عباس يطلب وضع فلسطين تحت الحماية الدولية

خادم الحرمين يوجِّه بتقديم 200 مليون ريال للهلال الأحمر الفلسطيني

الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)
TT

عباس يطلب وضع فلسطين تحت الحماية الدولية

الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني خلال لقائه المنسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام روبرت سري في رام الله أمس حيث طالب المجتمع الدولي بحماية فلسطين (أ.ف.ب)

قال صائب عريقات، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعضو مركزية حركة فتح، إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) أرسل للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أمس، رسالة رسمية يطلب فيها توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني بشكل فوري.
وأوضح عريقات، لـ«الشرق الأوسط»، أن الإجراء المنتظر الآن هو «أن تقوم الأمم المتحدة بإنشاء نظام خاص تضع فيه الأراضي الفلسطينية التي تتعرض لهذا العدوان الهمجي تحت نظام الحماية الدولية». وأضاف «هذا يعني أن توقف إسرائيل عدوانها فورا، ومن ثم يتدرج الأمر حتى تجلي إسرائيل قواتها عن أراضينا، ومن ثم تحضر قوات دولية لحماية شعبنا». وتابع «تكرر هذا نحو 19 مرة في مناطق العالم». وكان عباس سلم في مكتبه رسالة رسمية لبان كي مون، عبر ممثله في الأرض الفلسطينية روبرت سيري، تطالب بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وأرضه.
وقال عباس «قررنا الطلب رسميا من الأمم المتحدة توفير الحماية الدولية لشعب وأرض فلسطين في ظل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ووقوع مزيد من الشهداء ومزيد من الجرحى والتدمير». وأضاف عباس «بناء على قرار القيادة الفلسطينية قمنا باستدعاء ممثل الأمين العام للأمم المتحدة روبرت سيري، وسلمناه هذه الرسالة ليسلمها إلى الأمين العام بان كي مون». وتابع «الوضع لم يعد يحتمل الصبر أكثر من هذا، فإسرائيل أوغلت في كل شيء، ولا بد من إيقاف عدوانها على الشعب الفلسطيني الذي بدأ في الخليل ثم في مدينة القدس، ثم في باقي الضفة الغربية، وأخيرا في غزة، وهو وضع لم يعد يحتمل، وعليه أرسلنا هذه الرسالة». وأردف «هناك قرارات اتخذتها القيادة الفلسطينية ستعلن قريبا، وطلب الحماية الدولية للشعب والأرض الفلسطينية هو أول هذه القرارات».
وأوضح عريقات أن قرارات كثيرة ستكون موضع التنفيذ بعد استكمال دراستها من جميع الجوانب، وفي أعقاب اجتماع وزراء الخارجية العرب، اليوم، الذين ستدعوهم السلطة للتحرك على الصعيد الدولي لدعم طلب الحماية، بالإضافة إلى الطلب منهم الدعوة لعقد جلسة خاصة لمجلس الأمن على مستوى وزراء الخارجية، لاتخاذ قرار واضح لوضع حد للعدوان الإسرائيلي وإلزام إسرائيل بوقفه واحترام وقف إطلاق النار. وشدد عريقات على أن «الخطوة الأولى والأهم الآن هي وقف هذا العدوان الهمجي وحرب الإبادة ضد شعبنا». وكانت منظمة التحرير أصدرت بيانا أوضحت فيه أسباب الخطوة، قائلة إنها تأتي تعزيزا للجهود الهادفة إلى وضع حد لهذا العدوان ولحمل المجتمع الدولي على النهوض بمسؤولياته إزاء الانتهاكات المتواصلة من جانب إسرائيل لحقوق شعبنا ولإحكام القانون الدولي، وعلى طريق تأمين جلاء الاحتلال وتمكين دولة فلسطين من ممارسة سيادتها.
وفي مرات سابقة انتشرت قوات دولية بقرار من مجلس الأمن في الصومال، ولبنان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، وسيراليون، وكوسوفو، وهايتي، وتيمور، ورواندا، وغيرها من دول العالم. ولجأت السلطة إلى هذا الحل بعدما فشلت الدبلوماسية الفلسطينية في وقف التغول الإسرائيلي في الضفة وغزة التي دخلت الحرب عليها أمس يومها السادس، وخلفت أكثر من 170 قتيلا و1200 جريح، ودمرت مئات المنازل والمنشآت، وخلقت حالة نزوح كبيرة وصلت إلى الآلاف. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمس، إنه لا يعرف متى ستنتهي المعركة في غزة، مضيفا في مستهل جلسة الحكومة الإسرائيلية «نحن نشن معركة عسكرية صارمة ضد حماس وسائر منظمات الإرهاب العاملة في قطاع غزة وبقوة تزداد رويدا فرويدا». وأَضاف «حماس اختارت الاعتداء على المدن الإسرائيلية بالقصف الصاروخي المكثف والعشوائي ونحن سنرد بقوة». واتهم نتنياهو قيادة حماس والقسام بالاختباء في المساجد وإقامة مستودعات للأسلحة والذخيرة في أقبية المستشفيات ومقرات قرب رياض للأطفال، مضيفا «العدو يستخدم سكان قطاع غزة كدروع بشرية ويجلب الويلات لهؤلاء السكان، وعليه فإن حركة حماس هي التي تتحمل مسؤولة أي مس بالمدنيين، في حين أن إسرائيل تأسف لذلك». وتابع «الفرق بين إسرائيل وحماس هو أننا نستخدم المنظومات المضادة للصواريخ لحماية سكان إسرائيل وهم يستخدمون سكان قطاع غزة لحماية مستودعات الصواريخ التابعة لهم».
