تركيا تنهي «الطوارئ»... وأوروبا قلقة من إعادتها عبر «أبواب خلفية»

حبس متهم جديد في قضية اغتيال السفير الروسي

جندي تركي يقف خارج محكمة وسجن ألياغا خلال محاكمة القس برانسون أول من أمس (أ.ف.ب)
جندي تركي يقف خارج محكمة وسجن ألياغا خلال محاكمة القس برانسون أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

تركيا تنهي «الطوارئ»... وأوروبا قلقة من إعادتها عبر «أبواب خلفية»

جندي تركي يقف خارج محكمة وسجن ألياغا خلال محاكمة القس برانسون أول من أمس (أ.ف.ب)
جندي تركي يقف خارج محكمة وسجن ألياغا خلال محاكمة القس برانسون أول من أمس (أ.ف.ب)

أنهت تركيا العمل بحالة الطوارئ، فجر أمس، بعد عامين من فرضها على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016، ونسبتها الحكومة إلى حركة الخدمة التابعة للداعية فتح الله غولن المقيم في أميركا منذ عام 1999.
وأعلن الرئيس التركي حالة الطوارئ في 20 يوليو 2016، ووافق البرلمان على مذكرة بشأنها قدمتها الحكومة في اليوم التالي، ثم تم تمديدها 7 مرات، منذ ذلك الحين.
وبموجب الدستور، فإنه في حال عدم تقديم أي مذكرات للبرلمان من أجل إعادة تمديد حالة الطوارئ، حتى تاريخ انتهاء العمل بها، فإنها ترفع من تلقاء نفسها، وهذا هو ما حدث هذه المرة.
وتعرضت تركيا لانتقادات واسعة من المعارضة ومن حلفائها في الغرب بعد أن توسعت السلطات في الحملات الأمنية التي استهدفت من قالت إنهم على صلة بحركة غولن، لكن المنظمات الحقوقية الدولية رصدت توسع الحملة لتنال معارضي إردوغان إلى أن وصل عدد من ألقي القبض عليهم إلى نحو 170 ألفاً، مع فصل عدد مماثل من وظائفهم في مختلف قطاعات الدولة من هذه الحملة التي قالت الحكومة إنها كانت ضرورية من أجل القضاء على التهديدات، وتطهير المؤسسات المختلفة وفي مقدمتها الجيش والشرطة والقضاء والتعليم والإعلام من أنصار غولن المتغلغلين فيها.
ويمكن لإردوغان، بحسب النظام الرئاسي الجديد أن يعيد فرض حالة الطوارئ إذا كانت هناك حاجة لإعادتها، أو في حال وجود مؤشرات خطيرة قد تتداخل مع البيئة الديمقراطية أو الحقوق والحريات الدستورية الأساسية للمواطنين.
وقبل يومين من إنهاء حالة الطوارئ، قدم حزب العدالة والتنمية (الحاكم) في تركيا، بدعم من حزب «الحركة القومية»، شريكه في «تحالف الشعب»، مشروع قانون إلى البرلمان التركي يتضمن استحداث قواعد أمنية لضمان استمرار «الكفاح ضد الإرهاب» بعد رفع حالة الطوارئ يتضمن 28 مادة، بعضها موجود في قانون الطوارئ، ويسمح للسلطات المحلية (الولاة) بتقييد تنقلات الأفراد الذين يشكلون خطراً على الأمن العام، أو تمديد فترة توقيف المشتبه بهم حتى 15 يوماً، ومنع الدخول إلى بعض المناطق ومنع نقل الأسلحة والذخيرة.
ويتوخى مشروع القانون إبقاء بعض التدابير في قانون الطوارئ لمدة تصل إلى 3 سنوات أخرى. وبموجبه سيتم إضافة مادة مؤقتة لقانون مكافحة الإرهاب تتعلق بفترات الاحتجاز على الجرائم المرتكبة ضد سلامة الدولة والجريمة المنظمة والجرائم الإرهابية بشكل مختلف خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وبحسب المقتَرَح، يمكن احتجاز المشتبه به من دون تهمة لمدة 48 ساعة أو حتى 4 أيام في حالة المخالفات الجماعية. ويمكن تمديد هذه الفترة مرتين كحد أقصى، أو حتى 12 يوماً، إذا كانت هناك صعوبة في جمع الأدلة، أو إذا اعتبرت القضية ضخمة، بشكل خاص.
كما يقضي مشروع القانون بفصل عناصر القوات المسلحة والشرطة وقوات الدرك والموظفين العموميين والعاملين في مؤسسات الدولة إذا ثبت ارتباطهم، لمدة 3 سنوات، بالمنظمات أو الجماعات الإرهابية التي حددها مجلس الأمن القومي، أو حال قيامهم بتنفيذ إجراءات ضد الأمن القومي للدولة، ولا يسمح بتوظيفهم مرة أخرى في الخدمة العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، وإذا قررت المحكمة إعادتهم إلى العمل فسيتم تجميعهم وإلزامهم بالتوقيع في «مراكز بحث» تابعة لوزارة الدفاع ووزارة الداخلية.
واستقبلت أوروبا رفع تركيا حالة الطوارئ بحذر، واعتبر الاتحاد الأوروبي أن رفع تركيا حالة الطوارئ «خطوة غير كافية» بسبب الصلاحيات الاستثنائية المسندة إلى السلطات، والإبقاء على العديد من الإجراءات التي تضيِّق على الحريات.
وقالت المتحدثة باسم وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، في بيان أمس: «نعتقد أن تبني مقترحات تشريعية جديدة يمنح السلطات صلاحيات استثنائية والإبقاء على العديد من قيود حالة الطوارئ، من شأنه ضرب كل أثر إيجابي لرفع حالة الطوارئ»، في إشارة إلى مشروع قانون مكافحة الإرهاب المقدم إلى البرلمان.
