كارن عابد: مفترق طرق قادني إلى مشوار الصحافة.. والإعلام رسالة نبيلة

الإعلامية اللبنانية قالت إن الكفاءة غابت في الفضائيات وحلت بدلا عنها البهرجة

كارن عابد: مفترق طرق قادني إلى الصحافة
كارن عابد: مفترق طرق قادني إلى الصحافة
TT

كارن عابد: مفترق طرق قادني إلى مشوار الصحافة.. والإعلام رسالة نبيلة

كارن عابد: مفترق طرق قادني إلى الصحافة
كارن عابد: مفترق طرق قادني إلى الصحافة

الخطوط لم تتشابك أمامها، والخرائط كانت واضحة رغم أنها حافلة بمفترقات حولتها لصالح نجاحها المهني وتغلبت على صعابها بإصرارها على المضي إلى أمام دون أن تلتفت إلى الهوامش، والهوامش بالنسبة لها هي عدم الانزلاق إلى ما يحدث اليوم مما وصفته بـ«الخفة» و«الإثارة» و«الاستهلاك» في العمل الإعلامي، بل هي متشبثة بقوة بفكرة أن «الإعلام رسالة نبيلة لا تصلح لعارضات الأزياء اللواتي لا يتمتعن بأية كفاءة سوى الشكل».
الإعلامية اللبنانية المعروفة كارن عابد لم تدع فرصة الحظ تفوتها عندما طرقت بابها، بل استجابت لها رغم أن تخصصها الدراسي، ماجستير علم نفس - عيادة، كاد أن يأخذها بعيدا عن مهنة المتاعب، تقول: «أنا لم أذهب إلى الإعلام بل هو من جاء إلي ووجدت نفسي مصرة على النجاح وتحقيق طموحاتي»، وهي عرفت بتحدياتها ليس اختبارا لطموحاتها بل لجدارتها ولفكرة أن «الإعلام مهنة نبيلة وتحتاج إلى البحث والثقافة والعمق الفكري وليس إلى السطحية على الإطلاق».
في مقهى بشارع الحمرا، عصب الحياة الثقافية والاجتماعية والتجارية أيضا وسط بيروت، التقت «الشرق الأوسط» مع كارن لتسرد مشوار تجربتها الإعلامية، تقول: «كاد اختصاصي الدراسي أن يأخذني بعيدا عن الإعلام، فأنا درست ماجستير علم نفس عيادة في الجامعة اللبنانية 1994. وعملت سنتين في أشهر مستشفى أمراض عصبية في لبنان (دير الصليب)، ووقتذاك لم أكن أفكر بمهنة أخرى سوى التركيز على اختصاصي حتى وجدت نفسي يوما عند مفترق طرق»، هذا المفترق هو فرصة عمل كمحررة بمجلة لبنانية: «طلبتني هذه المجلة كمحررة للرد على رسائل القراء وحل مشاكلهم، وهنا وجدت أن اختصاصي الدراسي يصب في اتجاه واحد مع عملي الصحافي ونجحت، بل إن نجاحي كان أكبر مما هو متوقع إذ كانت تصلني مئات الرسائل ومن شرائح اجتماعية مختلفة». حدث هذا قبل أن تنتقل إلى مجال العمل الميداني «إجراء حوارات مع فنانين وعارضات أزياء والكتابة عن عروض سينمائية وتلفزيونية»، منبهة إلى أن «العمل في الصحافة الفنية هو من يصنع الشهرة للصحافي أكثر من عمله في الصحافة السياسية».
لكن سنوات دراستها واختصاصها لم يذهب سدى، توضح كارن «اختصاصي في علم النفس علمني الكثير في صياغة المفاتيح للغور في أعماق الضيوف الذين استضفتهم بحواراتي التلفزيونية، وهذا ساعدني في أن أختصر المسافة لصياغة الأسئلة، بل كنت أتوقع الإجابات وأهيئ أسئلة بناء على إجاباتهم».
