وكيل المخابرات المصرية السابق في حوار مع «الشرق الأوسط»: القلق من نظام مبارك بدأ منذ التسعينات

الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)
الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)
TT

وكيل المخابرات المصرية السابق في حوار مع «الشرق الأوسط»: القلق من نظام مبارك بدأ منذ التسعينات

الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)
الفريق حسام خير الله («الشرق الأوسط»)

في مكتبه الكائن في ضاحية القاهرة الجديدة الراقية شرق العاصمة المصرية، ينتقي الفريق حسام خير الله، وكيل المخابرات المصرية السابق، المرشح السابق للرئاسة، ما هو مسموح بذكره، وما هو غير مسموح، من معلومات وبيانات، من خلال فترة عمله وخبرته الطويلة في الجهاز الذي كان يرأسه اللواء الراحل عمر سليمان. ويتذكر خير الله كيف شعر بالصدمة حين أجاب الرئيس الأسبق حسني مبارك على سؤال وجه له في التسعينات بشأن عدم وجود نائب له، عندما قال: إنه لم يجد الشخص المناسب بعد لهذا الموقع.
وكشف خير الله، الذي عمل أيضا كرئيس لهيئة المعلومات في جهاز المخابرات المصرية، عن استمرار الملاحظات أيام حكم مبارك التي كانت تشير إلى وجود تغير كبير يمكن أن يحدث في المستقبل، ومنها تعليق للرئيس الأسبق فهم على شكل سيئ في الخارج يتعلق بموقف مصر من القضية الفلسطينية، ثم عدم رغبة الرئيس في الاطلاع على ما يرفع له من تقارير، والاكتفاء بسماع مضمونها، مع تقليص وتخفيف لما فيها من المعلومات غير السارة، منذ عام 2003.
وقال وكيل المخابرات السابق إن كلا من المخابرات والجيش كان ضد موضوع توريث الحكم من مبارك لنجله جمال، وذلك حين بدأ اللغط حول هذا الموضوع، مشيرا إلى أن مبارك علم بعلاقة الولايات المتحدة الأميركية بجماعة الإخوان المسلمين في عام 1993 ولهذا السبب غضب من واشنطن حتى توقفت، لفترة، عن الاتصال بالإخوان المسلمين في الداخل، في ذلك الوقت، وذكر تفاصيل عن أن وزير داخلية مبارك، حبيب العادلي، تسبب في زيادة الغضب الشعبي من نظام الرئيس الأسبق. كما تطرق خير الله لـ«أخطاء» عهد الرئيس السابق محمد مرسي، خاصة فيما يتعلق بتهريب الأسلحة والمساس بأراضي الدولة ودخول آلاف «الإرهابيين» إلى سيناء.
وقال: إن شعبية الفريق أول عبد الفتاح السيسي جارفة، وأضاف أن الناس لا تتوقع أن تتقدم إحدى الشخصيات العسكرية السابقة لمنافسته لأن من سيترشح ضده سيجد نفسه وحيدا من دون عدد يذكر من الناخبين، مشيرا إلى أن السيسي يتعرض لضغط كبير من الداخل المصري والخارج العربي لكي يرشح نفسه مع وعود بمساعدته في اجتياز هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها مصر. وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* في رأيك، متى بدأت الأمور في مصر تتجه نحو التغير. هل منذ 2004 مع صعود ما كان يسمي بمجموعة الجيل الجديد، أم مع تعديل الدستور في 2007 أم وقع التغير فجأة في يناير (كانون الثاني) 2011؟
