«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»

حراك «الجماعة» توقف... وأذرعها المُسلحة تآكلت... ومصادر دعمها جُففت

«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»
TT

«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»

«إخوان مصر» بلا أنياب بعد 5 سنوات «خلف القضبان»

أين جماعة «الإخوان» الآن بعد 5 سنوات من إطاحتها من السلطة في مصر؟ وماذا تفعل قياداتها الهاربة والباقية خارج السجون؟ ماذا عن حراكهم السياسي في الشارع؟
أسئلة وجهناها إلى متابعين متخصصين في شؤون الحركات الإسلامية في مصر بمناسبة الذكرى الخامسة لـ«ثورة 30 يونيو (حزيران)»، التي أطاحت بحكم جماعة «الإخوان» المُصنفة اليوم تنظيماً إرهابياً في مصر. والتقت الإجابات على اعتبار أن «الجماعة باتت بلا أنياب» وعلى أن «بنيتها التكوينية تنهار». ومن جهة ثانية، قال أحد الخبراء الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، إن «جهود الجماعة الآن ترتكز على رعاية السجناء وأسرهم ومحاولة إشاعة حالة من اليأس لدى المصريين».

أعلنت الحكومة المصرية جماعة «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2013، ومن ثم لم يعد لها مقر للقيادة، وصارت جميع مقراتها تخضع للحكومة. كذلك قضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة خلال العام نفسه بحظر جميع أنشطة «الإخوان»، وأي مؤسسة متفرعة عنها أو تابعة لها، أو تتلقى منها دعماً مالياً.
من جهة أخرى، تقبع غالبية قيادات «الإخوان» راهناً داخل السجون، بينهم الرئيس المعزول محمد مرسي، والمرشد العام محمد بديع، ونائباه خيرت الشاطر ورشاد البيومي، والقياديان البارزان محمد البلتاجي وعصام العريان، والآلاف من الأعضاء. بيد أن الجماعة، تسعى بعد 5 سنوات «خلف القضبان» للتماسك والعودة إلى المشهد السياسي عبر «مُبادرات صلح» مثيرة للجدل، كما تهدف إلى لم شتاتها، عقب إزاحتها من السلطة، إثر مظاهرات حاشدة ضد حكم مرسي. أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لم يؤثر حدث في الإخوان كما أثرت ثورة 30 يونيو التي خلعتهم من الحكم، وكان من ضمن هذا الخروج تشظي الجماعة، ولم تقف الأحداث عند هذا الحد؛ بل تجاوز الخلاف حول جملة المقولات التأسيسية للجماعة، لتغيير شكل الجماعة التي كنا نعرفها قبل 30 يونيو عام 2013 ومع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011».
وتابع بان شرحه: «هناك انهيار في البنية التكوينية للجماعة. إذ إنها تشظت إلى 3 مجموعات؛ الأولى مجموعة ما زالت تحلم باستعادة شكل الجماعة القديم، كجماعة شاملة تعمل في الدعوة والسياسة والتجارة، وتناوش من وقت لآخر للوصول إلى الحكم كلما سمحت الظروف بذلك. ومجموعة ثانية راهنت على فكرة العنف واقتربت من تنظيمات متطرفة مثل (داعش) لتنفيذ ذلك، وظهر هذا بقوة مع مجموعة القيادي الإخواني محمد كمال (مؤسس الجناح المسلح للجماعة ولجانها النوعية. ولقد قتل كمال في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016)، وتعد حركة حسم أحد إفرازات العنف. فضلاً عن مجموعة ثالثة لا ترى خيراً في المجموعتين السابقتين، وترى أن الجماعة يجب أن تُحل».
ما يستحق الإشارة أنه عقب وصول الجماعة إلى الحكم وخروجها منه، كانت هناك أجنحة لم تقبل هذا الخروج، وبالتالي، ظهرت مجموعة «العمليات النوعية» بقيادة محمد كمال، وظهرت أيضاً في ذلك الحين «حسم». وسبق أن رفع شعار «حسم» مجموعات تابعة للجان نوعية تشكلت من شباب الجماعة بعد فض اعتصامين لأنصار الجماعة في ميداني «رابعة العدوية» بضاحية مدينة نصر شرق القاهرة، و«النهضة» في الجيزة بغرب القاهرة خلال أغسطس (آب) عام 2013.
ولفت بان، إلى أن «جهود الجماعة الآن تركز على رعاية السجناء وأسرهم، ومحاولة إشاعة حالة من اليأس لدى المصريين، واللعب على ورقة الأسعار والرهان عليها، فـ(الإخوان) الآن في دائرتي الانتظار و(الكمون) لانطلاقة جديدة».