وتعتز هذه الإعلامية الطموحة بأنها «تدرجت في مراحل المهنة وتسلقت السلم درجة إثر أخرى ولم اقفز على مرحلة، بل الأكثر من هذا أني أتمعن في تفاصيل أي مرحلة أعيشها كي أتعلم أكثر وأكثر وأحاول أن أضيف وأبدع من خلال شغفي بالعمل وبحثي الدائم، فأنا بدأت بالصحافة المكتوبة، وتزامن معها عملي في الصحافة المسموعة إذ عملت لأكثر من ثلاث سنوات في (إذاعة لبنان الحر)»، وتصف تجربتها مع العمل الإذاعي بالغنية «كنت أعد وأقدم برنامج (أسماء) أستضيف فيه سياسيين وكتابا وشعراء ورسامين وموسيقيين وفنانين تشكيليين لأحاورهم عن مشاويرهم الإبداعية بكل أبعادها من نجاحات وإخفاقات ليأخذ المستمع فكرة عن تجارب هذه الشخصيات».
وعندما تبحث كارن اليوم في أرشيفها سواء في الصحافة المكتوبة أو المسموعة تميز من بين كل الأوراق والأصوات أسماء مهمة وبارزة قدمتها في حواراتها للمتلقي، تقول: «من الأسماء المتميزة التي أتذكرها هو محمد حسين فضل الله الذي حاورته لثلاث مرات وفي كل مرة كان حوارنا مختلفا عن سابقه، فقد كان حديثه مؤثثا بالفكر والفلسفة والثقافة العميقة، كما حاورت المبدع مصطفى العقاد، والباحث الدكتور فيليب سالم وكثير من الشخصيات التي لا تحضرني الآن، أنا أتحدث عن المفكرين وليس عن السياسيين وأعتقد أن الحوارات مع المفكرين أهم بكثير من الحوار مع السياسيين». وتوضح بأن سبب اهتمام غالبية الصحافيين بالجانب السياسي «كون مجتمعنا مسيسا، الكل يتحدث في السياسة، الطبيب والموظف والمهندس والعامل والسائق كلهم يتحدثون في المواضيع السياسية ولأن السياسة صارت مرادفا لأوضاع البلد وحياة الناس اقتصاديا وأمنيا وخدميا». ما يشغل كارن كإعلامية هو هاجس البحث عن الجديد وعن مواقع تبرهن من خلالها نجاحها لتعبر لضفاف أخرى أكثر عطاء: «لا أستطيع الاستقرار بمكان عمل واحد لفترة طويلة»، حسبما تقول، وتضيف «عندما أشعر أني قدمت ما عندي في موقع ما وحققت نجاحاتي فيه فإني أبدأ بالبحث عن موقع آخر أحقق من خلاله أفكار ومشاريع أخرى، وهذا ما حدث عندما انتقلت من الصحافة المكتوبة إلى التلفزيون، الصحافة المرئية، حيث كنت قد اشتغلت لفترة في (دار الخليج للطباعة والنشر)، في مجلة (كل الأسرة) وجريدة (الخليج) من بيروت، وبعد فترة شعرت بأني أريد تدشين مرحلة جديدة من مشواري المهني». هو قلق المبدعة الذي يسكنها ويدفعها لأن تجرب طاقاتها التي لا تقف عند حدود، والمرحلة التي جاءت بعد الصحافة المكتوبة هي التلفزيون، وحسب ما تصفها كارن «كنت قد انتقلت للعمل كمحررة في تلفزيون (أي إن بي) عام 2005. ببيروت، كنت محررة أخبار وتحقيقات، لم أخطط وقتها للظهور على الشاشة وإن كنت قد فكرت بالموضوع، وفكرت أيضا أن أتهيأ وأتدرب على الوقوف أمام الكاميرا، لكني لم أستعجل ذلك لأني كنت أريد أن يكون ظهوري قويا وليس هامشيا أو اعتياديا، لكنهم هم من استعجل هذا الظهور، وأعني المسؤولين في التلفزيون، فذات يوم فاجأني المسؤول بالطلب مني بأن أقرأ الأخبار مباشرة على الهواء، استغربت الأمر لأني لم أتدرب أو حتى أتلقى دروسا بسيطة في هذا المجال، وفجأة وجدت نفسي أمام خيار صعب، مفترق طريق جديد، فإما أن أرفض وأخسر هذه الفرصة نهائيا، أو أوافق وأيضا كان يمكن أن أفشل وأخسر فرصة الظهور تلفزيونيا نهائيا كون العمل في هذا المجال لا يحتمل مثل هذه المغامرات، اعتمدت على طاقتي ويقيني بأني سأنجح ووافقت». تتذكر كارن هذه التجربة وتستعيد القلق الذي انتابها وقتذاك، تقول: «كنت لا أعرف كيف أتعامل مع الكاميرا، أو كيفية الجلوس في الاستوديو، لكنني قدمت نشرة الأخبار مباشرة، وتعاملت مع الأمر بكثير من الهدوء رغم قلقي، ونجحت، وحتى اليوم أنا أقدم نشرات الأخبار».
