خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»

مسؤول أمني: لا يمكنها الوصول جغرافيا.. والبديل شراء خلايا قائمة لمجرد إثبات الوجود

خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»
TT

خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»

خبراء يتحدثون لـ {الشرق الأوسط} عن حقيقة «داعش مصر»

فتحت حادثة استهداف جنود قوات حرس الحدود المصريين من قبل مجموعة مسلحة غامضة في مدينة الفرافرة بالصحراء الغربية قبل أيام باب الأسئلة على مصراعيه.. وترك علم أسود مميز للجماعات الإرهابية في موقع العملية علامة استفهام كبيرة حول حقيقة وجود فرع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مصر.
ويقول خبراء الأمن ومكافحة الإرهاب إن فهم عقيدة التنظيم المتطرف هو عنصر أساسي في استراتيجية محاربته.. لكن كثيرا من المراقبين والمحللين يرون أن أغلب التنظيمات التي ظهرت - أو ادعت الظهور - في مصر أخيرا هي مجرد مسميات أو «علامات تجارية»، بحسب وصف بعضهم، ترفعها فئات خارجة عن القانون والمدنية دون ولاء حقيقي؛ لمجرد إثبات الوجود أو الحصول على مصدر تمويل، وربما في بعض الحالات للتمويه وتضليل السلطات.
بداية، يقص مصدر أمني رفيع، لـ«الشرق الأوسط»، بعضا من خيوط الحدث الأخير لوضعها في نطاق فهم الأحداث العام، وللإجابة عن السؤال الحائر «هل وصلت داعش إلى مصر؟». يقول المصدر، الذي فضل حجب اسمه لحساسية موقعه، إن المعطيات الأولية التي ظهرت على سطح المشهد كانت بدايتها العلم الجهادي الأسود الشهير في موقع الحادث، ثم تلاه ظهور بيان منسوب للمرة الأولى إلى تنظيم يسمى «الدولة الإسلامية (داعش) - مصر» يتبنى العملية.
ويقول المصدر الأمني إن البيان ظهر أولا على حساب بموقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي تحت اسم التنظيم ذاته. لكن بالبحث، يتضح أن هذا الحساب كان يبث أخبارا ويتخذ اسم تنظيم آخر قبل ذلك، وهو «أنصار بيت المقدس»، وهو تنظيم يعلن ولاءه لـ«القاعدة»، وتبنى العديد من العمليات الإرهابية السابقة على مدار السنوات الثلاث السابقة وإن شهدت كثافة نوعية أخيرا، ومن بينها تفجير خطوط الغاز في سيناء، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية المصري اللواء محمد إبراهيم، وعملية تفجير مبنى مديرية الأمن في الدقهلية، وإسقاط مروحية للجيش في سيناء عن طريق صاروخ مضاد للطائرات محمول على الكتف.. وعمليات أخرى استهدفت رجال جيش وشرطة فرادى أو مجموعات.
وبمراجعة التغريدات المتزامنة وتغيير اسم الحساب، يظهر في التغريدات الأولى اعتراف ومبايعة «أنصار بيت المقدس» للدولة الإسلامية (في العراق والشام سابقا)، وزعيمها وخليفتها المعلن أبو بكر البغدادي. واعتبار التنظيم المصري نفسه ذراعا لتنظيم الهلال الخصيب في مصر.
أولى نقاط الغموض تواجهنا مع حساب «تويتر» ذاته.. ففي خضم عمليات «بيت المقدس»، أكد التنظيم أكثر من مرة في بيانات رسمية، نشرت بمواقع جهادية معروفة وموثوقة في هذا المجال، أنه لا يملك أي حسابات رسمية على أي مواقع للتواصل الاجتماعي، وأنه لا يعترف بما يصدر عنها. وهو ما يجعل بعض المحللين يغضون النظر تماما عن الحساب ويرونه مزعوما كليا. لكن البعض الآخر لفت إلى أن هذا الحساب تحديدا نشر في أكثر من مرة تسجيلات أو لقطات لعمليات للتنظيم بالتزامن مع بثها على المواقع الاعتيادية الأخرى.. مما يجعل هناك هامشا من الحذر الواجب اتخاذه قبل الاستخفاف به برمته.
لكن خبراء في التنظيمات المتشددة أوضحوا أن هناك ملحوظة يجب وضعها في الحسبان، وقال هؤلاء إنه على الرغم من صحة أن تنظيم القاعدة التقليدي كان يقع في أقصى يمين التنظيمات المتشددة في الخارطة القديمة، فإن تنظيمات نشأت حديثا خلال سنوات الربيع العربي فاقته «انحرافا»؛ ومن بينها «الدولة الإسلامية»، موضحين أن التنظيمات المستجدة انقلبت على قاعدتها الأم، بل وصلت درجة التفسخ إلى اعتبارها مارقة في عرف «القاعدة».
