إسرائيل ترفض التهدئة وتعد للعملية البرية

الجيش يطلب إخلاء المدن الحدودية * ارتفاع الحصيلة إلى 92 قتيلا فلسطينيا

فلسطيني يدقق في أضرار لحقت بمبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية خلفت ثمانية قتلى في مدينة خان يونس بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
فلسطيني يدقق في أضرار لحقت بمبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية خلفت ثمانية قتلى في مدينة خان يونس بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل ترفض التهدئة وتعد للعملية البرية

فلسطيني يدقق في أضرار لحقت بمبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية خلفت ثمانية قتلى في مدينة خان يونس بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)
فلسطيني يدقق في أضرار لحقت بمبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية خلفت ثمانية قتلى في مدينة خان يونس بقطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن وقفا لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس غير وارد في هذه المرحلة، وليس على جدول أعمال حكومته، وإنه سيواصل الهجوم على غزة من أجل ضرب قدرات الحركة الإسلامية هناك.
ونفى نتنياهو خلال اجتماع للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست (البرلمان)، عقد داخل قاعدة «كيرياه» العسكرية في تل أبيب، وجود اتصالات لتثبيت تهدئة بغزة في هذه المرحلة.
وجاء حديث نتنياهو وسط مؤشرات متزايدة على نية إسرائيل اجتياح قطاع غزة بريا.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد تحدث إلى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، ورئيس الوزراء البريطاني ورئيس الوزراء الكندي، ومسؤولين آخرين قائلا لهم إن أي دولة لا يمكن أن تصمت على إطلاق صواريخ على مواطنيها. وقال مكتب نتنياهو: «إن كافة الدول دعمت حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».
وأكد وزير الخارجية الأميركي أن الولايات المتحدة تؤيد تماما حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وتسعى لإنهاء العنف. وقال كيري للصحافيين بعد محادثات بين الصين والولايات المتحدة في بكين إن بلاده على اتصال بالقيادات الإسرائيلية والفلسطينية لبحث سبل وقف إطلاق النار. وأضاف: «هذه لحظة خطيرة» في إسرائيل والأراضي الفلسطينية. وأوضح أن الولايات المتحدة ستبذل كل ما بوسعها لوقف العنف.
وكان كيري اتصل بالرئيس الفلسطيني بعد اتصاله بنتنياهو وأبلغه أن الولايات المتحدة تسعى في أسرع وقت ممكن لاحتواء الأزمة، وطلب عباس منه ضرورة الضغط على إسرائيل لوقف العدوان والالتزام بوقف فوري لإطلاق النار.
وفي غضون ذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس إلى وقف إطلاق النار في غزة بين إسرائيل وحركة حماس في مستهل اجتماع طارئ لمجلس الأمن.
وقال بان: «الأمر ملح أكثر من أي وقت مضى للعمل على التوصل إلى أرضية تفاهم للعودة إلى التهدئة وإلى اتفاق لوقف إطلاق النار»، مؤكدا «دعوته الطرفين إلى أقصى درجات ضبط النفس».
وتابع: «من الواضح أن على المجتمع الدولي تكثيف جهوده لوضع حد فوري لهذا التصعيد والتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم».
وأضاف أن المدنيين في غزة «عالقون بين التصرف غير المسؤول لحماس والرد الإسرائيلي القاسي»، مؤكدا أن «قلق إسرائيل إزاء أمنها مشروع، ولكني قلق من رؤية العديد من الفلسطينيين يموتون أو يصابون جراء العمليات الإسرائيلية».
وتطرق بان إلى «خطر الحرب المفتوحة»، مشيرا إلى أن الطريقة الوحيدة لمنع عملية برية إسرائيلية في غزة هي وقف إطلاق حماس للصواريخ تجاه إسرائيل.
وبحسب الأمين العام فإن «اتفاقا أشمل حول وقف لإطلاق النار يجب أن ينظر في الأسباب غير المنظورة للنزاع»، مشيرا إلى «الوضع الهش المزمن للظروف الإنسانية» في القطاع. وأكد على أن «اتفاق سلام (شامل في الشرق الأوسط) وحده سيكون قادرا على جلب الأمان الدائم للإسرائيليين والفلسطينيين».
ولا يتوقع أن يقدم الجيش الإسرائيلي على تنفيذ عملية برية خلال وقت قريب، وقال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون إن الحرب الجوية على غزة تحقق إنجازات ملموسة وإنها ستتواصل لأيام.
وأَضاف يعالون: «على حماس أن تدرك حجم الثمن الذي ستدفعه مقابل استمرار التصعيد والقصف الصاروخي للأراضي الإسرائيلية».
لكن الناطق باسم الداخلية الفلسطينية في غزة اتهم الجيش الإسرائيلي بالإفلاس واستهداف بيوت المدنيين في دليل واضح على التخبط. وأخذ الجيش الإسرائيلي ضوءا أخضر لاجتياح غزة لكن التوقيت ظل غير محدد وبحسب التطورات.
وفي سياق ذلك، أكدت مصادر إسرائيلية أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابنيت»، وافق على الدخول في عملية برية في غزة خلال أيام إذا اقتضت الضرورة.
وصادق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بيني غانتس، على جميع الخطط الخاصة بتنفيذ عملية برية في قطاع غزة.وقال مسؤول عسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إن كل الخيارات الآن باتت مفتوحة.