وكعادتها لم تتأخر كارن طويلا في هذه المحطة لتمضي إلى غمار تجربة أكبر، إلى مغامرة أكثر عمقا، وإلى مسافة أبعد بكثير، أرادت أن تجرب طاقاتها في جغرافيا أخرى بعيدة عن بلدها وناسها ومشاهديها، فكانت المحطة التالية موسكو، تقول: «انتقلت إلى تلفزيون (روسيا اليوم) الناطقة بالعربية، كانت تجربة مختلفة تماما، هناك تعلمت أمورا جديدة ونضجت إمكانياتي الإعلامية، إذ عملت في موسكو سبع سنوات كنت أقدم الأخبار والحوارات مع السياسيين والقادة العرب على الهواء»، توضح قائلة «محطة مثل روسيا اليوم تابعة للدولة ولنظام ليس منفتحا تماما يكون عندهم منهج خاص ولهم حسابات معينة وأجندة محسوبة تماما وليست مثل بقية المحطات التلفزيونية الأخرى، كما أن غالبية المقدمين كانوا من الروس الذين يتحدثون العربية ووجودنا كان تطعيما للمحطة، لكن هذه التجربة كانت بداية العمل التلفزيوني الحقيقي بالنسبة لي».
وفي اختياراتها بين الصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، تختار كارن «أحب الصحافة المكتوبة، أشعر بأني أنتمي إليها لأنها بالنسبة لي توقيع، بصمة، أجد تميزي بالكتابة وأجد شخصيتي فيها، ولم أتوقف عن الكتابة إذ كنت أبعث من وقت لآخر من موسكو لجريدة (المستقبل) ولصحف على النت». تضيف «الصحافة المكتوبة لن تتوقف، حبر الجرائد لا يموت، ربما يخف التوزيع أو يقل عدد النسخ لكن الصحافة المطبوعة تبقى قوية ومؤثرة، أنا ما زلت أكتب بالقلم ولا أعتمد على الآيباد أو الكومبيوتر».
وتأتي الإذاعة بعد الصحافة المطبوعة في اهتمامات كارن، تقول: «للأسف نحن نعيش عصر الصورة المزوقة وليس عصر الصوت، الإذاعة صارت لجيل جدي وجدتي، لجيل ينقرض، نحن لا نجد اليوم أي شاب يستمع للأخبار عبر الإذاعة أو برامج ثقافية أو أغان أصيلة، أنا أستمع للإذاعة لأني أشعر بأني أنتمي لها أو لجيل ما يزال متمسكا بها رغم أني أصغر من جيل الراديو»، تضيف «للأسف نحن في عصر الأطعمة السريعة (Junk Food) كل شي ينطبخ بسرعة والأكل صار بلا طعم، هذا لم يحدث في الإذاعة أو الصحافة المكتوبة كونها غير مغرية للفتيات، صارت الشابة تخرج مرة أو مرتين على الشاشة فتتصور نفسها صارت نجمة تلفزيونية بغض النظر من تكون وما هي أهميتها».
وتخلص الإعلامية اللبنانية كارن عابد إلى أن «الإعلام المرئي لم يعد موجه للنخبة بل للمستهلكين، صار بإمكان أي شخص غني أن يفتتح محطة فضائية لأغراض (البيزيس) والوجاهة، أو للترويج لاسمه في الانتخابات، وراح يختار أي شابة يعتقد أنها جميلة من دون أن يسأل عن كفاءتها أو تجربتها الإعلامية، أصحاب رؤوس الأموال صاروا هم من يتحكم بالإعلام لغسل أدمغة المتلقين، وتفوقت (الخفة) على حساب الكفاءة والجوهر».
وتلخص أسلوبها في العمل قائلة «أنا في عملي أفكر بالناس الذين لا يستطيعون إيصال صوتهم، أسئلتهم هواجسهم أفكارهم وما يهمهم، كما أني أتحضر وأعمل بحوثي عن الضيوف الذين سأحاورهم، ويهمني أن أظهر بزي بسيط لكنه أنيق وكلاسيك ولا أميل للبهرجة في التلفزيون».



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».