اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني

اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني
TT

اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني

اليمن ومدنه الجريحة في عمل روائي يمني

تصدر بعد أيام رواية جديدة للأديب اليمني حبيب عبد الرب سروري تحمل عنوان «وحي». وهي تقصّ حكاية رسالة غامضة باسم مستعار تصل إلى غسان العثماني، بينما هو في طريقه إلى سورينتو لقضاء إجازته مع زوجته شهد. تثير الرسالة لديه الكثير من المخاوف والتساؤلات عبر علاقة شائكة يسرد الراوي لمخاطبه المجهول الأوضاع التي آل إليها اليمن ومدنه الجريحة، باحثاً عن أسباب هذا الخراب وجذوره في الفلسفة والتاريخ.
هنا جزء من الفصل الرابع:
في قرية ولادتي في الحواشب جامعٌ أبيض صغير، بجواره قبر ولي صالح، ينحدر بيولوجيّاً مباشرة (كما يقولون) من النبي محمد، ومن جهة البطنين معاً: الحسن والحسين.
ترعرع في هذا المسجد معظم شباب قرية ولادتي، تعلّموا فيه، وحفروا جذور ومداميك رؤيتهم للحياة ونظرتهم إلى العالَم.
هو منبع مياههم الارتوازية السفلى، ومحيط طبقاتهم الجيولوجية الأعمق.
إمام المسجد كهلٌ فخم الصوت، قوي الشخصية، مفتول الجسد. يخشاه الجميع. له بنتان وأولاد ثلاثة، أحدهم بعمري، أكبرهم يزيد عني بسنة، وأصغرهم ينقصني بسنة.
أكبرهم وأوسطهم صديقان حميمان لي، وأصغرهم صديقٌ لدودٌ لي وعدوٌّ حميم في الوقت نفسه.
في منتصف الستينات من القرن الماضي، كنت أراود العاشرة من العمر. وكانت قريتنا، طور الرعد، وكل منطقة الحواشب، تنتظر وصول ولي الله الصالح: الشيخ نور الدين القدَسي الهاشمي، ذي المقام الذي لا مقام بمقامه، لأنه «الوحيد في هذا العالَم، الذي يتكلم اللغة السريانية، لغة الملائكة»، كما علَّمنا إمام جامع العيدروس.
لهذه الكلمة السحرية الغريبة، «السريانية»، ترانيم موسيقية سرَتْ وتراقصَتْ في عروقي.
كفاني سماعها، وتعريفها بأنها لغة الملائكة (لم تكن موسوعة «الويكيبيديا» موجودة آنذاك، لأُدركَ أن معناها الحقيقي لا علاقة له بذلك)، لخلعِ أي شك في أن هناك ملائكة تملأ السماء فعلاً، لهم لغةٌ محدّدة خاصة كم أتمنى الإصغاء إليها.
ناهيك بأن ثمّة إنساناً وحيداً أوحد يتكلمها، سيترك قمم جبال قَدَس، شمالي اليمن، ليأتي إلى قريتنا في جنوب اليمن، وليزور ولي الله الشيخ عثمان العيدروس الذي لا يمرّ يوم دون أن نعبر قرب ضريحه المطلي بالنورة البيضاء، والملتصق من الخلف بجامعنا الأبيض الصغير.
(لو لم يقل الرسول محمد إنه آخر الأنبياء، ويقطع الطريق على الجميع، لتمّ اعتبار الشيخ نور الدين نبيّاً بالتأكيد، لأنه يرطن مع الملائكة بلغتهم مباشرة، ولا يحتاج، هو، أن يتحدّث جبريلُ معه بالعربية أو بالعبرية، كغيره ممن تناطقوا مع جبريل، في قديم الزمان وسالف الأوان!): بديهيّةٌ لم نحتج، نحن أطفال وشباب قرية طور الرعد، أن يُفصِح لنا بها أو يبرهنها أحد.
