أنفاق حماس.. بعضها اقتصادية وأخرى للقيادات ونوع ثالث لتسلل المسلحين إلى داخل إسرائيل

محللون: ما استثمرته الحركة تحت أرض غزة يفوق ما أنفقته فوقها

أنفاق حماس.. بعضها اقتصادية وأخرى للقيادات ونوع ثالث لتسلل المسلحين إلى داخل إسرائيل
TT

أنفاق حماس.. بعضها اقتصادية وأخرى للقيادات ونوع ثالث لتسلل المسلحين إلى داخل إسرائيل

أنفاق حماس.. بعضها اقتصادية وأخرى للقيادات ونوع ثالث لتسلل المسلحين إلى داخل إسرائيل

كان ذلك في يوم اثنين في أكتوبر (تشرين الأول)، عندما سمع سكان كيبوتس عين هشلوشا، إلى الشرق من غزة، أصواتا غريبة.
كان من الصعب تحديد مصدر تلك الأصوات. ولم تكن تصدر من فوق سطح الأرض، ولكن من أسفلها. وسرعان ما قادت تلك الضوضاء جنودا إسرائيليين إلى نفق متقدم للغاية ومجهز بصورة جيدة.
كان طول النفق 1.5 ميل ويقع 66 قدما تحت الأرض. كان مجهزا بالكهرباء وبه كميات كافية من الشطائر، والزبادي، وغير ذلك من التجهيزات لإبقاء ساكنيه لعدة شهور على قيد الحياة. وقدر الجيش الإسرائيلي أن حماس قد أنفقت ما يقرب من 10 ملايين دولار واستخدمت 800 طن من الخرسانة في ذلك المشروع الذي استغرق عامين.
ووصف الجيش الإسرائيلي في بيان، الجمعة، تلك الأنفاق بأنها «متقدمة ومعقدة، وتستخدم في شن هجمات مثل اختطاف المدنيين والجنود الإسرائيليين على حد سواء، واختراق المجتمعات الإسرائيلية، وارتكاب جرائم القتل الجماعي، وسيناريوهات احتجاز الرهائن».
وقال موقع «المونيتور» الإخباري، واصفا حرب الأنفاق المتصاعدة من واقع وثيقة فلسطينية، إن الهدف من شبكة الأنفاق هو مفاجأة العدو وتوجيه ضربة قاتلة لا تسمح بفرصة النجاة أو الهرب أو السماح بالمواجهة والدفاع عن نفسه.
والسبت الماضي، وفي ما وصفته جريدة «واشنطن بوست» بأنه «هجوم جريء»، تسلل مقاتلون من حماس يرتدون زي الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة إلى داخل إسرائيل من خلال أحد الأنفاق، وهاجموا دورية للجيش، مما أسفر عن مقتل جنديين. وفي محاولة ثانية يوم السبت للدخول إلى إسرائيل من خلال الأنفاق، عثر على نشطاء لحماس يحملون الأصفاد اليدوية والمهدئات في محاولة يبدو أنها كانت لخطف الجنود، وقتل أولئك النشطاء، على حد قول الجيش الإسرائيلي. وفي يوم السبت كذلك، خرج أحد المسلحين من أحد الأنفاق المخفية في جنوب قطاع غزة وبدأ بإطلاق النار على الجنود.
وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أول من أمس إن خليتين قد تسللتا إلى داخل إسرائيل من خلال نفق في شمال غزة. وقام الطيران الإسرائيلي بقصف إحداهما، وأطلقت الخلية الثانية قذيفة مضادة للدبابات على مركبة عسكرية قبل مقتل عشرة من النشطاء بالنيران المقابلة. وفي الوقت الذي تنكشف فيه الشبكة الكاملة لأنفاق حماس، يقول الجيش الإسرائيلي إن تفكيك تلك الجحور هو من أهم الأولويات لديه. وقال النقيب إيتان بوخمان، وهو متحدث عسكري إسرائيلي «لقد وسعنا من نطاق القوات العاملة على الأرض حتى يمكن استكمال تلك المهمة. إن غزة بالكامل تعتبر مدينة تحت الأرض، وكمية البنية التحتية التي تبنيها حماس على مر السنوات تعتبر هائلة. فهناك أنفاق، ومخابئ ممتدة، ومنشآت لتخزين السلاح، حتى داخل المناطق المأهولة بالسكان». ويقول المحللون إن الأنفاق هي الشق الرئيس للاستراتيجية العسكرية لدى حماس ضد إسرائيل. وقد قام الجيش الإسرائيلي بهدم نحو 36 مما يسميها «أنفاق الإرهاب»، لكن ربما يكون هناك المزيد. وفي حين يستمر قطاع غزة غارقا في الفقر - حيث كان دخل الفرد يبلغ 1165 دولارا في عام 2011 - يقدر أن حماس قد أنفقت ما يقرب من مليون دولار أميركي في أعمال الحفر والصيانة لكل نفق من الأنفاق. ويقول شلومي علدار من موقع «المونيتور»: «هناك الكثير من سوء الحظ ينال شعب غزة، فلقد استثمرت حماس موارد أكثر بكثير في غزة ما تحت الأرض عن غزة ما فوق الأرض. وما وعدت به حماس ناخبيها من تغيير وإصلاح تم استثماره في تلك الأنفاق على حساب شعب غزة».