وطلب الجيش الإسرائيلي أمس في تطور لافت، من سكان المناطق الحدودية مع غزة، إخلاء منازلهم.
وأرسل الجيش رسائل عبر الهواتف وعبر الإذاعات المحلية التي سيطر على بعضها وطلب من أهالي بيت لاهيا وبيت حانون والخزاعة وعبسان الكبيرة والصغيرة وبني سهيلا وفي منطقة رفح تل السلطان وشابورة والدهينية، مغادرة منازلهم على الفور، لكن أيا من الأهالي لم يغادر منزله.
وتبعد بعض هذه المناطق عن السياج الحدودي كيلومترا واحدا، وتمتد على مسافة أربعة كيلومترات مربعة. ومن غير المعروف ما إذا كانت إسرائيل طلبت من السكان المغادرة كمقدمة لاجتياح بري أو بسبب نيتها ضرب المنطقة مستخدمة سياسة الأرض المحروقة خشية وجود أنفاق قريبة من الحدود. وصعدت إسرائيل أمس من هجماتها على القطاع، وقصفت مناطق واسعة. وقال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ حتى الأمس أكثر من 800 طلعة جوية فوق غزة.
وقتلت إسرائيل حتى ساعات العصر 32 فلسطينيا بينهم ثمانية من عائلة واحدة في خان يونس، وستة هم ثلاثة أشقاء، ليرتفع عدد ضحايا العدوان منذ بدايته إلى 92 فلسطينيا و550 جريحا بينهم 24 طفلا و15 سيدة و12 مسنا، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في غزة.
وذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة «أوتشا» أن الجيش الإسرائيلي دمر حتى يوم أمس أكثر من 150 منزلا كليا أو جزئيا نتيجة للغارات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، وتسبب في نزوح 900 مواطن فلسطيني تجري استضافتهم من قبل أقاربهم.
كما أشار تقرير لـ«أوتشا» إلى نقص حاد في الإمدادات الطبية والوقود الذي تحتاجه المستشفيات لإجراء العمليات الجراحية.
وردت حماس أمس بمعاودة قصف حيفا وهي أبعد نقطة وصلتها الصواريخ حتى الآن على بعد 120 كيلومترا من غزة. وقال الناطق باسم حماس، سامي أبو زهري إن مرحلة دفع الثمن بلا مقابل التي يتبعها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني قد انتهت بلا رجعة.
وأضاف: «اليوم مرحلة الثمن مقابل الثمن»، مشددا على أن «جرائم الاحتلال المستمرة بحق الشعب الفلسطيني لن تمر دون ثمن».
وواصلت الفصائل الفلسطينية أمس ضرب العديد من المدن الإسرائيلية بالصواريخ.
وطالت الصواريخ التي أطلقتها حماس والجهاد وفصائل أخرى، أمس، حيفا والقدس وتل أبيب وأسدود وافوكيم ونيتيفوت وعسقلان وبئر السبع واسدود وكريات ملاخي ومستوطنات أخرى.
وأدت الصواريخ بطريقة غير مباشرة إلى وفاة إسرائيلية في أسدود حاولت الهرب من الصواريخ ففقدت توازنها وارتطمت بالأرض وتوفيت على الفور. وبخلاف ذلك لم تسبب الصواريخ إصابات خطيرة بسبب نظام القبة الحديدية الدفاعي الذي يعترض الصواريخ.
لكن الصواريخ أصابت جنوب إسرائيل بالشلل ودفعت مئات الآلاف إلى الملاجئ في تل أبيب العاصمة التجارية لإسرائيل وفي المدن القريبة من مدينة حيفا الساحلية وفي القدس. وقال مسؤولون إسرائيليون وأميركيون إن نظام القبة الحديدية الإسرائيلي لاعتراض الصواريخ أسقط نحو 90 في المائة من الصواريخ الفلسطينية، خلال تصاعد القتال في غزة هذا الأسبوع في زيادة عن نسبته خلال الحرب القصيرة على القطاع عام 2012. وأشارت تقارير إسرائيلية إلى أن الفصائل في غزة أطلقت أكثر من 320 صاروخا من قطاع غزة، وأن 72 على الأقل جرى اعتراضها، بينما سقطت البقية في مناطق مفتوحة دون أضرار. ولا تطلق القبة الحديدية صواريخها تجاه كل الصواريخ القادمة من غزة وإنما بعيدة المدى والتي تهدد مدنا كبيرة.
وأطلق ناشطون من غزة أمس أربعة صواريخ تجاه مدينة القدس، تم اعتراض اثنين وسقط آخران في منطقتين خاليتين، بحسب ما قال الجيش الإسرائيلي. وقال شهود عيان ومصادر أمنية فلسطينية لوكالة الصحافة الفرنسية إن صاروخا سقط قرب مستوطنة معاليه ادوميم في الضفة الغربية المحتلة، والثاني قرب سجن عوفر العسكري الإسرائيلي قرب رام الله.
وبدوره، قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لوكالة الصحافة الفرنسية إن «أربعة صواريخ أطلقت على القدس. سقط اثنان في مناطق مفتوحة وجرى اعتراض اثنين»، من دون إضافة تفاصيل.
وهذه هي المرة الثانية خلال يومين التي تنطلق فيها صفارات الإنذار في المدينة المقدسة منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة فجر الثلاثاء. وسمع دوي ثلاثة انفجارات في القدس أمس بعد إطلاق صفارات الإنذار، ليتوجه المواطنون بسرعة إلى الملاجئ، وفق مراسلين لوكالة الصحافة الفرنسية. وانطلقت صفارات الإنذار أيضا في مستوطنة معاليه ادوميم، وسمع سكان رام الله دوي انفجار، بحسب شهود ومراسل.
وقال شهود إن أحد الصواريخ سقط في منطقة مفتوحة في ميشور ادوميم، وهي منطقة صناعية إسرائيلية متاخمة لمعاليه ادوميم.
كما أوضحت مصادر أمنية فلسطينية أن الصاروخ الثاني سقط في منطقة مفتوحة قرب سجن عوفر العسكري إلى الغرب من رام الله.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.