ولذلك كنّا جميعاً، أطفالا وشيوخاً، ننتظر قدوم مولانا الشيخ القدَسي بِلَوعَةٍ ورجفات، منذ أشهر قبل وصوله.
كنت خارج القرية مع قريب لي، يوم أطلّ مولانا عليه السلام. حالما سمعنا بخبر وصوله، هرعنا عائدَين معاً نحو القرية. فوجئنا بالجموع الغفيرة التي تحيط بجامع العيدروس من كل مكان حاملةً كل ما لديها من هدايا ومأكولات لوَلي الله الأكبر ومرافقيه...
كان محالاً رؤية الشيخ نور الدين مستلقياً على أرضية المحراب، على بُعد مترين منه، صفّان من ثلاثين رجُلاً رافقوه من جبال قدَس بثلاث سيّارات، يحرسونه ويحملونه مضطجعاً على قاعدة سرير خشبي كأنه جثّة، يدخلونه السيّارة ويخرجونه منها محمولاً على أكتافهم. لعلّه لا يستطيع المشي، كما أظن.
يبدو على رفقة الشيخ الارتياحُ من كرم الهدايا التي وصلت، وتقاسموها مع إمام المسجد، كما أظن.
بعد وجبةٍ مُثخنةٍ باللحوم، خدودُهم المتورمة بِكُراتِ القات تنتفخ بإفراط، تلمع وتتلألأ في هذا العصر الغائم اللطيف. سطْلَتُهم وسعادتُهم من بحبوحة الضيافة جَليّتانِ للعين المجردة.
هذا الصباح، أمطرت السماء التي طالما انتظرتْ قريتُنا مددَها أيضاً. أليس ذاك دليلاً آخر على معجزات الشيخ نور الدين الذي قضّيتُ أشهراً أتمنّى، بصبر فارغ وبشوقٍ ملتهب، رؤيته وسماعه يرطنُ السريانية مع الملائكة؟
كان مستحيلاً أن أشقّ طريقي وسط الجموع لأقترب من إمام جامعنا وابنه الأصغر عبد القهّار، اللذَين يلعبان دور الجسر بين ولي الله الصالح الأكبر (المحاط بسياج منيع من صفّين من الحرسِ المسطولِين بدوخة القات، وبنعمة موائد اللحم التي «تتقرقر» في البطون)، وبين جموعِ الزوار الخاشعين الآتين من كل قريتنا ونحوها في الحواشب، للتقرّبِ من الشيخ، ولمسهِ ولو بأطراف الأصابع، هو الذي رافقت طلوعَ بدرِهِ علينا تحياتٌ مباركاتٌ طيبات من السماء: ثلاثة أيام من مطرٍ لم ينقطع، زاد تفاني الناس في حبِّ مولانا وتقديسه (وإن كنّا حينذاك على حافة موسم الأمطار).
وكان من المحال أيضاً أن أطلب من معروف في الجامع أن يتوسّط لي عند عبد القهّار، الابن المدلّلِ لأبيه، ويرجو منه أن يفتح لي طريقاً للاقتراب من المحراب، لرؤية الشيخ ولو بلمحة عين فقط: عبد القهّار لا يطيقني من قريب أو بعيد، وإن كان لا يكرهني بحق بالضرورة.
وكنتُ لا أطيقه كثيراً أيضاً.
لأنه كان، على الأقل، مُخبِر أبيه، يقدِّم إليه التقارير اليومية حول كل صغيرةٍ وكبيرة، ولا سيما حول حركات وسكنات أخوتِه.
وما كنتُ لأتوسّله هذه المساعدة، لأن لي (ماءً دافقاً في الوجه)، وليس بيننا، الاثنين، غير تنافرٍ صامتٍ عتيد.