- كانت لدينا بعض المظاهر والملاحظات التي أقلقتنا منذ التسعينات. الملاحظة الأولى مثلا، حين جرى سؤال رئيس الدولة وقتها (مبارك) أثناء زيارته لمكتبة الإسكندرية: لماذا لم تعين نائبا للرئيس حتى الآن؟ وحين تكون إجابته بالقول إنه لا يجد الشخص المناسب لهذا الموقع، فهذه تعتبر إهانة لكل المصريين. هذه الإجابة أزعجتنا، بغض النظر عن أن مبارك أدار القوات الجوية بشكل جيد، قبل أن يكون رئيسا. وبحكم أنني كضابط، ثم كرئيس لهيئة المعلومات في جهاز المخابرات، وهي هيئة مسؤولة وتتابع الأخبار السياسية والاقتصادية في العالم.. وبالتالي دائما اطلاعنا على الخارج، علاوة على الزيارات والسفريات الكثيرة. ومن هنا كان السؤال الذي يتبادر للذهن ونحن نرى ما عليه دول العالم الخارجي، لماذا لا تصبح مصر مثل تلك الدول، خاصة أن لدينا مقومات يمكن أن تجعلنا مثل العالم المتقدم. ومن الملاحظات الأخرى التي أذكر أنها أقلقتني في ذلك الوقت أيضا، وكان ذلك تقريبا في عام 1996 أو 1997، أي بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ثم جاء بعده شيمعون بيريس وفشل، ثم جاءت حكومة بنيامين نتنياهو.. وحين يصلك أن الرئيس (مبارك) يقول: «إن هذا جيد، لأنه لو انتهت مشكلة الشرق الأوسط فما الدور الذي ستقوم به مصر؟». هذا الكلام أصابني بالصدمة. وكان هذا الأمر من ضمن تخصصاتي. كان السؤال: هل أنت (للرئيس) تعتقد أن مصر ليس لديها مشاكل، وهل تعتقد أنك يمكن أن تنهي مشكلة الشرق الأوسط بتلك البساطة، بينما لديك موضوع القدس والمياه واللاجئون وغيرها.
* هل جرى التعامل مع كلام الرئيس وقتها بجدية؟
- أريد أن أذكر أنه بعد سنوات من هذه الواقعة وجدت أن البعض (في الخارج) أخذ يقول إن «مصر ليس لديها إلا زبون واحد وهو القضية الفلسطينية». وهناك ملاحظات أخرى كثيرة وقعت بالتتابع حتى ثورة 2011. وكانت كلها تشير إلى أن البلاد تتجه نحو التغيير. أتحدث مثلا مع رئيس الجهاز (جهاز المخابرات) وقتها، ونشير بأنه ينبغي أن يكون لدينا وزير للشؤون الأفريقية لأننا في حاجة للدول الأفريقية ولأصوات هذه الدول في الأمم المتحدة. قلت لرئيس الجهاز: «نريد وزيرا للشؤون الأفريقية»، فأجاب قائلا: «رئيس الدولة لا يريد أن يكرر تجارب سابقة من هذا النوع»، في إشارة إلى تجربة بطرس غالي (الذي عمل من قبل وزير دولة للشؤون الخارجية). وبمرور الوقت بدأ الكلام عن موضوع توريث الحكم لجمال مبارك يتزايد وهو أمر كانت ترفضه المخابرات والجيش، وكان السؤال هو: ما خلفية جمال مبارك؟ المهم.. في مرة أخرى مثلا، في سنة 2003 على ما أذكر، أشرت على رئيس الجهاز بكتابة مذكرة للرئيس (مبارك) فيرد (رئيس الجهاز) قائلا لي: «الرئيس لم يعد يقرأ». وحين لا يقرأ الرئيس فإنه سيضطر لأن يسمع فقط. وأنت لا يمكن أن تدرك ما في المذكرة من سلبيات وإيجابيات حين تعتمد على شخص ما يروي لك ما فيها، دون أن تطلع عليها بنفسك.
* كيف؟
- يعني حين يأتي زكريا عزمي (رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد مبارك) ويقول، كما كان يقول للوزراء، لا تغضبوا رئيس الدولة، فهذا يعني أن تروي له الخبر السعيد وتحجب عنه الخبر غير السعيد، على عكس ما يمكن أن يحدث لو قرأ ما هو مكتوب في المذكرة من تفاصيل كاملة عن الوجهين الحسن وغير الحسن، ثم يأخذ قراره. وكان هذا الأمر من الملاحظات التي أقلقتنا أيضا. ثم تطورت الأمور بعد ذلك بموضوع إجراء الرئيس لعملية جراحية في الخارج، ثم وفاة حفيده وما سببه له من حزن.
* بالنسبة للمذكرات التي كانت تقدم لمبارك، هل كان يجري تنقيحها في الرئاسة قبل تقديمها له، أم ماذا؟