- جبهتا كمال وعزت
من جانبه، قال صلاح الدين حسن، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إنه في الوقت الراهن فإن وضع الجماعة «غير معروف للباحثين والمتابعين لشأنها الهيكلي التنظيمي الحالي، وغير معروف من هو مرشد الجماعة أو القائم بأعمالها، وغير معروف مجلس الشورى الجديد لها، وذلك لأن غالبية مجلس الشورى القديم في السجون». وتابع: «بطبيعة العقل التنظيمي للجماعة تحاول كل فترة تكوين مكاتب إدارية في محافظات مصر أو مكتب تنفيذي يحل محل مكتب الإرشاد، لكن الأمن وجه ضربات لهذه الهياكل الجديدة، فالجماعة في حالة (هرجلة تنظيمية) داخل مصر، وتعرّضت بعد 30 يونيو وظهور التنظيمات المسلحة إلى حالة من الانشطار. هناك مَن كان يؤيد فكرة العنف مثل محمد كمال، وهناك جبهة محمود عزت، نائب المرشد (هارب) التي كانت على خلاف كبير مع جبهة كمال، واتهمته بأنه يحاول السيطرة على الجماعة ويسعى لأن يكون المرشد الجديد ما أدى إلى إضعاف الجماعة، فضلاً عن مساعٍ من جبهة كمال للاستحواذ على نسبة كبيرة من عناصر الإخوان، مثل الادعاء بأن 70 في المائة من عناصر الجماعة انحازت لجبهة كمال».
وفي حين يشير مراقبون إلى أن «القاسم المشترك بين الجبهتين (كمال وعزّت) أن قياداتهما هاربون للخارج، ويقيمون ما بين تركيا وقطر ودول أوروبا مثل بريطانيا والنمسا»، يلفت صلاح الدين حسن إلى أن التنظيمات المنبثقة عن «الإخوان» الآن تعرضت لضربات شديدة استفادت منها جبهة عزت. وبالتالي، تحاول مع وجود أجهزة مخابرات خارجية السيطرة على عمليات العنف داخل مصر، لماذا؟ لأن لديها وجهة نظر أن الاستمرار في القتال المسلح سوف يقضي على «الإخوان» إيماناً منها ببقاء التنظيم في المشهد... لكن الجماعة تعاني من «الهرجلة» في الداخل والخارج، واعتمدت على إحداث نوع من الصخب والمعارضة، حتى لا تتعالى صيحات النقد لقيادات الجماعة التي تسببت في إلقاء قيادات الصف الأول والشباب في السجون بسبب الصدام مع الدولة المصرية.
ويستطرد حسن في شرحه قائلاً إن الجماعة «تحاول الآن الخروج من (النفق المظلم)، وليس لديها الآن مجال للدخول في مفاوضات مع الدولة، لأن السلطات المصرية تشترط أن تكون المفاوضات من دون شروط. والجماعة إلى وقت قريب كانت ترفض ذلك، إلا أنها وافقت أخيراً على ذلك، لكن مصر لا تريد أن تعتبرهم جزءاً من الوطن، بل تريد أن يعودوا مواطنين شرفاء».
وعقب «30 يونيو» وما تلا ذلك من أحداث تراجعت جماعة الإخوان خطوة إلى الخلف لتعمل من داخل «تحالف دعم الشرعية» وتحت مظلته، لكسر عزلتها الشعبية حينها، والتأكيد على وجود انقسام بين القوى السياسية في البلاد حول حقيقة ما جرى في يوليو (تموز) بعد عزل مرسي، لكن سرعان ما فشل هذا التحالف.

- قيادات الجماعة
وعن قيادات الجماعة الباقية، قال أحمد بان إن «جبهة محمود عزت ما زالت موجودة ككتلة لا يتجاوز عددها 15 في المائة من الصف الإخواني، فضلاً عن القيادات التي سيطرت على مكاتب الإخوان في ربوع مصر». وهنا يشير حسن إلى أن «مكان محمود عزت غير معروف، والبعض يقول إنه في تركيا... وهناك قيادات لم تكن معروفة إعلامياً وكانت في المكاتب الإدارية بالمحافظات في الصفوف الثالثة والرابعة وهي الموجودة الآن، والأمن نجح في تفكيك هذه المكاتب»، لافتاً إلى أن جموع الإخوان خارج السجون يمارسون حياتهم الطبيعية وفي حالة «كمون» كبير، وبعضهم يسعى لتوفير نفقاته الأسرية، والبعض الآخر يحاول الاستجابة لأوامر قياداته ويتعرضون للتوقيف والسجن.

