محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

10 سنوات على غياب صاحب «الجدارية»

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق
TT

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

لم يكن محمود درويش يحتاج إلى غيابه الجسدي لكي يتيح لنا أن نقف في ضوء هذا الغياب على المساحة الشاغرة التي خلفها وراءه.
ولم يكن الشاعر عرضة للتجاهل والغبن وسوء الفهم لكي نقول: لا بد من موته لكي ننتبه إليه. ذلك أن أحداً في دنيا العرب، ربما باستثناء نزار قباني، لم يكن ليملك تلك الكاريزما الآسرة التي امتلكها درويش منذ بداية شهرته في فلسطين المحتلة وحتى تحوله إلى أيقونة حقيقية في سني حياته الأخيرة. وهو من بين الشعراء القلائل الذين أمكن لأمسياتهم ولقاءاتهم مع الجمهور أن تتحول إلى تظاهرات حاشدة يتنادى لها الناس من مختلف الشرائح والأمزجة والأهواء الفكرية والسياسية، وتغص بها القاعات والمحافل ومدرجات الجامعات وملاعب كرة القدم. وفي حين ظلت النجومية في العالم العربي صناعة مقتصرة على المطربين والممثلين، فقد عرف درويش كيف يجسد بنضارة نصوصه وديناميتها، كما بالوسامة اللافتة التي لم تفارقه كهلاً، ما سماه الكاتب الآيرلندي جيمس جويس «صورة الفنان في شبابه». وحيث راح بعض الشعراء يردون على واقعهم المزري وفقرهم وتهميشهم من قبل السلطة أو المجتمع، عبر الصعلكة والتقوقع الشخصي وتدمير الذات، فإن الظروف القاسية التي واجهت درويش في الوطن المحتل وخارجه لم تزده إلا تشبثاً بصورة الشاعر الأنيق و«الأرستقراطي» الذي يعرف متى يقترب من الآخرين، ومتى يحتجب عنهم، والذي يرى في الشعر رديفاً للكرامة والجمال والترفع، لا للمهانة والتسكع والسلوك العدمي. فإذا كان لا بد من الجنون، فليكن بالنسبة له من داخل النص وعبره، وإذا كان لا بد من الصعلكة فلتكن عن طريق الانقلاب على المتن المتوارث والبلاغة السائدة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا السياق لا يتعلق بالمكانة التي اكتسبها محمود درويش في حياته، بل بالعوامل المختلفة التي وفرت لاسمه ولشعره أن يظلا، بعد عشر سنوات من موته، راسخين أشد الرسوخ في الوجدان العربي والإنساني. وما على أي منا سوى التأمل قليلاً في مواقع التواصل الاجتماعي لكي يتبين له المدى الواسع لتفاعل الآلاف مع نتاج درويش، واستشهادهم بنصوصه الشعرية والنثرية، لا حين تحضرهم مأساة فلسطين فحسب، بل في شتى المواقف والمناسبات المتعلقة بشؤون الحياة في مباهجها ومكابداتها.
وفي حين أن عشرات الشعراء الفلسطينيين والعرب ممن يدينون بنجوميتهم إلى الرافعتين الآيديولوجية والإعلامية، قد عادوا بعد رحيلهم إلى كنف النسيان المطبق، لا يزال اسم درويش يحتفظ ببريقه السابق، ويلتف من حوله قراء ومتابعون كثر من الأجيال القديمة أو الصاعدة. والحقيقة أن القيمة المضافة لمكانة صاحب «سرير الغريبة» لا تتعلق بالقضية العادلة التي حمل لواءها مع كثر غيره، بل بإيلائه الشعر كل عنايته ووقته، وجعْله له جوهر حياته ومعنى وجوده الأهم. فهو لم يركن في مسيرته الشاقة إلى الموهبة وحدها، ولم ينم على حرير التعاطف التلقائي والمسبق للجمهور الواسع الذي هتف في وجهه ذات يوم «أنقذونا من هذا الحب القاسي». وهو أيضاً لم يستسلم لإغواء السلطة التي وصل يوماً إلى سدتها في قيادة منظمة التحرير، بل وضع كل ذلك خلف ظهره وانتهج الطريق الأصعب لخوض معركته القاسية والقاتلة مع الكلمات. ومن يتتبع المجموعات الأولى للجيل الذي انتمى إليه الشاعر لن يعثر على فروق تُذكر بينه وبين أقرانه، فيما تكشف أعماله اللاحقة عن ثقافة واطلاع عميقين، وعن تبتل روحي قارب حدود التنسك، وعن نزف نفسي وجسدي ما لبث أن قاد شرايينه الواهنة إلى الانفجار.
كانت «هجرة» محمود درويش من فلسطين باتجاه العالم الأرحب في مطلع سبعينات القرن الفائت أول الأثمان التي كان لا بد من دفعها في سبيل تطوير لغته وإخراجها من دائرة الكتابة الخام والفضفضة الغنائية والتحريض المباشر باتجاه الترميز والتكثيف الدلالي والأسئلة الإنسانية العميقة. فضلاً عن أن تلك الهجرة كانت، رغم ما سُدد باتجاهه من سهام التجريح، أكثر من حاجة ملحة لاستكناه فلسطين الأعماق واستردادها عبر الشعر بما هي بحث مضن عن قيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، لا بوصفها مساحة جغرافية محددة. ولدى إقامته في بيروت أظهر درويش انحيازاً واضحاً للشرط الإبداعي في وجه اللافتات السياسية والتعليب الآيديولوجي المحْكم، وهو ما يفسر رده الانفعالي على من طالبه بقراءة قصيدته الشهيرة «سجل أنا عربي» بقوله غاضباً «سجل أنت!». ولم يكن ذلك ليعني بأي حال تنصل الشاعر من القضية التي حملها في قلبه وشعره حتى النهاية، بل يعني تراجعاً عن مقولاته السابقة حول مصالحة الشعر مع الجمهور الواسع، ولو اقتضى ذلك تنازل الشاعر عن بعض سقوفه الإبداعية العالية. وهو ما جسدته بوضوح قولته الشهيرة:
قصائدنا بلا طعمٍ بلا صوتِ
إذا لم يفهم البسطا معانيها
إذا لم تحمل المصباح من بيتٍ إلى بيتِ
وإن لم يفهم البُسطا معانيها
فأوْلى أن نذرّيها
ونخْلد نحن للصمتِ
وحيث مثلت قصيدته «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا» بداية مغادرته لمرحلة الغناء الرومانسي، وانعطافته نحو التكثيف واستخدام الرمز، عاش درويش في بيروت، التي كانت عشية حربها الأهلية موزعة بين مغامرة الحداثة وبين التدجين الثقافي والآيديولوجي، لحظات صعبة ومكلفة على صعيد العلاقة بجمهوره.
وما زلت أذكر كيف انسحب العديد ممن وفدوا للاستماع إليه في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية ليلتحقوا بأمسية مظفر النواب في كلية الحقوق، بعد أن أرهقتهم مواكبة قصيدته الطويلة والآهلة بالرموز «تلك صورتها وهذا انتحار العاشق». لا بل إن الراحل شفيق الحوت اضطر في أمسية أخرى، وأثناء قراءة درويش لقصيدته «أحبك أو لا أحبك»، أن يطرد أحد الطلاب «اليساريين» من القاعة بعد أن احتج هذا الأخير على ما اعتبره «تلهي» شاعر المقاومة المفترض بأمور الحب، في اللحظة التي تتعرض فيها المقاومة الفلسطينية للضرب على يد الجيش اللبناني.
بذل محمود درويش من جهة ثانية جهوداً ضارية للتخلص من كل أولئك الذين وقع تحت تأثيرهم في مقتبل تجربته، والذين بدت ظلالهم واضحة في نصوصه الأولى من مثل السياب ونزار قباني وأدونيس وصولاً إلى لوركا ونيرودا. لكنه بالضراوة ذاتها تصارع مع نفسه وظل ينقلب على منجزه السابق بين مجموعة وأخرى.
ومع ذلك فإن نذُر موهبته العالية لم تكن غائبة عن بعض قصائده الشفافة والغنية بالترجيعات، من مثل:
مطرٌ ناعمٌ في خريف بعيدْ
والعصافير زرقاءُ زرقاءُ والأرض عيدْ
لا تقولي أنا غيمة في مطارْ
فأنا لا أريدْ
من بلادي التي سقطتْ من زجاج القطارْ
غير منديل أمي وأسباب موتٍ جديدْ
على أن الشاعر منذ مجموعته «محاولة رقم 7» الصادرة أوائل السبعينات، مروراً بقصيدة «الأرض» و«أحمد الزعتر» ووصولاً إلى «بيروت» و«مديح الظل العالي» راح يؤالف بين الترجيع الغنائي المترع بالحنين وبين النفس الملحمي الذي تتقاطع في مناخاته الأسطورة والتاريخ والرموز الصوفية المختلفة. وهو المنحى الذي عمّقه لاحقاً في نصوص «الهدهد» و«مأساة النرجس وملهاة الفضة» و«حجر كنعاني في البحر الميت»، كما لو أنه أراد أن يكون هوميروس الجديد الذي يؤرخ للتغريبة الفلسطينية، ويعصم الذاكرة الجمعية من التلف.
ومع ذلك فقد شعر محمود في منتصف الثمانينات، وبعيد أزمته القلبية الأولى، بأنه يكاد يستنزف لغته وإيقاعه الإنشادي ومراثيه وموضوعاته الأثيرة. لذلك فقد راح يبحث عن أفق للكتابة بعيد عن القصيدة «الشاملة» التي تقول كل شيء، والتي تزخر باللغة الهادرة والصور الباذخة والإيقاع العالي الذي يأخذه البحر الكامل نحو فضاءات صوتية يصعب لجمها. ولم يكن ابتعاده عن «الكامل» واختياره لـ«المتقارب» نموذجاً إيقاعياً وحيداً ينتظم قصائد مجموعته «ورد أقل»، سوى الترجمة العملية لتبرمه بالغنائية المفرطة وجنوحه نحو موسيقى أكثر خفوتاً تسمح للغة الدرامية بالتنامي، وتتواءم مع خلجات النفس وتوترات الداخل. ليس ثمة هنا من معلقات ومطولات نافلة، بل سونيتات قصيرة نسبياً تتحلق كل منها حول مشهد أو فكرة أو تفصيل حياتي أو حوار مونودرامي يتصل بالفرد كما بالجماعة:
مطار أثينا يوزعنا للمطارات
قال المقاتل: أين أقاتل؟
صاحت به حاملٌ: أين أهديك طفلك؟
قال الموظف: أين أوظف مالي؟
فقال المثقف: مالي ومالكَ!
قال رجال الجمارك: من أين جئتمْ؟
أجبنا: من البحر
قالوا إلى أين تمضون؟
قلنا: إلى البحر...
كان مطار أثينا يغيّر سكانه كل يوم
ونحن بقينا مقاعدَ فوق المقاعد ننتظر البحرَ
كم سنة يا مطار أثينا!
كما أن المتابع لتجربة درويش بعد خروجه من بيروت لا بد أن يلحظ اهتمامه المتنامي بتعميق ثقافته، التي راحت تغرف من غير مَعين وتتسع دائرتها لتشمل الفلسفة والفكر السياسي والنقدي والتاريخ وعلمي النفس والاجتماع وغيرها من القراءات والدراسات اللغوية والدينية والنقدية. وهو ما عكسته بوضوح موضوعاته المتصلة بمعنى الحياة والموت والزمن والحب والغياب، إضافة إلى تكثيف صوره وتنويع موضوعاته وعنايته بالتفاصيل المحسوسة وتعميق أسئلته الإنسانية. وإذا كان شاعر متميز بمهارة درويش قادراً على إخفاء مصادره المعرفية وتذويبها داخل النص الشعري، فإننا رغم ذلك نستطيع أن نتعقب في بعض نصوصه آثار الكتب التي شغف بها، فتعيدنا قصيدة «خطبة الهندي ما قبل الأخيرة» إلى كتاب تودوروف «فتح أميركا»، وتعيدنا قصيدة «الهدهد» إلى كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار، وتعيدنا «قناع مجنون ليلى» إلى كتاب «سوسيولوجيا الغزل العربي» للطاهر لبيب، و«لو ولدت» إلى «الهويات القاتلة» لأمين معلوف، حيث نقرأ له قوله عن الهوية المركبة:
لو ولدتَ من امرأة أسترالية وأبٍ أرمني
ومسقط رأسك كان فرنسا
فماذا تكون هويتك اليوم؟
طبعاً ثلاثية
كما أن افتتانه بالرواية ورغبته المتعذرة في كتابتها قد تمثلا بشكل واضح في أعماله النثرية المتميزة التي تضاهي شعره في توهجها وثرائها ونقائها البلوري، كما في شغفه بالسرد الشعري حيث نعثر في الكثير من قصائده على نتف متناثرة من سيرته الشخصية ووقائع حياته، وهو ما نجده على الأخص في دواوينه «لماذا تركت الحصان وحيداً» و«كزهر اللوز أو أبعد» و«الجدارية»، وصولاً إلى عمله الأخير «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»:
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة
أو أكونْ
مثل أختي التي صرخت
ثم ماتت ولم تنتبه
إلى أنها وُلدت ساعة واحدة
ولم تعرف الوالدة
أو كبيض حمامٍ تكسّر
قبل انبلاج فراخ الحمام من الكلس
ولأن درويش كان شاعراً قلقاً بامتياز فهو لم يكن يأنس إلى أسلوب بعينه أو إيقاع محدد أو بنية بذاتها. فالشعر عنده ليس رديفاً للنمط المتماثل والتسليم اليقيني، بل رديف الشكوك والتجدد والانقلاب على الذات. ولأنه لم يكن وفياً لغير الحرية فقد كان يكتب المطولة جنباً إلى جنب مع الشذرة الخاطفة، وينتقل من قصيدة الكشوف العميقة ذات البعد الصوفي باتجاه البوح الغنائي البسيط، ويلح على التقفية المتماثلة حيناً ويتخلى عنها بالكامل حيناً آخر. وهو في ذروة مغامرته الأسلوبية والإيقاعية لم يتردد في العودة بين حين وآخر نحو النظام الإيقاعي الخليلي.
أما صوره المشهدية المنتزعة من كافة عناصر الطبيعة وتشكلاتها فكانت تتناغم مع الجرس الأشد عذوبة لمفرداته وتعابيره لتجعلا من نصوصه لوحات سمعية - بصرية أخاذة. واللافت في هذا السياق اقتصار شعره على بحور قليلة كالكامل والمتقارب والوافر والرمل، فيما بدا تجنبه لـ«الخبب» تعبيراً عن ضيقه بالخفة الراقصة لهذا البحر، كذلك الأمر بالنسبة لـ«الرجز» الذي لا تتلاءم إيقاعاته «الملجومة» نسبياً مع استمراء الشاعر للتحليق في فضاءات إيقاعية مفتوحة. ومع أن درويش قد أبدى نفوراً واضحاً من محاولات تعليبه وإلحاقه التعسفي باللافتات الكيانية والشعارات السياسية الفجة، فإن إخلاده إلى الأعماق الأخيرة لمكابدات نفسه قد وفر لشعره سبل التعبير عن مكابدات البشر جميعاً على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم وهوياتهم الشخصية.
ولعل ما يجمعه بالمتنبي، إضافة إلى قوة موهبته ورهافة إحساسه وفرادة لغته وصوره، هو قدرته على اختزال المواقف والهواجس الإنسانية المشتركة بعبارات مكثفة تقترب من الحكم والأمثال السائرة ويرددها الناس أينما وجدوا، من مثل قوله «وطني ليس حقيبة / وأنا لست مسافر»، أو «إنا نحب الورد لكنا نحب الخبز أكثر»، أو «ومن لا برّ له \ لا بحر له»، أو «يدعو لأندلس إن حوصرتْ حلبُ». أما قولته الشهيرة «هزمتك يا موت الفنون جميعها» فبدت أقرب إلى الحدس الشخصي بما ستؤول إليه قصائده ونصوصه الفريدة، التي ستظل لسنوات كثيرة قادمة ترفد بماء الاستعارات صحارى العرب القاحلة وزمنهم المقفر.



المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.


ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.