تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط

فليبي السادس التقى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان

تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط
TT

تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط

تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا للرباط

شكل تنفيذ اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي أحد أبرز نتائج زيارة ملك إسبانيا فيليبي السادس للمغرب، التي انتهت أمس، باعتبارها الاتفاقية التي انتظرها الصيادون الإسبان بفارغ الصبر منذ نحو ثلاثة سنوات، إذ أنهى الاتحاد الأوروبي والمغربي، أمس، الخلافات القائمة بينهما حول حقوق الصيد بعدما توصل الجانبان إلى اتفاق يسمح لسفن الاتحاد باستئناف الصيد في المياه المغربية بعد توقف دام أكثر من سنتين.
وبدأت مشكلة اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، والتي تعد إسبانيا أكبر مستفيد منها، في ديسمبر (كانون الأول) 2011، وذلك عندما صوت البرلمان الأوروبي ضد تمديدها لاعتبارات سياسية واقتصادية، إذ عد بعض البرلمانيين الأوروبيين أن المقابل المالي الذي يتلقاه المغرب مقابل فتح مياهه الإقليمية أمام البواخر الأوروبية باهظ، خصوصا في سياق الأزمة المالية.
غير أن توقيف العمل بهذه الاتفاقية أدى إلى ارتفاع حدة التوترات الاجتماعية في إسبانيا، خصوصا في مناطق الأندلس وغاليسيا وجزر الخالدات (الكناري)، التي تستفيد من 80 في المائة من حقوق الصيد التي يمنحها المغرب للاتحاد الأوروبي في إطار هذه الاتفاقية. وتحت الضغط الإسباني فتح الاتحاد الأوروبي مفاوضات جديدة مع المغرب حول الشراكة في مجال الصيد البحري، وخلالها رفع المغرب من سقف مطالبه، خصوصا المتعلقة منها بمراقبة نشاط البواخر الأوروبية، ووضع معايير صارمة لحماية الموارد البحرية، وضمان تجددها، وفرض تشغيل نسبة من البحارة المغاربة على متن بواخر الصيد الأوروبية، إضافة إلى زيادة حجم التعويض المادي الذي يتلقاه المغرب مقابل فتح مياهه الإقليمية.
بيد أن المفاوضات ظلت تراوح مكانها حتى منتصف يوليو (تموز) من العام الماضي، عندما زار ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس المغرب، حيث جرى التوقيع على الاتفاقية بعد زيارته بأسبوع، ومرت الاتفاقية الجديدة بأغلبية ساحقة في البرلمان الأوروبي في ديسمبر الماضي، وصودق عليها بالإجماع في البرلمان المغربي في فبراير (شباط) الماضي، وصدر مرسوم الموافقة عليها في مارس (آذار) الماضي بالجريدة الرسمية. غير أنها توقفت في المراحل النهائية لمسلسل اعتمادها في المغرب ولم تتمكن من الدخول حيز التنفيذ.
وربط المحللون هذا التوقف بتغيير الاتحاد الأوروبي من جانب واحد لنظام أسعار دخول الفواكه والخضر إلى الأسواق الأوروبية، والذي تضررت منه زراعة الطماطم (البندورة) المغربية. ويرى المحللون أن المغرب تعمد تأخير تنفيذ اتفاقية الصيد البحري كورقة ضغط لصالحه في المفاوضات حول أسعار الطماطم، علما أن المزارعين الإسبان، خصوصا في منطقة الأندلس، هم أكبر المعارضين لدخول الطماطم المغربية إلى الأسواق الأوروبية.
وشكل إخراج اتفاقية الصيد البحري من المأزق أحد أبرز نتائج زيارة الملك فيليبي السادس للمغرب. وستسمح الاتفاقية الجديدة بدخول 120 باخرة صيد من 11 بلدا أوروبيا إلى المياه الإقليمية المغربية، بينها 90 باخرة إسبانية.
غير أن الصيد البحري رغم أهميته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لم يشكل الملف الأهم في جدول أعمال زيارة الملك فليبي السادس للمغرب، ذلك أن الزيارة تكتسي أيضا أهمية رمزية، إذ إنها ثالث زيارة للملك فيليبي السادس منذ توليه العرش قبل أسابيع، وذلك بعد زيارة الفاتيكان والبرتغال، وهي تكرس، حسب بعض المراقبين، الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، اللذين تجمعهما جغرافية الحدود المشتركة والتاريخ المشترك.
