حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة

الباحث الفرنسي بورغا يعتمد المنهج المقارن في تفسير الاختلافات بين تجاربها

حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة
TT

حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة

حركات الإسلام السياسي... النص والممارسة

على عكس ما توحي به المقدمة النظرية لكتاب فرنسوا بورغا «فهم الإسلام السياسي» - ترجمة جلال بدلة، دار الساقي، 2018 - فيما صدرت النسخة الفرنسية عام 2016، وعنوانه أيضاً، يحفل الكتاب بكثير من ملاح السيرة الذاتية والفكرية للباحث الفرنسي الذي جال في العالم العربي منذ ستينات القرن الماضي، كطالب ثم باحث ثم مدير لمراكز ثقافية وعلمية فرنسية في المنطقة.
ولا يبخل بورغا على قارئه بتفاصيل عمله، وإقامته في الجزائر وتونس ومصر واليمن، مع لمحات أقل تفصيلاً عن عمله في سوريا ولبنان، حتى ليخال المرء أنه أمام مؤلف في المذكرات عن أوضاع البلدان التي زارها، والمسؤولين العرب الذين التقى بهم. وبعد بضع عشرات الصفحات، تكاد تغيب عن الذاكرة المقدمة الغنية التي يبدو كأن بورغا قد تخلى عن تجهمها، واختار الانصراف إلى سرد لذكريات شبابه ودراسته، وكيف انتقل من التجول في الشرق الأوسط في أثناء إجازاته الصيفية إلى واحد من الباحثين المتفرغين لشؤون الإسلام السياسي، خصوصاً في البلدان العربية، حيث يشير في أكثر من مكان إلى الفوارق بين الإسلام السياسي عند العرب ونظيره عند المسلمين غير العرب.
لكن بورغا سرعان ما يكشف عن خدعته الأدبية، فمن بين سطور الذكريات في الجزائر، على سبيل المثال، تبرز ملاحظات أكثر جدية عن دور الإسلام في البلاد منذ استعمرها الفرنسيون في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وعن آراء المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي في مجتمع بلاده، ومواجهته لأنواع الهيمنة المختلفة التي سعى الفرنسيون إلى فرضها على الجزائر، ما أدى إلى تغييرها تغييراً أعمق بكثير من ذلك الذي تركه الاستعمار على الجارتين القريبتين، تونس والمغرب.
تسفر هذه الطريقة في السرد عن هدف يتجاوز «أدب الرحلات» ليصل إلى شرح، من خلال الأمثلة، للمنهج الذي يعتبره المؤلف الأهم في تفسير ظواهر العالم العربي، ومنها الإسلام السياسي، وهو المنهج المقارن، والتركيز على الاختلافات بين التجارب السياسية للحركات الإسلامية، وظهورها، وردود الفعل على محاولتها نشر رؤاها إلى العالم. فيصر في كثير من الفصول على الأساس السياسي للتوترات التي تطال علاقة العالم العربي بالغرب، وبكون الأساس هذا هو ما يتعين النظر إليه، وليس الاقتصار على محاولة تفسير الحركات الإسلامية من خلال المؤلفات البرنامجية، أو حتى النصوص الدينية الإسلامية، ليميز في هذا المجال بين النص والممارسة السياسية. ويقف بورغا في صف القائلين إن الإسلام السياسي نشأ مع تمدد الاستعمار الغربي إلى المنطقة العربية، وليس مع نشوء حركة «الإخوان المسلمين» في مصر، وهذا ما يمثل عنصراً إضافياً في التميز عن الإسلام السياسي في إيران أو أفغانستان، حيث كان الأثر الاستعماري أضعف مما شهدته المجتمعات العربية.
أفضى الأثر هذا إلى وسم ردود الفعل العربية بقدر من الانفعال الذي يسهل انقلابه عنفاً مؤسساً للراديكالية الإسلامية. لم يكن العنف والانفعال مجانيين، على ما يرغب عدد من الباحثين الغربيين في القول، بل رمياً إلى إنهاء الهيمنة الرمزية الأوروبية، ثم الأميركية، على المسلمين الذين بدورهم سعوا إلى صوغ لغة جديدة يرون أنها تتلاءم مع تاريخهم وثقافتهم. هو صراع على المصطلح، على ما يقول المؤلف، لكن المصطلح الإسلامي ذاته وجد من يستخدمه استخدامات متباينة. فخطاب «خليفة» تنظيم داعش، أبي بكر البغدادي، وخطاب زعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، قد يتألفان من المصطلحات ذاتها، بيد أن لكل من الخطابين سياقه السياسي الذي يجعله شديد الاختلاف عن الآخر. يترك تباين السياقين، المرتبط بتباين الموقع السياسي لكل من «داعش» و«النهضة»، ارتباكاً عند الدارسين الغربيين للإسلام السياسي. فعند هؤلاء، لا بد للخطاب والمصطلح الواحد أن يعنيا الشيء ذاته في كل مكان. بذلك، جرى تعميم النظرة إلى الحركات الإسلامية كمنتج واحد لخطاب واحد من دون إبداء الاهتمام الكافي بالخلفيات السياسية لكل واحدة من هذه الحركات.