أخوه الأكبر عبد الله ليس هنا لأطلبه مساعدتي للاقتراب من المحراب داخل الجامع، كان في عدَن لقضاء أمورٍ كثيرة لِوالده.
أما أخوه الأوسط، عبد الباري، فكان غريب الأطوار، في علاقة غير سهلة أو سعيدة مع أبيه. لعلّه كان وسط الحشود يتأمل المشهد، لكن لا حول له ولا قوّة، ولن ينفعني قيد أنملة في الاقتراب من المحراب.
ثمّ تذكّرتُ أن للمحراب باباً خشبياً صغيراً جداً، يؤدي إلى خارج الجامع. مغلقٌ بقفل صدئ لم ينفتح منذ عرفتُ نفسي. وبقرب القفل ثقبٌ صغير، حفَرَه بمسمار صلب، ذات يوم، صديقٌ مشاكسٌ لم يعد يعيش في قريتنا. يسمح الثقب، من خارج الجامع، برؤية ما تيسّر من المحراب.
حفَرَهُ لـ(مراقبة أشياء خطيرة تحْدثُ في كواليس المحراب)، كما قال صديقنا المشاكس يوماً.
لعلّي لم أصوِّب نظري من ذلك الثقب، نحو مركز المحراب، منذ سنين. ولا أظن أن أحداً رأى ذلك الثقب، أو خطر بباله التلصص عبره على محراب جامعنا المتواضع، عدا صديقنا المغوار الذي لم يعد في طور الرعد.
بعد أن فقدتُ الأمل بالاقتراب من الشيخ نور الدين، وتفحُّصِ قسماته والتبرك بالنظر إليه، واستنشاقه والإصغاء إليه وهو يتحدّث بلغة الملائكة، أو حتّى رؤيته عن بعد، تركتُ مدخل الجامع.
درتُ خارجه نحو الباب الخلفي الملتصق بالمحراب، لأقرفص أمامه، لأضع عيني على الثقب، وأرى ما أستطيع إليه سبيلاً.
حدثَ شيءٌ فظيع وأنا أشاهد بأمّ عيني ما يدور أمامي، سيكون له أثر حاسمٌ فيّ، حتى لا أقول: (سيغيّر اتجاه بوصلة حياتي).
الرجل المضطجع على أرض المحراب لم يُثِر في ناظري أدنى انطباعِ تعظيمٍ أو إعجاب، اللهم إلا قليلاً من الشفقة والتعاطف، بعد ثوانٍ قليلة من التمعّن فيه.
لم أره كاملاً في الحقيقة، جزءٌ جانبي من وجهه، لا غير. بدا الشيخ منه بسيطاً جداً، نحيفاً رثّ الثياب، أشيب اللحية، شبهَ مريض، لا يتمتم بين حين وحين إلا سلسلةً من أحرف العلّة (أهذه لغة الملائكة؟) بين نفسهِ ونفسه.
عيناه زائغتان، لا يبدو غير بياض إحداهما وهو يتماوج على نحو مقلق.
رثيتُه، لا أكثر ولا أقل.
ما أثارني فعلاً هو ما يفعله إمام الجامع وسفينته الفضائية عبد القهّار: يقترب الإمام ومعه ابنه، من وجه الشيخ، يهمس له بتمتمات لا أظن أن لها دلالة ما، ثم يتظاهر بالإصغاء لما يقوله الشيخ (لا يقول هذا شيئاً، وأنا أراقب ذلك المشهد المسرحي من خلف الثقب، على بعد متر وقليل فقط).
ثم يتوجه الإمام نحو الحشد وهو ينقل لهم بصوت خاشع ما قاله حضرتُه (أو ما لم يقله قط، على الأحرى): أدعيةٌ تقليدية، أبياتُ شعر مكسّرة ركيكة، ذات خللٍ إيقاعي خطير، من تأليف إمام المسجد نفسه، الذي لم يستوعب بعدُ قوانين أوزانِ الشعر ونظام تركيب القوافي».



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended