تأهيل قطاع المواصلات في سوريا يتطلب 12 مليار دولار.. والتنفيذ على ثلاث مراحل

تأهيل قطاع المواصلات في سوريا يتطلب 12 مليار دولار.. والتنفيذ على ثلاث مراحل
TT

تأهيل قطاع المواصلات في سوريا يتطلب 12 مليار دولار.. والتنفيذ على ثلاث مراحل

تأهيل قطاع المواصلات في سوريا يتطلب 12 مليار دولار.. والتنفيذ على ثلاث مراحل

أعلنت «مجموعة عمل اقتصاد سوريا» أن التكاليف المتوقعة لإعادة الإنشاء لكافة قطاع النقل والمواصلات بالبلاد، المتضرر بفعل العمليات الحربية منذ مارس (آذار) 2011، تبلغ 3.835 مليار دولار، مشددة على أن هذه التكلفة تقتصر على المرحلة الإسعافية، المحددة بفترة زمنية تمتد لستة أشهر، مشيرة إلى أن التكلفة الإجمالية لإعادة تأهيل قطاع المواصلات في سوريا، خلال المراحل الإسعافية والمتوسطة والطويلة الأجل، تفوق الـ12.5 مليار دولار.
وفي تقرير خاص، أصدرته المجموعة الاقتصادية الاستشارية المستقلة التي اعتمدتها مجموعة «أصدقاء الشعب السوري» المعنية بإعادة إعمار سوريا، وحمل عنوان «الخارطة الاقتصادية لسوريا الجديدة - قطاع النقل والمواصلات والطرق»، أوضحت المجموعة أن التكاليف تلحظ إعادة تأهيل الطرقات السريعة والمحلية وقطاع النقل الجوي والبحري والمعابر الحدودية، فضلا عن تطويرها، موضحة أن إعادة الإنشاء الطويلة الأجل، تمتد على مدى خمس سنوات.
وجاء التقرير على ضوء الدمار الذي لحق بشبكة المواصلات وقطاع النقل في سوريا، بعد أكثر من عامين ونصف على بدء الأزمة التي عصفت بالبلاد، وأدت خلالها الأعمال الحربية إلى تدمير جزء واسع من شبكة المواصلات. وقدر الخبراء الذين شاركوا في إعداد التقرير، إجمالي أضرار قطاع النقل البري في البلاد منذ بداية الظروف الراهنة وحتى عام 2013 الحالي ما يقارب 1.437 مليار دولار أميركي، ضمن الوضع الحالي لشبكة الطرق والجسور وحالة مراكز خدمات النقل خلال الأزمة الراهنة. أما الأضرار التي لحقت بالطرق الدولية فقط نتيجة القصف والتخريب الوحشي، فقدرت بنحو 4.510 مليون دولار أميركي حتى عام 2013، مع الأخذ بالحسبان وجود منشآت لم تقدر قيمة الأضرار فيها بسبب الظروف الراهنة وتوتر المناطق التي توجد فيها هذه المنشآت.
ويلحظ التقرير ثلاث مراحل لإعادة التأهيل والإنشاء في قطاع النقل على الطرق. ويقول معدوه إنه من الصعب تقدير حجم التدمير والتخريب الذي ارتكبته قوات النظام السوري على مدى عامين من الثورة، بسبب عدم توفر البيانات المتاحة ميدانيا وبشكل غير كاف، علما أن الدمار لحق الطرق والجسور والسكك الحديدية وبعض المراكز الحدودية التي كانت أهدفا رئيسة لقوات النظام.
وتراعي الدراسة، على الأجل الطويل، تطوير القطاع في مختلف المحافظات السورية، مما يشير إلى مخطط لتعزيز اللامركزية الإدارية التي كانت معتمدة في العقود الماضية. وفيما اهتم نظام الرئيسين حافظ وبشار الأسد بتطوير القطاع الحيوي في محافظتي دمشق وحلب، بما يتخطى المحافظات الأخرى، يؤكد رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا الدكتور أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط» أن «كل المحافظات تحتاج إلى شيء من اللامركزية الإدارية وتأخذ حظها من الاهتمام والثروات، وأن لا تتركز كل الأموال في محافظتي حلب ودمشق، فيما تهمل باقي المحافظات». ويوضح القاضي أنه «لم تكن هناك عناية بالمحافظات بالشكل اللائق»، متسائلا: «أليس من المعيب الحديث عن مناطق نائية مثل الحسكة ودير الزور والقامشلي، والاعتراف من قبل النظام، على مدى خمسة عقود، بأنها فقيرة وأقل نموا، على الرغم من أنها سلة سوريا الغذائية، وثروتها من النفط والغاز؟»، لافتا إلى أن النظام يعترف بعدم الاهتمام بها، «عبر مراعاة طلاب تلك المناطق بعلامات شهادة البكالوريا بوصفها مناطق نائية».
وتشير «مجموعة عمل اقتصاد سوريا» إلى أن إعادة التأهيل تلحظ ثلاث فترات زمنية، هي المرحلة الإسعافية، والمقصود بها تأهيل الطرق الرئيسية التي تشكل نقاط وصل استراتيجية لا يمكن تأجيل إعادة إصلاحها بين مراكز المدن ودول الجوار. وعليه تخضع لإعادة التأهيل خلال الستة أشهر الأولى من سقوط النظام.
أما المرحلة متوسطة الأجل، فيقصد بها بعض الطرق ذات الأولوية، ومن المهم إعادة إصلاحها وتأهيلها خلال العامين المقبلين. أما المرحلة الطويلة الأجل، فتشمل المشاريع ذات التكلفة العالية والأهمية الاستراتيجية وبمحاور جديدة، وتحتاج لمراحل من التحضير.
ويوضح القاضي، وهو مساعد رئيس الحكومة السورية المؤقتة للشؤون الاقتصادية، أن «التطوير من الخطة الإسعافية يعني إصلاح ما يمكن إصلاحه من الطرق، ريثما تتأمن وسائل التطوير وتمويلها، بعدما عطلها النظام على مدى خمسة عقود»، مشيرا إلى أن الحكومات المتعاقبة منذ تسلم الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة في عام 1970، «طورت قطاع النقل والمواصلات بطريقة سلحفاتية، لا تلبي حاجات 23 مليون سوري».
ويشرح القاضي: «طريق حلب - الرقة، منذ قبل اندلاع الثورة السورية، كان يسمى طريق الموت.. أما طريق حلب - دمشق الدولي، وهو الأفضل بين طرقات سوريا، فيحتوي على أكثر من 45 خطأ قاتلا بهندسته»، لافتا إلى أن توصيات بتلك الأخطاء «قدمت إلى وزارة المواصلات السورية في عام 2005، من غير أن تؤدي إلى أي تغيير». ويضيف: «فلنتخيل باقي الطرق في الشرق السوري وعدد الحوادث التي تحدث في سوريا مثل الطرق الصعبة التي لم يوسعها النظام وتركها على حالها منذ أيام الفرنسيين»، مشيرا إلى أن الطرقات في سوريا والتي «أجزم أن هندستها وتنفيذها لا تراعي المعايير الدولية على الإطلاق، تشهد سنويا ما يزيد على 60 ألف حادث مروري، مما يجعل سوريا واحدة من أعلى نسبة الحوادث في العالم العربي».
والى جانب الطرقات التي «يجب أن ينشأ فيها طريق سريع بين القامشلي ودمشق»، يلحظ التقرير إعادة تأهيل وتطوير شبكة سكك الحديد التي تمتد من دمشق إلى الأردن، وحلب واللاذقية والمحافظات الشرقية والشمالية، فضلا عن إنشاء خط حيوي يربط دير الزور بالعاصمة دمشق، بدلا من الخط الذي يمر من الشرق إلى حلب، ثم دمشق، مما يجعل المسافة تحتاج إلى ست ساعات.
وبهدف تمويل المشاريع في سوريا المستقبل، يوصي التقرير بـ«إعداد مصفوفة للمشاريع التجارية الاستثمارية في سوريا بالتعاون مع جهة استشارية عالمية وبمشاركة الخبراء الاقتصاديين ومنظمات المجتمع المدني الموجودة حاليا وغرف التجارة والصناعة وكافة ممثلي القطاع الخاص وكذلك الدول المانحة، مما يفيد في وضع إطار لما يمكن أن يقوم به القطاع الخاص المنفتح على كافة مكونات المجتمع السوري»، كما يوصي «بإيجاد سياسة مالية تحقق العدالة في النظام الضريبي والتعرفات التنافسية التي تؤدي إلى زيادة إنتاج وإمكانية المنافسة». و«دعوة الدول المانحة والصديقة لتحفيز باقي الدول لدعم تطبيق خطة مارشال»، وغيرها من التوصيات.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.