- حتى عمر سليمان (رئيس المخابرات السابق) رحمه الله، حين كان يعرض (عليه بعض المذكرات) يعرضها بطريقة مخففة ليست كما هي مكتوبة في المذكرة. نحن بشر.. وقد تضطر أن تقلل مثلا من المساوئ الموجودة في المذكرة إلى حد ما. ومع وصولنا إلى عام 2009 و2010 كانت الأمور وصلت إلى حد لا يمكن أن تقول فيه إن مصر ما زالت زعيمة الأمة العربية.
* في ذلك الوقت هل كنت ترى أن هناك قوى أخرى منظمة وصاعدة، لتحل محل نظام مبارك.. هل كانت جماعة الإخوان مثلا، وهل كان هناك خوف منها؟
- لا تستطيع أن تسميه «الخوف منها». طبعا هذا لم يكن ضمن اختصاصي بمجال المعلومات والتقديرات، لكن في الإطار العام كانت تجري مواءمات.. يقال مثلا (من جانب الإخوان) نترك هذه الدوائر لشخصيات من مرشحي الحزب الوطني (حزب الرئيس الأسبق). لم يكن القلق من الجماعة واضحا من جانب المسؤولين. لكن، وفي هذا السياق لا أنسى أن الرئيس الأسبق (مبارك) أبدى غضبه من الولايات المتحدة الأميركية في عام 1993. وذلك بسبب اكتشافه محاولة الجانب الأميركي التواصل مع جماعة الإخوان داخل مصر. كانت حجة الأميركيين أنه بعد ما حدث في إيران من احتجاز للرهائن الأميركيين عقب ثورة الخميني (عام 1979)، أنه لا يجوز ألا يكون لواشنطن اتصال بأي أحزاب معارضة أو جهات معارضة في العالم، حتى لا تصدم كما صدمت في إيران. ومن بعد 1993 خفتت وتيرة الاتصالات بين الإخوان والجانب الأميركي، ثم انقطعت لفترة، لكن طالما لديك تنظيم دولي (مثل تنظيم الإخوان) فالاتصالات يمكن أن تستمر من الخارج. كما أنه، وقبل ثورة 25 يناير 2011، كانت الدولة قد اتخذت الطريقة الأمنية في الحلول. ولعب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي دورا في إظهار أن الدولة مسيطرة على كل شيء، وفي الوقت نفسه كانت لديك مشاكل جوهرية لم توضع لها حلول على رأسها الأمية والفقر.
* لكن الكثير من التقارير الاقتصادية قالت: إن معدلات النمو كانت في ارتفاع في السنوات الأخيرة من حكم مبارك؟
- فترة رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف (2004-2010) كانت فترة إيجابية اقتصاديا. لكن المشكلة أن العائد لم يكن يصل إلى عامة الناس، وإنما للطبقة العليا. نعم.. معدل النمو وقتها وصل إلى سبعة في المائة، لكن الناس لم يكونوا يشعرون بذلك، بينما الأسعار ترتفع. لو كانت عوائد ذلك النمو وصلت ولو بنسبة بسيطة إلى عامة الشعب، ما كانت جرت كل تلك الأحداث. لكن المشاكل مع ذلك كانت كبيرة. مثلا ما زال توزيع الزيت والسكر على الناخبين من الأميين والفقراء في مواسم الانتخابات يمثل مشكلة كبيرة في مصر. توجد حلول لهذا.. مثلا «كوبا» التي حلت مشكلة الأمية في سنة واحدة من خلال وقف التعليم الجامعي وجعل طلاب الجامعة يعلمون الناس، وكذلك «تشيلي» و«البرازيل» قضت كل منهما على المشكلة في ثلاث سنوات وخمس سنوات. لكن للأسف في آخر فترة حكم مبارك يبدو أن الحلقة قد أغلقت من حوله، ولم يكن يعلم بكل ما يدور. وأصبح وزير الداخلية يتصرف في الشارع كما يريد.
* مثل ماذا، مم تذكر؟
- الوقائع كثيرة.. لكن على سبيل المثال في إحدى المرات كان الرئيس مبارك يلقي خطابا في البرلمان، وكانت تعليمات وزير الداخلية أنه حين يقول الرئيس «السلام عليكم» مختتما خطابه، يتم إغلاق الطريق الواصل بين مقر البرلمان بوسط القاهرة والقصر الجمهوري في أقصى الشرق. وهذه التعليمات مبنية على تصور أن الرئيس يختتم خطابه ويخرج مباشرة.. لكن في هذه المرة التي أتحدث عنها طلب رئيس البرلمان، فتحي سرور، من الرئيس شرب فنجان قهوة معه ومع بعض قيادات البرلمان، فمكث الرئيس في مكتب سرور، بينما في الخارج ظلت الشوارع مغلقة منذ اختتم خطابه، حتى انتهى من عزومة سرور. وفي إحدى المرات الأخرى ظل الطريق مغلقا منذ دخوله البرلمان وإلقائه للخطاب حتى عودته للقصر. ومثل هذه الوقائع وغيرها تسببت في غضب عارم من الناس على مبارك وأدت لشحنهم ضده.
* وما هي أخطاء الرئيس السابق مرسي؟
- كثيرة.. في كل مرة يلقي فيها خطابا يزيد الانتقادات ضده. لكن أشد أخطائه قيامه بإصدار إعلان رئاسي حصن فيه نفسه في أواخر 2012. كما أنه أقصى الناس واقتصر من حوله على جماعة الإخوان. ولو كان استمر شهرين إضافيين في الحكم لأطاح بـ3500 قاض وعين قضاة تبع الإخوان بدلا منهم، ولتم الزج بكثير من الناس في السجون. ثم انظر لما حدث من تهريب أسلحة من الحدود الغربية بين ليبيا ومصر.. وانظر لما حدث من محاولة للتفريط في حلايب وشلاتين جنوبا، وانظر لما حدث في سيناء من إرهاب.. كان من الواضح أن حكم الإخوان يفرط في البلد. سيناء وحدها دخلها 12000 إرهابي بينهم أفغان عرب.
* توجد 3 قضايا أحيل فيها الرئيس السابق مرسي، منها قضية تخابر وقضية أخرى تضم نحو 132 من قيادات الإخوان وعناصر من حماس وحزب الله اللبناني. ومما جرى تسريبه يبدو أنها مبنية على تسجيلات وتقارير. وبما أنك رجل ضليع في مجال الأمن، هل ترى أن هذه التسجيلات والتقارير أقرب إلى الحقيقة؟
- بالطبع.. يوجد خطاب مكتوب موجه منه لحماس يقول فيه إنه لن ينسى الجميل الذي قامت به في مساعدة الإخوان في «ثورة 25 يناير». وبعد توليه الرئاسة كان هناك إصرار على إخلاء جهاز مباحث أمن الدولة (الأمن الوطني) من الخبرات التي فيه من الضباط.. لكي تأتي بضابط متخصص في النشاط الديني لا بد أن يكون هذا الضابط قرأ كتبا كثيرة في هذا المجال، بحيث يكون قادرا من خلال المناقشة أن يعرف أي فكر يحمله هذا أو ذاك.. وكان نظام مرسي يريد أن يتخلص من هذه الخبرات ويأتي بضباط عاديين لجهاز الأمن الوطني ليست لديهم خبرة في جماعات مثل «الجهاد» و«التكفير والهجرة» و«الإخوان» وغيرهم.
* تردد أن أجهزة في الدولة قامت بتقليص الخدمات، مثل الوقود والكهرباء، لتنفير الناس من محمد مرسي. هل هذا له ظل من الحقيقية؟
- لو كان هناك اقتناع بالنظام، لم يكن أحد ليستجيب لإسقاطه.. أعتقد أنه هو من وفر البيئة المنفرة له. مثلا حركة المحافظين التي جرت في الشهور الأخيرة من حكم مرسي.. كان من البشاعة أن تعين محافظا لمحافظة الأقصر السياحية ينتمي لجماعة متهمة بقتل السياح. ثم إن مرسي حين جاء يوم 30 يونيو (حزيران) 2013 أخذ يكرر كلمة «الشرعية.. الشرعية» دون أن يقدم أي حلول. هل كانت حكومة هشام قنديل (التي كان ملايين المتظاهرين يطالبون بإقالتها) عزيزة عليه إلى ذلك الحد. كان يمكنه أن يحلها. لكن حالة الغرور كانت قد وصلت لمداها.
* هل يمكن للدولة السيطرة على تنظيم الإخوان الذي يثير القلق في الشارع المصري منذ الإطاحة بمرسي؟