عليه، لا يكون العنف ناتجاً عن الإسلام، بل عن التاريخ الحديث للمسلمين، الذي يحدد أكثر من الآيات القرآنية والكتب الدينية طبيعة الصراعات التي تخوضها الحركات الإسلامية. ويقدم بورغا ما جرى بعد فوز حركة حماس الفلسطينية في الانتخابات التشريعية سنة 2006، إذ فازت «حماس» فوزاً واضحاً، ما أغضب إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة وحركة فتح، على الرغم من أن هذه الأخيرة كانت قد تعرضت لمحنة مشابهة، عندما أرغم رئيسها ياسر عرفات على الإتيان بفريق اختاره الآخرون إلى القيادة، بعد اتهامات بفساد عرفات وعدم كفاءته. ويعيد بورغا إلى الذاكرة أيضاً انتخابات الجزائر في 1991، وكيف وقف الغرب إلى جانب المجلس العسكري ضد «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الفائزة. وفي ذلك، يظهر الرياء الأوروبي والغربي في أجلى صوره، حيث إنه يصر على العلمانية والديمقراطية، لكن إذا جاءت نتيجة الاقتراع على غير ما يتلاءم مع تصوراته المسبقة عن شكل الحكم الذي يجب أن يحكم هذه البلاد، لا يشعر بأدنى خجل من دعم الديكتاتوريات العسكرية، أو العناصر الأشد فساداً.
أما في سوريا، فقد امتنع العالم عن الرد على قصف النظام لمواطنيه بالأسلحة الكيماوية في 2013، ما شجعه على التصعيد والتمادي في العنف، وعزز مقولات جماعات مثل «داعش» و«النصرة» عن عدم المساومة، لكن هذه تخلت عن فكرة إسقاط النظام بطرحها مشروع يوتوبيا عالمياً، يتجاوز سوريا والحكم فيها.
وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تشريح علاقة المسلمين الفرنسيين بدولتهم، وبنظامها العلماني الذي يحصر فكرة الاندماج بتخلي المسلم عن إسلامه، كحاجز أمام اقتحام ثقافة الآخر للفضاء العام «الوطني»، وكرفض لتكدير عيش الأوروبيين من خلال تذكيرهم تذكيراً ملحاً بنهاية الحلم الإمبريالي، وبنهاية احتكار إنتاج الغرب للقيم الكونية. ويطرح الكتاب الغربيون، في هذا السياق، دعوات إلى الإصلاح الديني على نحو يجعل الإسلام يخضع للنمطية، ويقربه من صورة الغربيين، يضاف إلى ذلك أن الإشكالات التي تنشأ في الغرب، المتعلقة بالإصلاح الديني، تسهم على نحو مؤذٍ في إعطاء مظهر ثقافي لمشكلات هي في أساسها سياسية. وينتقد بورغا الانحياز الغربي إلى مسيحيي الشرق، وزرع أوهام التميز عندهم، ملاحظاً أن عدداً لا بأس به منهم كان يمكن أن يتموضع إلى جانب أكثر التيارات اليمينية المتطرفة في فرنسا، في حال انتقاله للإقامة هناك. ويخلص إلى القول إن الدفاع عن مسيحيي الشرق يتغذى في الأصل من العداء إزاء الحضور المسلم في الغرب.
وقد يكون تناول الكتاب لموقف الغرب من القضايا النسوية في العالم العربي من بين الفصول الأدق في وصف الانفصام الغربي عند تعامله مع شؤون المسلمين والعرب. وإذ يقدم بورغا تفصيلاً لسبب الاهتمام بـ«تحرير نساء الآخر»، كنوع من استمرار السياسة الانتقائية، وكغطاء لاستخدام القضية النسوية من قبل الأنظمة الاستبدادية في صراعها السياسي مع مجتمعاتها، يرى أن تأييد أي قضية يصدر أولاً من أجل توكيد الذات، فيما يصعب تأييد أي قضية لا تساهم في هذا التوكيد. فنحن نؤيد ما يشبهنا، وما نرى أنه يعزز شعورنا بالإخلاص لقيمنا. فالمرأة المسلمة تحتاج إلى تأييدنا لأننا نؤيد الضعفاء والمهمشين في وجه الأقوياء والظالمين.
هذه الممارسة التي استطالت لتشمل رفض كل مظهر لا تستطيع جماعات السياسيين ومثقفي المسار العريض في الغرب تنميطه وإدراجه في ثنائيات تبسيطية، عثرت على كثير من المؤيدين المحليين من اليساريين والأقليات، بحيث بات أسهل عليهم اللجوء إلى أحضان الثورة المضادة من القبول بحكم الأكثريات في بلدانهم.
وفي الفصول الأخيرة، يستعرض الكاتب السجال بين الباحثين الفرنسيين الشهيرين في الشؤون الإسلامية جيل كيبيل وأوليفيه روا، الذي تكثف بعد هجمات «داعش» في فرنسا في يناير (كانون الثاني)، ثم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، حيث يرفض وجهتي نظر الرجلين. فتغليب كيبيل للعامل الثقافي، وتحميل الإسلام ككل مسؤولية الإرهاب، يخفي الجانب السياسي من الموضوع، فالغرب لم يتوقف يوماً عن أن يكون جزءاً من النزاعات المحلية، مؤيداً الطرف المفيد لمصالحه، وإن عليه أن يعي هذه المسألة قبل لوم الثقافة الإسلامية، في حين أن تناول روا للقضية من منظور اجتماعي ونفسي، وإن كان أقرب إلى الواقع من التناول الثقافي لكيبيل، يطرح أسئلة عدة عن الخلفيات الاجتماعية والنفسية لكثير من الصراعات في العالم، وعن السبب الذي يضع الإرهابيين على طاولة التشريح الاجتماعي والنفسي، ويعفي خصومهم من الخضوع للعملية ذاتها.
ولعل الخاتمة الأنسب تكون مع تذكير بورغا بأن الإسلام السياسي في نهاية المطاف هو سيرورة تملك ثقافي للحداثة، وأن الإسلام هو ما تريد غالبية المسلمين اليوم له أن يكون.

* كاتب لبناني



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.