وقتلت إسرائيل أمس أكثر من 20 فلسطينيا ليرتفع عدد القتلى منذ بدء العدوان إلى أكثر من 170 قتيلا و1200 جريحا. وكانت إسرائيل كثفت ليل السبت من غاراتها على غزة وقتلت عائلات بأكملها ردا على قصف حماس لتل أبيب بصواريخ «جي 80» الجديدة. وأكد تقرير صادر عن الأمم المتحدة أمس أن غالبية القتلى في غزة هم من المدنيين العزل ولا علاقة لهم بالعمليات العسكرية. وبحسب التقرير فإن 70 في المائة من القتلى في غزة هم من المدنيين. ودمرت إسرائيل حتى الأمس 800 منزل بشكل كامل وجزئي، وتسبب ذلك في نزوح نحو 5000 فلسطيني، فيما يعاني الآلاف من سكان القطاع من انقطاع الكهرباء والماء نتيجة استهداف إسرائيل للبنى التحتية في غزة، ويعانون من نقص الأدوية والاحتياجات الطبية في المشافي.
وواصلت القسام أمس قصف مدن إسرائيلية وأعلنت مجددا قصف حيفا، وهي أبعد نقطة وصلتها صواريخ حماس (120 كيلومترا).
وقال بيان للقسام إنهم قصفوا حيفا بصاروخ «آر 160» وتل أبيب بـ3 صواريخ «إم 75» وريشون ليتسيون بصاروخ فجر، كما استهدفوا للمرة الأولى قاعدة «بلماخيم» الجوية بـ3 صواريخ من طراز «إم 75». وتواصل القصف المتبادل فيما لم تقرر إسرائيل بعد بشأن الحرب البرية على قطاع غزة وسط محاولة فاشلة لاقتحام القطاع فجر أمس.
وحاولت وحدة كوماندوز بحرية إسرائيلية اقتحام منطقة السودانية في غزة للقيام بعمليات خاصة على الأرض، لكنها اصطدمت بمسلحين فلسطينيين واشتبكت معهم. وفي هذا الوقت تستمر الاتصالات على نطاق واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وقطر والرباعية الدولية وتركيا وحماس من أجل الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار وفق اتفاق التهدئة 2012. لكن لم يعرض نص متكامل وواضح حتى الأمس على الأطراف.
ويصل وزيرا خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير وإيطاليا فيديريكا موغيريني التي تتولى بلادها رئاسة الاتحاد الأوروبي حاليا خلال الأيام المقبلة إلى الشرق الأوسط في زيارة للأردن وإسرائيل والضفة الغربية لدعم جهود وقف النار. وأعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، في فيينا حيث سيبحث مع نظرائه في الدول الكبرى الغربية الملف النووي الإيراني، أنه «في غزة كما في إسرائيل، الأولوية المطلقة هي وقف إطلاق النار». وصرح الوزير للصحافيين «في هذا السياق التصعيدي الكارثي تماما، تدعو فرنسا على غرار مجلس الأمن الدولي إلى العودة إلى هدنة 2012»، مؤكدا «أكيد أننا سنبحث في ذلك مع زملائي الحاضرين هنا».
ويلتقي وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في العاصمة النمساوية في محاولة لتذليل العقبات مع الإيرانيين قبل أسبوع من انتهاء المهلة للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. لكن النزاع بين إسرائيل وحركة حماس سيكون أيضا على جدول المناقشات، وسيبحث وزراء الخارجية في تحديد «تحرك دولي عاجل ومنسق» بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار كما قال الوزير البريطاني ويليام هيغ. واعتبر المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن سايبرت، في مؤتمر صحافي الجمعة، أن «هذا الوضع المتوتر جدا بين إسرائيل والفلسطينيين يمكن تهدئته فقط إذا توقفت هجمات الصواريخ على مدن إسرائيلية من قطاع غزة على الفور»، فيما أدانت المستشارة أنجيلا ميركل هذا الأسبوع «إطلاق الصواريخ على إسرائيل». وتؤيد برلين «حق الإسرائيليين في الدفاع عن أنفسهم».
وقال موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، أمس «كثر الحديث عن التهدئة، وشروطها وتوقيتها، ونحن لسنا بتجار حروب.. وإذا كانت التهدئة فهذه ليست آخر المعارك واستراحة محارب، ومستمرون بعون الله».

 



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.