- من الخطأ أن تعتقد أن من تراهم في الشارع هم جميعا تبع تنظيم الإخوان. تنظيم الإخوان لا يزيد عن 30 ألف شخص.. لكن توجد كمية من المال ضخمة جدا يجري إنفاقها لإثارة القلق في الشارع. وهنا عليك أن تسأل سبب تركز المشاكل في جامعة الأزهر مثلا.. عدد طلاب هذه الجامعة يفوق عدد طلاب جامعة القاهرة أضعافا، لكن ميزانيتها المالية أقل من ميزانية جامعة القاهرة بكثير. ثم إن غالبية طلاب جامعة الأزهر من الأرياف والفقراء، والعناصر المنتمية للإخوان في الأزهر توفر لهم طعاما وملابس وسكنا ودروسا خاصة.. وأرى أنه من الحلول ضم وزارة الأوقاف للأزهر حتى توفر لجامعة الأزهر تمويلا ماليا جيدا، بحيث يكون الإنفاق على الطلاب من الجامعة وليس من تنظيم مثل تنظيم الإخوان. وعلى المدى الطويل حركة الإخوان هي الخاسرة، لأنها لا تريد أن ترى الواقع وتصمم على الاستمرار بعقليتها المغلقة.
* هل سترشح نفسك مرة أخرى للرئاسة؟
- موضوع الترشح للرئاسة له حساباته. يوجد إجماع حاليا على ترشيح الفريق أول عبد الفتاح السيسي وله شعبية جارفة. والناس لا تتوقع أن تتقدم إحدى الشخصيات العسكرية (السابقة) لمنافسته. لأنه، في هذه الحالة، من سيترشح ضد السيسي سيجد نفسه يقف وحيدا من دون عدد يذكر من الناخبين. البعض من المرشحين يقول منذ الآن فليتقدم كل من يريد أن يرشح نفسه ونخوض المنافسة.. لكن أنا أسأل: هل مثل هؤلاء لديهم الثقة في أنفسهم للوقوف ضد إرادة المصريين كلهم. وبالنسبة للمرشحين الآخرين القادمين من خلفيات عسكرية، فلا يصح أن يكون لدينا صراع الجنرالات، وهذا أمر غير موجود في مصر بطبيعة الحال. كلنا متفقون إذا كان الفريق أول السيسي سيترشح فلا أحد سيترشح ضده. وهذا الاتفاق لم يأت بناء على مقابلات أو شيء من هذا القبيل، ولكنه اتفاق غير مكتوب ومتعارف عليه، ومن القواعد المنطقية المتبعة. هذا علاوة على أن الذي يرغب في الترشح لا بد أن يبني حملته الانتخابية على الناس، ولكي نكون أكثر صراحة، فإنه حتى لو كان البعض يتحدث عن الشرعية وغير الشرعية (بشأن ترشح السيسي) فإنني أقول إن الرغبة في أن يكون السيسي رئيسا لمصر هي رغبة داخلية وخارجية أيضا.
* كيف؟
- العالم العربي والداخل المصري، كلاهما يريد الفريق السيسي.. من يرشح نفسه ضد السيسي إما شخص يهوى السقوط أو شخص محب للظهور. إذن غالبية الناس متفقون على الفريق السيسي فعلينا أن نساعده، لأن المشكلة هي أن المسؤولية ثقيلة، وأنظر لها مثلما كان يقال لنا في مهمات الحروب أن هناك مهمة خطرة نريد لها متطوعين يمكن ألا يعودوا. من يترشح للرئاسة هذه المرة ويريد أن يعمل بإخلاص فعليه ألا ينام.. الغالبية العظمى من المصريين لديهم تطلعات كبيرة بعد ثلاث سنوات (منذ يناير 2011) يشعرون فيها أنهم في ضيق، وأنت ترى الناس لم يعد لهم كبير، حيث تغيرت الحدود الأخلاقية. مصر تريد شخصا يكون قدوة صالحة يعمل بإخلاص وله مصداقية عالية. الشعب المصري إذا وعدته بأقل القليل وحققت ما وعدت به في الوقت المحدد، فإنه يمنحك كل شيء. وتحقيق مصداقية في الوعود ليس أمرا سهلا مقارنة بحجم الموارد والاحتياجات، لكن لو الفريق أول السيسي لم يترشح فهنا يكون لكل حادث حديث، وموقفي سيتغير تماما.
* لكن هل توجد لديك أي شواهد تقول إن الفريق أول عبد الفتاح السيسي سيرشح نفسه للرئاسة أو لن يرشح نفسه؟
- أحيانا توجد بعض التلميحات من أناس يقولون: إنهم قريبون من أسرته وإنه مصمم على عدم الترشيح. ويرد البعض الآخر بالقول إنه ربما إذا جاء رئيس آخر سيغير وزير الدفاع (السيسي)، وتأتي الإجابة على هذا بأنه «وإن يكن.. فما المشكلة؟». لكن أنا أعتقد أن السيسي يتعرض لضغط كبير جدا من الداخل المصري والخارج العربي لكي يترشح للرئاسة.. لكن حتى الآن ما زالت الأمور معلقة، وأعتقد أنه في القريب سيحدد موقفه خاصة مع قرب موعد الاستفتاء على الدستور. ولا نريد له أن يتأخر في إعلان موقف محدد بالترشح أو عدم الترشح، حتى لا يتسبب ذلك في ضغط الوقت أمام من يريد المنافسة على الانتخابات الرئاسية، خاصة أنه توجد حملة حاليا تقول بضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية، وبالتالي أخشى أن تكون فترة انتخابات الرئاسة مضغوطة.