- إعلام الخارج
وحول الإعلام الإخواني في الخارج، قال صلاح الدين حسن: «بعد هروب عدد كبير من الإخوان للخارج، فكرت الجماعة في إنشاء فضائيات، لكنها واجهت الإغلاق بسبب المعاناة المالية، وبعض القنوات مثل (الشرق) اشتراها أيمن نور وتعتمد على خطاب إعلامي متطرّف، وتعاني من أزمات مالية. وبالمناسبة الجماعة تدّعي أنها لا تمتلك هذه القنوات مباشرة، وتعتمد فقط على فضائيات ومواقع تحتضن خطابها فقط، وترى الجماعة في هذا الصدد أنها ليست في حاجة لأن تمتلك قنوات إعلامية حتى لا تتحمل مواردها الكثيرة».
أما أحمد بان فيتهم الإعلام الإخواني في الخارج بأنه «عبارة عن مساحة للارتزاق، فهم مجموعات خرجت من مصر ولم يعد لديها ما تخسره، ومتمسكة به عبر هذه المعارضة العابرة للحدود». ويشار هنا إلى أنه طيلة الوقت كانت «الإخوان» لا تمتلك وسائل إعلامية بشكل مباشر، حتى قبل «25 يناير»، ما دام أن هناك من يستطيع تبني خطابها الإعلامي.
وقبل أيام أدرجت محكمة مصرية إعلاميين موالين لـ«الإخوان» مقيمين خارج مصر؛ هم معتز مطر ومحمد ناصر وحمزة زوبع ووجدي غنيم على قوائم التنظيمات الإرهابية... واتهمتهم المحكمة بتشكيل «جناح تنظيمي» للجماعة عبر حركة «حسم» يتكون من 3 لجان؛ الأولى تضطلع بمسؤولية العمل النوعي المسلح داخل البلاد، والإشراف على مجموعات الرصد وجمع المعلومات وإعداد وتصنيع العبوات الناسفة، وأساليب الاغتيالات وحرب المدن ومجموعات التنفيذ. والثانية اللجنة المالية التي تتولى الدعم المالي واللوجيستى لعناصر التنظيم. والثالثة اللجنة الإعلامية التي تتولى التغطية الإعلامية للتنظيم وتشكيل خلايا لجان إعلامية وإلكترونية تعمل بشكل فردي سرّي تلافياً للرصد الأمني، وتضطلع بنشر الأخبار الكاذبة والمغلوطة لإثارة وتحريض المصريين على التجمهر.

- النصر على «حسم»
في سياق موازٍ، خلال فبراير (شباط) الماضي، أدرجت الولايات المتحدة الأميركية حركتي «حسم» و«لواء الثورة» على قائمة المنظمات الإرهابية... وسبق هذه الخطوة قرار بريطاني في ديسمبر الماضي بإدراج الحركتين على قائمة الإرهاب، وهو القرار الذي أرجعته بريطانيا لثبوت إدانتهما بالاعتداء على أفراد الأمن المصريين والشخصيات العامة.
وكانت حركة «لواء الثورة» قد أعلنت عن ظهورها الأول في مصر خلال أغسطس 2016، عقب تبنيها الهجوم على كمين العجيزي في مدينة السادات بمحافظة المنوفية في دلتا مصر... وتحت شعار على هيئة رشيش «كلاشنيكوف» متبوعاً بعبارة «بسواعدنا نحمي ثورتنا»، أعلنت الحركة عن نفسها في يناير عام 2014. وعلى الرغم من أن «حسم» وصفت نفسها في البداية بأنها «حركة ثورية» تهدف إلى استعادة روح ثورة 25 يناير، فإنها سرعان ما تحوّلت إلى حركة دموية، وعدلت عن رؤيتها وتبنت أعمالاً تخريبية وعمليات اغتيال.
ويقول مراقبون متابعون إن جماعة «الإخوان» كانت قد اعتمدت منذ نشأتها على التنظيمات السرية للتخلص من خصومها... و«حسم» و«لواء الثورة» محاولتان من «التنظيم الخاص» لـ«الإخوان» لمحاربة مؤسسات الدولة في مصر وضباط الشرطة والجيش.
من جهته، قال عمرو عبد المنعم، المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك فارقاً بين «لواء الثورة» و«حسم»... فـ«لواء الثورة» كانت تستهدف رجال السلطة القضائية كرد فعل على الأحكام التي تصدر بحق قيادات الجماعة خصوصاً الهاربين في الخارج، فضلاً عن شنها عمليات انتقامية من بعض أمناء الشرطة، وعناصرها درسوا كتاب «دليل المقاومة» واعتمدوا على «البلاغات الكاذبة» لإرباك السلطات وإثارة الانفلات الأمني.
أما عن «حسم»، فقال أحمد بان إنه «بالنظر إلى المفردات التي استخدمتها الحركة في بدايتها، فإنها لم تخرج عن نطاق تعابير مثل (الثورة والثأر). وكان يبدو أنها لا تنتمي للتنظيمات المتشددة الأخرى التي تنادي بتطبيق الشريعة كـ(ولاية سيناء) مثلاً، فخطابها يتطابق منذ البداية مع خطاب الإخوان... و(حسم) اختارت أهدافاً رخوة مثل استهداف كمين أو مرتكز أمني، لكن أبرز عملياتها تمثلت في محاولتي اغتيال النائب العام المساعد ومفتي مصر السابق علي جمعة». وعن عمليات «حسم» و«لواء الثورة» الآن، قال صلاح الدين حسن، إن «مؤشر عملياتها تراجع. إذ مرّ فترة عام ونصف العام لم تقم خلالها بتنفيذ عمليات داخل مصر، وذلك يدل على نجاح الأمن المصري في توقيف عناصرها».

