكر تديره حركة طالبان باكستان. وهناك أميركي آخر، يدعى ديفيد هادلي، قام بعدة رحلات إلى معسكرات التدريب الباكستانية التي تديرها جماعة عسكر طيبة وساعد في استطلاع الأهداف لصالح الجماعة، التي نفذت هجمات إرهابية في مومباي بالهند عام 2008.
وقال السيد نيلسون، المسؤول السابق في مكافحة الإرهاب، إن الأميركيين المسافرين إلى سوريا ما هم إلا مشكلة كبيرة في أعداد صغيرة. «إنها قضية الخصوصية مقابل الأمن، فلا يمكننا تتبع تحركات كل الأميركيين خارج البلاد، لم يسافر إلى هناك إلا بضع مئات فقط، وهناك الآلاف من الأميركيين الذين يسافرون في كل يوم». وفي مقطع فيديو صدر حديثا، تحدث أبو صالحة مباشرة إلى الكاميرا لما يقرب من نصف الساعة، وكان السلاح أحيانا ما يرتكن على كتفه. كان هادئا في أوقات، وفي أوقات أخرى يصرخ بغضب، دافعا صدره ومشيرا بإصبعه نحو الكاميرا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.