انتكاسة قوات حفتر أمام مسلحي بنغازي

انهيار هدنة وقف إطلاق النار.. وتضارب رسمي حول مشاركة طائرات أجنبية في إطفاء حرائق النفط

دخان يتصاعد في سماء طرابلس بعد اشتباكات في محيط المطار أمس (أ.ب.)
دخان يتصاعد في سماء طرابلس بعد اشتباكات في محيط المطار أمس (أ.ب.)
TT

انتكاسة قوات حفتر أمام مسلحي بنغازي

دخان يتصاعد في سماء طرابلس بعد اشتباكات في محيط المطار أمس (أ.ب.)
دخان يتصاعد في سماء طرابلس بعد اشتباكات في محيط المطار أمس (أ.ب.)

انهار مبكرا، أمس، الاتفاق الذي أعلن عنه المجلس المحلي للعاصمة الليبية طرابلس لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتنازعة لمدة 24 ساعة لمنح الفرصة لإطفاء الحرائق المشتعلة منذ أمس في خزانات الوقود في محيط مطار طرابلس الدولي، بينما برز تناقض بين السلطات الليبية حول مشاركة طائرات أجنبية في إخماد الحرائق، في حين علمت «الشرق الأوسط» أن عبد الله الثني رئيس الحكومة الانتقالية قد تمكن من مغادرة العاصمة طرابلس، واتجه إلى مدينة البيضاء في شرق البلاد.
وقالت الحكومة في بيان لها أمس إن النيران ما زالت تلتهم الخزانات بالمستودع، الواحد تلو الآخر حتى وصلت الآن إلى الخزان الرابع بسبب استمرار الاشتباكات والقصف العشوائي الذي تتعرض له المنطقة.
وأكدت انسحاب فرق الإطفاء لعدم قدرتهم على الاستمرار في ظل القصف المتواصل، مشيرة إلى أن الفرق المحلية رغم الجهود المضنية والإصرار أضحت غير قادرة على السيطرة على الموقف ما لم يكن هنالك دعم دولي. كما عدت أن استمرار الوضع على ما هو عليه سيسبب كارثة إنسانية وبيئية غير مسبوقة في ليبيا، موضحة أنها نسقت مع الحكومة الإيطالية وشركة «إيني للنفط والغاز» للمساعدة في إطفاء هذه الحرائق، إلا أنها اشترطت وقفا حقيقيا وشاملا لإطلاق النار في المنطقة.
وطالبت الحكومة مجددا جميع الأطراف بالتوقف عن إطلاق النار فورا وفسح المجال للفرق المحلية والدولية للقيام بمهامها، وقالت إنها تحمل الطرف الذي لا يستجيب لهذا النداء كامل المسؤولية الجنائية والأخلاقية عما تسفر عنه هذه الحرائق من كارثة على ليبيا والليبيين.
وأوضح مجلس طرابلس في بيان مقتضب نشره على موقعه الإلكتروني أنه «جرى التوصل إلى اتفاق بعد جهود من التواصل والاتصالات والمفاوضات مدة 24 ساعة تبدأ من الساعة الثامنة من صباح أمس، وذلك لإعطاء فرصة لجهود إطفاء حريق مستودع الوقود وصيانة شبكة الكهرباء».
لكن مصادر ليبية قالت في المقابل لـ«الشرق الأوسط» إن الهدنة انهارت بالفعل بعد الإعلان عنها بساعات قليلة، حيث عاودت الميليشيات المتناحرة للسيطرة على منطقة المطار من جديد قصف خزانات الوقود التي تمد العاصمة باحتياجاتها.
وبرز أمس تضارب رسمي حول حقيقة مشاركة طائرات أجنبية في إطفاء الحرائق، حيث أعلنت الحكومة الانتقالية أنه جرى التنسيق مع الحكومة الإيطالية وشركة «إيني للنفط والغاز» على إرسال سبع طائرات متخصصة في إطفاء الحرائق مع أطقم فنية لمساعدة فرق الإطفاء المحلية في السيطرة على الحرائق المندلعة في مستودعات البريقة للنفط والغاز الواقعة بطريق المطار.