ورحَّب مجلس أوروبا، بإنهاء حالة الطوارئ. وقال دانيال هولتجن، المتحدث باسم الأمين العام لمجلس أوروبا: «نشعر بالارتياح من عدم تمديد حالة الطوارئ لفترة إضافية وإنهاء العمل بها»، لافتاً إلى أن مجلس أوروبا دعا بشكل مستمرّ إلى إنهاء حالة الطوارئ في تركيا.
وأشار إلى أن مجلس أوروبا، على علم بمشاريع القوانين التي تم إعدادها في إطار مكافحة الإرهاب بتركيا، ويؤكد ضرورة أن تكون القوانين في هذا الإطار ملائمة لاتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية.
من جانبه، اعتبر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إنهاء حالة الطوارئ في تركيا «إشارة مهمة»، إلا أنه «حذَّر في الوقت ذاته من حدوث تمديد لها عبر الأبواب الخلفية». ولفت إلى أن التعديلات الدستورية بشأن النظام الرئاسي تمنح الحكومة التركية سلطات كبيرة، والأمر الحاسم الآن هو أن تستخدم الحكومة هذه الصلاحيات بطريقة مسؤولة.
من جانبه، قال نائب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق: «إننا ندرس الأمر، ونعتقد أنه أمر طيب أن نرى الظروف مواتية لصون الحقوق الأساسية في البلاد».
في سياق قريب، طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره التركي رجب طيب إردوغان بالعمل من أجل إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برونسون، المعتقل في تركيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016 بتهمة القيام بأنشطة إرهابية.
وكتب الرئيس الأميركي على «تويتر»: «من العار تماماً ألا تُفرج تركيا عن قس أميركي محترم هو أندرو برونسون. لقد تم اعتقاله فترة طويلة... على إردوغان أن يفعل شيئاً لتحرير هذا الزوج والأب المسيحي الرائع». وأمرت محكمة في مدينة إزمير (غرب تركيا)، أول من أمس، بتمديد احتجاز القس برونسون رغم ضغوط السلطات الأميركية للإفراج عنه. وتتسبب قضية القس الذي كان يدير كنيسة بروتستانتية في إزمير في توتر بالعلاقات بين واشنطن وأنقرة. وكانت هذه ثالث مرة يتم فيها رفض الإفراج عنه، إذ رفضت المحكمة في جلسات استماع في 16 أبريل (نيسان) و7 مايو (أيار) الماضيين طلبات دفاع القس بالإفراج عنه. وأُرجئت المحاكمة إلى 12 أكتوبر المقبل. ووجهت إلى برونسون اتهامات بالقيام بنشاطات مؤيدة لحركة غولن المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب والعمال الكردستاني (المحظور)، وهي تهم يمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن 35 عاماً «حال إدانته». في السياق ذاته، قال جاي سيكولو، المحامي الشخصي للرئيس دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة ستتخذ «إجراء وشيكاً» ردّاً على قرار المحكمة التركية بتمديد حبس القس برونسون، لكنه لم يحدد طبيعة هذا الإجراء.
وأضاف سيكولو في برنامج إذاعي أن لديه معلومات قليلة بشأن الجهود الدبلوماسية، لكنه على علم بالإشارات المتعددة التي تلقتها الحكومة الأميركية والحكومة التركية فيما يتعلق ببعض الإجراءات الوشيكة، وأن الرئيس ونائبه ووزير الخارجية على اطلاع تام على هذه القضية. ويتولّى المركز الأميركي للقانون والعدالة الذي يرأسه سيكولو مهمة الدفاع عن القس الأميركي. وأجرى وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، اتصالاً هاتفياً مع نظيره الأميركي، مايك بومبيو، مساء أول من أمس، عقب جلسة المحكمة، لم يتم الكشف عن فحواها.
من ناحية أخرى، قضت محكمة تركية أمس بحبس صحافية تعمل لدى صحيفة «جمهوريت» (يسارية معارضة) لمدة أكثر من عامين بتهمة جعل ممثل الادعاء العام هدفاً محتملاً للجماعات المتشددة من خلال تغطيتها.
وتعود القضية إلى مقال كتبته جنان جوشكون، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عن استجواب ممثلي الادعاء لمحامين محتجزين يدافعون عن معلمين مضربين عن الطعام، تردد أنهما على صلة بمنظمة حزب التحرير الشعبي الثوري اليسارية التي أعلنتها تركيا منظمة إرهابية.
إلى ذلك، قرر القضاء التركي أمس حبس شرطي سابق في إطار التحقيقات في حادث اغتيال السفير الروسي السابق في أنقرة أندريه كارلوف، الذي وقع في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016. وتقرر حبس الشرطي السابق «ه. ت.» على ذمة القضية، بتهمة «الانتماء إلى تنظيم إرهابي»، بعد النظر في إفادته أمام النيابة العامة المعنية بالتحقيقات. ورفض الشرطي الاتهامات الموجهة ضده. وسبق أن أصدر القضاء التركي قراراً بسجن 7 أشخاص، في إطار التحقيقات ذاتها، بينهم 3 أفراد من الشرطة، ومنظم معرض للصور في أنقرة كان يفتتحه كارلوف، عندما اغتيل على يد الشرطي مولود مارت ألطنتاش، الذي قُتِل بعد ذلك في اشتباكات مع الشرطة.



تقرير: إيران تسلّم واشنطن رداً جديداً على مسودة اتفاق لإنهاء الحرب

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إيران تسلّم واشنطن رداً جديداً على مسودة اتفاق لإنهاء الحرب

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، الجمعة، بأن إيران سلّمت ردّها على أحدث التعديلات الأميركية على مسودة خطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وأرسل مبعوث ترمب ستيف ويتكوف، الاثنين الماضي، قائمة تعديلات ركّزت على إعادة إدراج الملف النووي ضمن مسودة النص، وفقاً لمصدر مطّلع.

وقال المصدر للموقع إن أحد التعديلات تضمّن مطالبة إيران بالتعهد بعدم محاولة نقل أي يورانيوم مخصّب خارج منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف، أو استئناف أي نشاط في تلك المواقع، ما دامت المفاوضات مستمرة.

وبحسب الموقع، فإن الرد الإيراني يشير إلى أن المسار الدبلوماسي لم يتجمّد بالكامل، في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض حصار بحري أميركي ويدرس خيارات عسكرية جديدة ضد إيران.

كما أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن الرد سُلّم إلى الولايات المتحدة، الخميس، عبر وسطاء باكستانيين.

وكانت إيران قدّمت للولايات المتحدة، نهاية الأسبوع الماضي، مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، على أن تؤجَّل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.

وقال ترمب للصحافيين، الخميس: «لا أحد يعرف ما هي هذه المحادثات سوى أنا وعدد قليل من الأشخاص. هم يريدون بشدة التوصل إلى اتفاق. لدينا مشكلة لأن لا أحد يعرف على وجه اليقين من هم القادة. هذه مشكلة إلى حدّ ما».

في المقابل، يقول الإيرانيون إن ترمب هو الطرف الساعي بشدة إلى التوصل لاتفاق.

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران؛ إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.