* في حال عدم ترشح السيسي، من هم أقوى المنافسين أمامك، خاصة أنه ستكون هناك شخصيات ذات خلفية عسكرية مرشحة أيضا، منهم الفريق سامي عنان والفريق أحمد شفيق. وهناك من المرشحين المدنيين حمدين صباحي وربما عبد المنعم أبو الفتوح؟
- المؤكد أن المنافس القوي سيكون الفريق أحمد شفيق لأنه ذو خلفية ومارس التجربة ولا بد أنه أدرك الأخطاء التي وقعت في المنظومة الانتخابية التي عمل على أساسها في الانتخابات الرئاسية السابقة، وتجنب نقاط الضعف والتركيز على نقاط القوة. لكن البعض الآخر يقول إن جانبا كبيرا من الناخبين أدلوا بأصواتهم لشفيق في الانتخابات الماضية لأنهم لم يكونوا يريدون منافسه حينها، الدكتور محمد مرسي، وبالتالي يرون أنه ربما لن يحصل على نفس عدد الأصوات الذي حصل عليه في الانتخابات السابقة.
* في انتخابات الرئاسة الماضية استندت على حزب السلام الاجتماعي، فعلى من ستستند في انتخابات الرئاسة 2014؟
- أنا لم أستند على حزب السلام الاجتماعي، وإنما استعنت باسمه لاستكمال الإجراءات الخاصة بالترشح للرئاسة في 2012. لكنني في الانتخابات الماضية تلقيت اثنين من الوعود للإنفاق على الحملة الانتخابية، لكن للأسف أخلفوا.
* هل كانت الوعود من جهات مدنية؟
- نعم.. مدنية طبعا. المهم أن هذه الوعود لم تتحقق وأصبح الدعم محصورا. ولم نكن نتوقع أن جماعة الإخوان ستتقدم بمرشح للرئاسة وقتها. كما أن العملية تحولت إلى مزاد. فبعض التوكيلات الخاصة بتزكية المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية في عام 2012 بدأ سعرها من 50 جنيها ووصلت حتى 400 جنيه. وفي انتخابات الإعادة في محافظة الجيزة مثلا وصل ثمن الصوت الانتخابي إلى 1800 جنيه. والبعض أشار علي أن أنسحب من المنافسة وقتها لكنني رفضت، لأن مهمتي كانت أن أوضح للمصريين بقدر الإمكان ما ينبغي عمله من أجل مستقبل أفضل.
* وماذا فعلت بعد فوز مرسي؟
- بعد فوز مرسي، قلت هذه رغبة الشعب، وبدأت أكتب مقالات عن التعليم والفقر والتنمية، واعتبرت أن هذا من واجباتي تجاه وطني، واستمر ذلك إلى أن أصدر مرسي الإعلان الدستوري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 الذي أعطى فيه لنفسه صلاحيات واسعة. وهنا بدأت في العمل ضده، لأنه اتضح أن هذا النظام بدأ يسفر عن وجهه الديكتاتوري، وهو أمر كان متوقعا. وفي الوقت الحالي، وإذا لم يترشح السيسي، فإنني سأقدم نفسي باعتباري أكثر المرشحين الذين خاطروا من أجل التخلص من نظام مرسي، بينما أصبح هناك من يطلقون على أنفسهم لقب «مرشح الثورة» بينما هم تواروا تحت المكاتب أثناء وقوفنا منذ شهر أبريل (نيسان) 2013 ضد حكم الإخوان.
* وكيف ترى الدستور الجديد؟
- أنا أدعو للتصويت بنعم على الدستور رغم أن لدي ملاحظات يمكن تعديلها فيما بعد.. مثلا مدة البرلمان خمس سنوات، بينما مدة الرئيس أربع سنوات، وهذا في رأيي يحتاج لتعديل بحيث يتم توحيد المدة.. إما خمس أو أربع سنوات لكل من البرلمان والرئيس.



مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

استبقت تسريبات إسرائيلية اجتماع مجلس السلام المقرر عقده الخميس في واشنطن لبحث قضايا مرتبطة بقطاع غزة، وتحدثت عن مهلة 60 يوماً لنزع سلاح حركة «حماس» أو العودة للحرب بضوء أخضر أميركي.

تلك التسريبات التي تكاد تتطابق مع حديث للرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب فيه نزعاً فورياً وكاملاً لسلاح «حماس»، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ورقة ضغط مشتركة من الولايات المتحدة من أجل فرض الملف على أجندة الاجتماع، محذرين من أن هذا الضغط «سيُربك مسار اتفاق غزة».

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وتتحدث إسرائيل عن منح «حماس» مهلة 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها بطلب من إدارة ترمب، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلا عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس مساء الاثنين.

ويجيء ذلك في أعقاب منشور لترمب على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، قال فيه إنه «ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري».

ويمثل ذلك التسريب تكراراً لآخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فلوريدا.

ووقتها قال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيُمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور»، بينما قال نتنياهو آنذاك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)».

فلسطينيون يسيرون أمام خيام النازحين وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي محمد العمدة أن ذلك التسريب «لا يختلف عن عقيدة إسرائيل الساعية لإفشال مسار الاتفاق وليس إرباكه فقط، خاصة أن مصالح نتنياهو المرتبطة بانتخابات هذا العام تجعله يطيل أمد المفاوضات ويضع عراقيل وذرائع تمهد للعودة للحرب».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن التسريب وراءه عدة أهداف، منها رفع سقف التوقعات، والإشارة لاحتمال تغير في قواعد اللعبة قبل تثبيت المرحلة الثانية، والضغط على «حماس» بطرح أفكار مغايرة عما سبق من مقترح متدرج لنزع السلاح.

وعدَّ نزال هذا اختباراً لجدية واشنطن للمضي في «اتفاق غزة»، معبراً عن اعتقاده بأن حكومة نتنياهو تريد إرباك مسار الاتفاق ومنع أي تفاهمات قد تكون محتملة بمجلس السلام.

وتُعد التسريبات الأخيرة مغايرة لأخرى ترددت قبل أسبوع حين أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

فلسطينيون يعلّقون زينة رمضان فوق حطام المباني المدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا «مجلس السلام» إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

ويعتقد العمدة أن المقترح التدريجي هو ما يمكن أن تدور حوله المناقشة، لكن مهلة الشهرين لن تكون كافية كي تتمكن «حماس» أو غيرها من تسليم سلاحها؛ مضيفاً: «الحركة بالأساس لن تفعل ذلك ولن تقبل بهذا المسار».

وهو يرى أن تفكيك تسليح أي حركة مثل «حماس» سيستغرق فترة لا تقل عن عام حال وجود تفاهمات، «لكن إسرائيل تناور (حماس)».

ويرجح نزال أن تكون تلك التسريبات المتضاربة «مجرد ورقة ضغط تفاوضية»، باعتبار أن المهلة تحمل سيناريوهين: إما دفع «حماس» نحو تنازلات جزئية يستمر معها مسار اتفاق غزة بشكل بطيء، أو تمهيد لتجميد الاتفاق لفترة طويلة والسماح لإسرائيل بخروقات أكبر.


مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.