لكن رامي كعال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الليبية قال في المقابل لـ«الشرق الأوسط» إن مشاركة الطيران الإيطالي لم تجرِ حتى مساء أمس نظرا لعدم توقف الرماية، مشيرا إلى أن هيئة السلامة الوطنية هي من يقوم بعمليات الإطفاء. وأضاف: «للعلم أنه تم الاتفاق مع الإيطاليين على إخماد النيران إلا أنهم لم يشاركوا بعد، هناك تهدئة وعند قيام رجال الإطفاء بإخماد النيران تحصل عليهم رماية، مما يجعلهم يغادرون المكان».
وأكد محمد الحراري الناطق الرسمي باسم المؤسسة الليبية للنفط هذه المعلومات، حيث قال في مؤتمر صحافي عقده أمس بطرابلس: «حتى هذه اللحظة ﻻ توجد أي طائرات أو وصول مساعدة خارجية للمساهمة في إطفاء حرائق خزانات طريق المطار، وكل الدول تشترط وقف إطلاق النار».
ولفت الحراري إلى إصابة خزان رابع أمس، وعد أن عملية القصف والرماية على الخزانات «متعمدة»، مما يؤكد وجود نية لإحراق العاصمة طرابلس، على حد تعبيره.
كما نفى المهندس سمير كمال مدير الإدارة للعامة بوزارة النفط والغاز الليبية وجود أي طائرات إيطالية أو أجنبية لإخماد النيران المشتعلة في «خزانات الوقود» التابعة لشركة «البريقة»، من غير عمال الإطفاء بشركة «البريقة» والدفاع المدني، وأشاد بوطنيتهم وجهودهم الجبارة رغم تراشق المتحاربين بأنواع الأسلحة المختلفة.
وأضاف في بيان رسمي بثته الوزارة عبر صحفتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «كل ما هنالك هو وجود اتصالات مع عدد من الدول الصديقة التي أبدت استعدادها للمساعدة في حالة إيقاف إطلاق النار بين المتحاربين». وناشد أصحاب سيارات نقل «المياه» المساهمة في ملء «خزانات المياه» بمنطقة صلاح الدين، للمساعدة في إطفاء وإخماد النيران المشتعلة.
كما أهابت شركة «البريقة لتسويق النفط» بجميع المواطنين أصحاب صهاريج المياه التوجه إلى مستودع طرابلس النفطي، محملين بالمياه، للمساعدة في عملية إخماد النيران بالخزانات.
وقالت هيئة السلامة الوطنية إنه لم تصل أي طائرات للدفاع المدني من أي دولة لإخماد الحريق، مشيرة إلى أن من يتولى إطفاء الحرائق هم من وصفتهم بـ«جنود المحرقة في طرابلس».
وأكدت الشركة اشتعال النيران بالخزان الرابع بعد استهدافه المتعمد بالصواريخ، وأضافت في بيان لها تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه: «هذا استهداف واضح ومتعمد للخزانات ورجال الإطفاء حتى لا يخمد الحريق، هذه الحرب على طرابلس فقط لتدميرها، هناك من يزيد تغيير العاصمة لمدينة أخرى».
وكانت الحكومة الليبية قد طالبت بالحفاظ على ممتلكات وبيوت المواطنين الذين سبق أن أخلوا بيوتهم حفاظا على أرواحهم، حيث وردت أخبار بتعرض بعضها للاعتداء والسرقة.
وقالت الحكومة في بيان أصدرته مساء أول من أمس إنه نظرا لخروج الحرائق بمستودعات النفط بطريق المطار عن السيطرة، فإنها تطلب من جميع المواطنين المقيمين بجوار المنطقة في دائرة ثلاثة كيلومترات إخلاء منازلهم فورا، حفاظا على سلامتهم.