لكن مراقبين أوضحوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التقلب بين تيارات التشدد ربما يكون واردا في «أرض القتال»، حيث قد يتطلب تغيير الاستراتيجية تبديل التحالفات في كثير من الأحوال.. وهو الوضع السائد في دولة مثل سوريا، التي تمدد منها إلى العراق نتيجة التهاوي الأمني والجوار الحدودي. فيما استبعدوا حدوثه في مواقع «الضربات الخاطفة»، على غرار ما يحدث في بعض البؤر في مصر منذ اندلاع تلك النوعية من العمليات عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم في الصيف الماضي. وعند هذه النقطة تحديدا، اتفق رجال أمن مع خبراء استراتيجيين ومحللين تحدثت معهم «الشرق الأوسط» على نقطة فارقة، مؤكدين أن أغلب خيوط العمليات الدائرة في مصر تشير إلى أن غالبية تلك التنظيمات ليست «أصيلة»، ولا يؤمن رجالها «ولائيا» بعقائد «التنظيمات الأم».
ويشير المسؤول الأمني الرفيع إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية أعلن خلال الفترة الماضية عن خطط «طموحة» للتمدد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الأعوام المقبلة «لكن عمل قواته على جبهتين في سوريا والعراق، مع اتساع المساحة الجغرافية، لا يسمح له بالتفكير حاليا في اختراق مواقع جديدة بقواته بشكل فعلي. كما أن انقطاع الاتصال بين الشام ومصر (بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأمين القوات الإسرائيلية لحدودها) يغلق باب التمدد الأفقي إلى سيناء. ولا يبقى أمام التنظيم إلا أمران لتحقيق وجود في مصر، إما أن تتسلل بعض عناصره كتمثيل رمزي، أو أن يقوم بشراء مجموعات أو خلايا على الأرض»، والأخير ربما يكون الأقرب إلى المنطق من وجهة نظره، إذا أرادت الدولة الإسلامية تنفيذ مرادها.
وقال أحد المحللين إن «أسلوب هؤلاء الإرهابيين يميل أكثر إلى طرق المرتزقة.. وشريعتهم أن من يمول، أو يحتاج الخدمات، نحمل علامته التجارية». ويعطي مثالا لتقريب الأمر بالقول إن ما حدث كان على غرار ما نراه في بريطانيا، حيث باعت الحكومة العلامة التجارية البريطانية «فوكسهول» ومصانعها للسيارات بعد تعثرها ماليا إلى شركة «أوبل» الألمانية من أجل الحفاظ على الاسم العريق.. «فأصبحنا نرى سيارات (أوبل) المعتادة تجري في الشوارع الإنجليزية؛ لكن بتدقيق النظر نرى علامة فوكسهول.. وهو ما قد يربك الشخص الزائر لبريطانيا لحظيا».
ويشير عدد من الخبراء الأمنيين إلى أن عمليات الجيش وتركيزه في سيناء منعا مزيدا من العمليات في شبه الجزيرة الشرقية، بينما التضييق الأمني الشرطي بمعاونة الجيش أيضا قلل من إمكانية استهداف المزيد من المرتكزات الأمنية في منطقة الوادي على ضفتي النيل. وهو ربما ما دفع الخلايا الإرهابية «للهروب» إلى مناطق جديدة، على غرار الصحراء الغربية، لتنفيذ عملياتهم، نظرا لاستغلالهم عامل المفاجئة، إلى جانب اتساع رقعة العمليات وتوافر الدروب الجبلية. كما أنها تعد «ساحة جيدة للإعلان عن ميلاد تنظيم جديد، بعيدا عن اللغط والاتهامات التي يمكن أن تشير إلى الخلايا المعتادة في المناطق الاعتيادية للعلميات، مما قد يقلل من أثر التدشين».
الخبراء يرون أيضا أن العملية الأخيرة التي راح ضحيتها 22 فردا من أفراد الجيش، حسب التحقيقات الأولية، وهي غير معلنة في أغلبها وتشهد تكتما وحزما عسكريا للحفاظ على سير التحقيق، قام بها نحو 20 مسلحا باستخدام سيارات الدفع الرباعي وقذائف «آر بي جيه» ومواد شديدة الانفجار. ورغم أن العملية تنم عن فكر حركي منظم للخلية الإرهابية وخبرة وتدريب عال المستوى، لكن ذلك لا يشي بحقيقة التنظيم أو فكره أو عقائده.
وهنا يرى المسؤول الأمني أن «داعش» تريد مجرد «موطئ قدم» وعمليات تحمل بصمات لها «حتى وإن كانت مصطنعة»، ومن دون قدرة حقيقية منها على الوجود الفعلي على أرض مصر، بحسب تعبيره. وهو ربما ما يفسر سر العلم الأسود في موقع حادث الفرافرة، خاصة أن أعينا كثيرة لخبراء لاحظت أن العلم القماشي لم تشبه شائبة رغم ما يحيطه من آثار انفجار، مما قد يعني أنه ربما «ترك» بعد إتمام العملية عن عمد؛ وكأنه «رسالة ما».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.