ومن أبرز عناوين زيارة الملك فيليبي للمغرب أيضا هناك التعاون في مواجهة الأزمة الاقتصادية، إذ تسعى إسبانيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع المغرب، وبناء شراكات مع المغاربة في اتجاه الأسواق الأفريقية كمتنفس من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تجتازها القارة العجوز.
وفيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، مكن التعاون المثمر بين الأجهزة الأمنية للبلدين من تفكيك الكثير من الشبكات والخلايا الإرهابية التي تعمل على جانبي الحدود. أما في مجال الهجرة فإنها لم تعد تقتصر على هجرة المغاربة إلى إسبانيا، ودور المغرب في كبح جحافل المهاجرين غير الشرعيين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، بل أصبحت أيضا تتطلب أخذ الهجرة المتزايدة للشباب الإسباني الهارب من البطالة في بلده في اتجاه المغرب. وفي هذا الصدد، يشير تقرير لمركز سيرفانتس الثقافي في طنجة إلى تزايد قوي لعدد الشبان الإسبان الراغبين في تعلم اللغة العامية المغربية، التي أصبحوا يعدونها ميزة أساسية في سعيهم للعثور على فرص عمل في المغرب.
واختتم ملك إسبانيا، أمس، زيارته إلى المغرب رفقه عقيلته الملكة ليتيثيا، بعد أن زاره بدعوة من الملك محمد السادس، الذي خصهما باستقبال ملكي في مطار الرباط - سلا، حيث كان مرفوقا بالأمير مولاي رشيد والأميرات: للا سلمى وللا مريم وللا أسماء وللا حسناء.
وخلال اليوم الأول من الزيارة اجتمع الملك فيليبي السادس مع العاهل المغربي لبحث العلاقات بين البلدين وسبل وآفاق تطويرها، وكان من أبرز الملفات التي ناقشاها التعاون في مواجهة الأزمة الاقتصادية، والتهديدات الإرهابية، وحماية الحدود، وتدبير تدفقات المهاجرين خلالها.
واجتمع الملك فيليبي السادس أمس مع رئيس الحكومة المغربي عبد الإله بن كيران، الذي قال في تصريح صحافي عقب الاستقبال إن «اللقاء كان فرصة للتباحث بخصوص عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على ضرورة تنمية العلاقات الثنائية في شتى المجالات». وأشار ابن كيران إلى أنه لمس لدى ملك إسبانيا رغبة أكيدة للعمل في هذا الاتجاه، وإلماما واضحا بالوضع في المنطقة.
وأضاف أن «الملك فيليبي السادس يدرك أيضا تميز المغرب، وما ينعم به من استقرار على مختلف الأصعدة في منطقة تشهد اضطرابات كثيرة، كما يدرك دور الملك محمد السادس، في الحفاظ على الأمن الروحي للمملكة، وأكد ضرورة تعزيز وتعميق التعاون بين البلدين».
من جهته، قال خوسي مانويل غارسيا مارغايو مارفيل، وزير الخارجية الإسباني، إن «اللقاء كان فرصة لاستعراض عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وخصوصا قضايا الهجرة»، مبرزا في هذا الصدد أن الملك فيليبي عبر عن امتنانه للجهود التي يبذلها المغرب في هذا الإطار من أجل الحد من تفاقم هذه الظاهرة، كما أشاد بالمبادرة المغربية المتعلقة بالسياسة الجديدة للهجرة.
وذكر بالعلاقات الممتازة القائمة بين البلدين، ودعم بلاده للمغرب خاصة في مجال الحكامة، مضيفا أن «عددا كبيرا من المقاولات الإسبانية تستثمر في المغرب في مختلف القطاعات، خصوصا ما يتعلق بالطاقات المتجددة والخدمات والبنيات التحتية. ودعا رئيس الدبلوماسية الإسباني حكومتي البلدين إلى بذل مزيد من العمل والتعاون في المجال الاقتصادي، في أفق استشراف آفاق واعدة بشكل مشترك في القارة الأفريقية».
كما استقبل الملك فيليبي السادس، أمس، رئيس مجلس النواب المغربي، رشيد الطالبي العلمي، الذي أشار في تصريح صحافي إلى أن المباحثات التي جرت بينه وبين الملك الإسباني شملت التعاون بين المؤسستين التشريعيتين بالبلدين، واللتان تعملان في إطار منتدى ينعقد بشكل منتظم، مشيرا إلى أن الدورة الثالثة من هذا المنتدى ستنعقد في المغرب في وقت لاحق من العام الحالي. كما استقبل الملك فيليبي السادس، رئيس مجلس المستشارين، محمد الشيخ بيد الله.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.