وعدت أن الوضع أصبح مأساويا بطريق المطار بعد اندلاع النيران في الخزان الثاني للمشتقات النفطية، مما ينذر بكارثة إنسانية وبيئية يصعب التكهن بعواقبها، وحملت الحكومة المسؤولية الجنائية والأخلاقية كاملة لهذه الأطراف التي ما زالت متمادية في غيها وعدم امتثالها لجميع الجهود المبذولة لوقف القتال.
من جهتها، وجهت وزارة الداخلية الليبية نداء إلى الأطراف المتنازعة لمساعدة فرق الإطفاء التي تكافح الحريق. وناشدت الأطراف المتنازعة وقفا فوريا لإطلاق النار في المنطقة المحيطة بمكان الحريق لمساعدة دخول سيارات نقل المياه، وإتاحة الفرصة للعاملين بهيئة السلامة الوطنية للقيام بعملهم وإطفاء الحرائق في خزانات الوقود. وأعلنت الوزارة أنها وفرت 18 سيارة إطفاء مجهزة بكامل طاقمها دخلت صباح أمس إلى موقع الحريق، إلا أنها فوجئت بإطلاق نار كثيف مما أجبرها على الانسحاب. وقالت مصادر ليبية إن شاحنات الإطفاء تعرضت أمس لإطلاق رصاص حي عند خروجها من خزانات النفط للتزود بالمياه بطريق المشروع، مشيرة إلى انسحاب رجال الدفاع المدني بقيادة العقيد الطاهر قريصيعه من خزانات النفط، بعد استهداف الخزان الرابع بمضادات الطيران والصواريخ واشتعال النار به.
وقالت إن تبادلا لإطلاق النار لا يزال مستمرا، الأمر الذي أدى إلى إخلاء الموقع، بعد إصابة عدد من العاملين ورجال الإطفاء وقد جرى نقلهم إلى المستشفى.
في غضون ذلك، تمكن عبد الله الثني من مغادرة العاصمة طرابلس متوجها إلى المنطقة الشرقية، في أول زيارة من نوعها بعد منعه الأسبوع الماضي من مغادرة مطار معيتيقة الذي يسيطر عليه مقاتلون تابعون للقيادي السابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة عبد الحكيم بلحاج.
ولم توضح الحكومة بعد الكيفية التي غادر بها الثني العاصمة، لكن أحمد الأمين الناطق باسم الثني قال في المقابل لـ«الشرق الأوسط» في تصريح مقتضب: «نعم، الرئيس (الثني) الآن في مدينة البيضاء».
وتحدثت وسائل إعلام محلية، أمس، عن اختطاف الدكتور مصطفى أبو شاقور رئيس الوزراء الليبي السابق من العاصمة طرابلس، علما بأن أبو شاقور الذي نجح في الفوز بمقعد مجلس النواب الجديد عن دائرة سوق الجمعة، كان مرشحا بقوة لرئاسة المجلس الذي سيتولى لاحقا السلطة من المؤتمر الوطني العام (البرلمان).
من جهة أخرى، لقي 30 شخصا على الأقل مصرعهم في مدينة بنغازي بشرق ليبيا، خلال اشتباكات عنيفة بالصواريخ بين القوات الحكومية الخاصة ومقاتلين إسلاميين شاركت فيها أيضا طائرات حربية، بينما تمكن المتطرفون للمرة الأولى من إسقاط طائرة عسكرية تابعة للجيش الوطني، الذي يقوده اللواء متقاعد خليفة حفتر.
واعترف مصدر عسكري أمس بأن طائرة عسكرية تابعة لقاعدة بنينا الجويـة من نوع «ميغ» سقطت بمنطقة الكويفية شرق بنغازي، لكنه قال في المقابل إن سقوطها جاء نتيجة لما وصفه بـ«عطل فني».