وإذا كانت الأنفاق هي نتاج انتخابات حماس لعام 2006، فقد بدأت الجماعة في العمل سريعا. ففي يونيو (حزيران) من ذلك العام، استخدمت حماس أحد الأنفاق لأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وفي ذلك اليوم، وفقا لجريدة «هآرتس» الإسرائيلية، عبر المسلحون تحت الحدود بين غزة وإسرائيل وهاجموا برج الحراسة الذي كان يوجد به شاليط في الساعة 05:13 صباحا. وخلال ست دقائق، سيطر المهاجمون على شاليط وعادوا به إلى غزة عبر النفق - ولم يرجع إلى إسرائيل لمدة خمسة أعوام.
وفي السنوات الأخيرة، اقتربت أنفاق حماس من التفوق على أنفاق الفيتكونغ خلال حرب فيتنام. إذ قيل إن مقاتلي حرب العصابات الشيوعيين قد شيدوا مئات الأميال من الأنفاق في المنطقة المحيطة بسايغون، التي صارت عاصمة جنوب فيتنام في ما بعد.
غير أن أنفاق حماس تتجسد في سياق مغاير. فهناك سبب وحيد من وراء بناء الأنفاق، كما كتب علدار في مقال مختلف، وهو إبقاء الجنود مشغولين خلال فترات السلام النسبي مع إسرائيل: «ماذا تصنع بالآلاف من الشباب المتحمس المسلح برغبة عارمة على القتال؟. عليك المجيء ببعض الحلول التشغيلية: حفر نفق تحت الأرض».
أحد حفاري الأنفاق، والذي يقول إن العمال يستمرون في العمل تحت الأرض لفترات طويلة، يفسر كيفية البناء بقوله «يتم الحفر باستخدام آلة ميكانيكية، وليست آلة كهربائية، لتجنب إحداث الضجيج. وهي تستخدم سلسلة تعمل بطاقة التبديل، تماثل سلسلة الدراجة. وتحرك السلسلة الأجزاء المعدنية التي تحفر خلال التراب. وأثناء الحفر، يستلقي عامل الحفر على ظهره ويبدل بقدميه. وترتفع الأنفاق بما فيه الكفاية لتسير فيها وأنت مرفوع الرأس غير محني الظهر ويجري تدعيمها بالخرسانة».
وتودي الأنفاق بحياة الإنسان، طبقا لمقال مفصل بشكل غير معتاد من تأليف جيمس فيريني ظهر في عدد شهر أغسطس (آب) من مجلة «ناشيونال جيوغرافيك»، وهو يصف هذه الحادثة «كانت الساعة تدور حول التاسعة مساء، وكان الإخوة في مناوبة ليلية ينفذون أعمال الصيانة في النفق. وهناك المئات من تلك الأنفاق تنتشر بين غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية غير مطابقة لأي مواصفات في طريقة بنائها. كنا تحت الأرض بمائة قدم تحت مدينة رفح، جنوب مدينة غزة، وكان سمير يعمل بالقرب من المدخل، بينما كان يوسف واثنان من العمال، كريم وخميس، بالقرب من منتصف النفق. كانوا يحاولون دق إسفين من الخشب الرقائقي في الجدار لتدعيمه عندما بدأ في الانهيار. سحب كريم خميس من الطريق في الوقت الذي قفز فيه يوسف في الاتجاه المقابل. توقف انهيار التربة والصخور للحظة، وعند رؤية أن أصحابه بخير، صرخ يوسف (الحمد لله)، ثم تحرك النفق مرة أخرى، واختفى يوسف».
وهناك ثلاثة أنواع من الأنفاق، كما يقول الخبراء. النوع الأول هو النفق الاقتصادي: مئات الأنفاق التي تخترق مصر والتي سهلت لحماس سحب الموارد، والأسلحة، والصواريخ، حتى قام المصريون بإغلاق الكثير منها. وهناك مجموعة أخرى من الأنفاق التي تخدم القيادات العليا لحماس. «كل قائد من قادة حماس، من أدنى درجات السلم البيروقراطي فيها وحتى كبار القادة، على دراية كاملة بالطريق المؤدي إلى نفق الأمان المخصص له ولعائلته»، على حد زعم صحيفة «المراقب»، التي تضيف أن «للقيادة العليا أنفاقها الخاصة». والنوع الثالث الذي حرك الهجوم الإسرائيلي تمثله الأنفاق التي يتنقل مسلحو حماس عبرها تحت حدود قطاع غزة إلى داخل إسرائيل.
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.