وأوضح المصدر أن طاقم الطائرة تمكن من النجاة، حيث تمكن الطيار من القفز بالمظلة وهو «سالم»، كما قال العميد الركن صقر الجروشي قائد العمليات الجوية لدى القوات الموالية للواء حفتر. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الجروشي قوله: «لا نعلم بعد ما إذا كان عطلا فنيا، أو إذا كانت الطائرة أصيبت برصاصة طائشة».
وبحسب شاهد، فإن الطائرة كانت تشن ضربات على مواقع مجموعات إسلامية قبل تحطمها، وقال إنه شاهد الطيار يقفز بالمظلة قبل سقوط الطائرة.
وفى انتكاسة كبيرة للمعارك التي تخوضها قوات حفتر ضد المتطرفين المتشددين، اجتاح مقاتلون ومتشددون إسلاميون قاعدة كبيرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي، بعد معركة شرسة استخدمت فيها الصواريخ والطائرات الحربية.
وقال مسؤولون عسكريون وسكان إن جنودا من القوات الخاصة اضطروا إلى التخلي عن معسكرهم الرئيس في جنوب شرقي بنغازي بعد تعرضهم لهجوم متواصل من تحالف يضم مقاتلين ومتشددين إسلاميين.
وقال فاضل الحاسي المسؤول بقوات الصاعقة الخاصة لوكالة «رويترز» إنهم انسحبوا من القاعدة العسكرية بعد قصف عنيف، في حين أكد متحدث باسم القوات الخاصة استيلاء المقاتلين الإسلاميين على القاعدة.
ولم يرد الجنرال حفتر على محاولة الاتصال به عبر هاتفه الجوال، بينما نقل مقربون من العقيد ونيس بوخمادة قائد القوات الخاصة عنه لـ«الشرق الأوسط» قوله: «إن هذا الانسحاب تكتيكي فقط»، وأنه توعد المتطرفين بمفاجآت خلال الساعات المقبلة.
لكن مجلس شورى ثوار بنغازي التابع للمتطرفين، أكد أنه نجح حتى أمس في السيطرة على خمس معسكرات تابعة للجيش في بنغازي، مشيرا في بيان أصدره أمس إلى أن قواته سيطرت على معسكر الصاعقة بعد محاصرته من أكثر من جهة، وسيطرت على طريق بوعطني - بنينا، وحتى ما يُعرف بمفرق المهشهش.
وزعم المجلس أيضا أنه سيطر على مقر الكتيبة 21 صاعقة، لافتا إلى أن قواته تحاصر حاليا معسكر 2 مارس في المدينة التي تشهد منذ نهاية الأسبوع قتالا عنيفا بين مجموعات إسلامية والجيش وكذلك قوات اللواء حفتر، حيث تشن كتائب مسلحة من الثوار السابقين السبت هجوما على مقر قيادة القوات الخاصة والصاعقة في منطقة بوعطني، جنوب وسط المدينة.
وأعلنت كتائب الثوار السابقين في مدينة بنغازي خلال الشهر الماضي عن تأسيس «مجلس شورى ثوار بنغازي»، وقالت في بيان تأسيسه إن «ثوار المدينة أسسوا مجلسهم هذا بعد أن تخلى من أوكلت إليهم مسؤولية حماية المدينة وحفظ أمن أهلها، وبعد أن أعلنت الحرب القذرة على ثوارها وأبنائها الشرفاء لإسقاط مشروعهم وخيانة دماء الشهداء تقبلهم الله».
وكان المجلس نفسه قد زعم يوم الخميس الماضي اقتحامه لعدد من معسكرات الجيش الليبي وسيطرته عليها، وهي مقر اللواء 319 مشاة، ومقر الكتيبة 36 الصاعقة، ومعسكر الدفاع الجوي، إضافة إلى إعلانه السيطرة على مقر الكتيبة 21 التابعة للصاعقة، وجميعها في محيط منطقة بوعطني حيث تدور الاشتباكات.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.