- يونيو... الاستقرار
في العام الماضي، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمة للمصريين بثها التلفزيون الرسمي بمناسبة ذكرى «30 يونيو» الماضية، إنه بعد سنوات بات صوت مصر مسموعاً، ورؤيتها لإعادة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط موضعاً للتقدير ومحلاً للتنفيذ، وظهرت النيات التي كانت مستترة من بعض الأشقاء (لم يسمِّهم السيسي) وغير الأشقاء على حقيقتها. ثم أضاف: «في مثل هذه الأيام انتفض المصريون بأعداد غير مسبوقة ليسطّروا ملحمة وطنية فريدة عمادها الحفاظ على الوطن، أرضه وهويته واستقلاله وحريته، من قوى تصورت أنها نجحت في السيطرة على مقدرات هذا الشعب».
وتوقف السيسي في كلمته عند مسارين؛ الأول رفض الحكم الفاشي الديني، ورفض الاستئثار بالسلطة، ومواجهة ما يترتب على هذا الرفض من إرهاب وعنف، إذ أعلنت الثورة منذ البداية أن شعب مصر لا يقبل ولن يقبل سطوة أي جماعة أو فئة، وأن الدين لله والوطن للجميع، فرفضت مصر الرضوخ للإرهاب، سواء المادي أو المعنوي، وأمر الشعب قواته المسلحة وشرطته بمواجهة الإرهاب والقضاء عليه. وأردف: «أما المسار الثاني الذي فرضته الثورة، فكان مواجهة القوى الخارجية الداعمة للإرهاب وجماعات التطرف (لم يسمها)، فكانت الثورة بداية لاستعادة مصر لدورها الإقليمي النشط، ومواجهتها للدول التي تسعى في المنطقة خراباً عن طريق تمويل ورعاية الإرهاب وجماعاته»... وسبق أن أعلن عدد من الدول في مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والبحرين قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر لتمويل الجماعات الإرهابية.

... بلا حراك
أما عن حراك «الإخوان» الميداني في الشارع، فقال أحمد بان إن «القائمين على القنوات الفضائية في الخارج يعتمدون على التقاط صورة من شارع خلفي أو حارة أو زقاق في مصر، يتم التقاطها ثم تطييرها إلى القنوات لإظهار أن هناك حراكاً، لكن الحراك هو محض أوهام في هذه الأبواق الإعلامية، والواقع يقول إنه لا وجود لأي حراك على الإطلاق».
ويوافق صلاح الدين حسن على ذلك قائلاً: «لقد فشلت الجماعة تماماً داخل مصر في أي حراك... ومنذ عام 2015 ليس هناك أي حراك احتجاجي، ولم يعد ذات جدوى، وتم رفضه شعبياً قبل أن يُرفض من قبل الدولة، فكان الحراك وقتها من جانب الجماعة فقط، ولم ينضم لها أي شرائح أو تيارات أخرى من المجتمع، وباتت (معزولة)».
وحول مصادر تمويل «الإخوان» الآن، قال حسن: «في الداخل هناك نوع من التكافل بين العناصر الإخوانية، نسبة تُدفع للجماعة مثل السابق، ولجان سرّية تتشكل لمساعدة الفقراء في الجماعة، لكنها بشكل محدود للغاية... أما التحويلات الخارجية فباتت صعبة، ذلك أن الإخوان في حالة مُزرية للغاية، وهم متروكون لأنفسهم في مسألة الدعم، وكل عضو يحاول أن يكفيه دخله الشهري، ولم يعد للإخوان اقتصاد بعد أن تم تجفيف مصادرها... وأيضاً عناصرها في الخارج تعاني من ضائقة مالية».

- مُبادرات «جس النبض» للمُصالحة
> بين الحين والآخر، تتبنى أطراف من قيادات «الإخوان» في الخارج طرح مبادرات، في محاولة لأخذ يد الجماعة للعودة إلى المشهد السياسي.
آخر المبادرات كانت ليوسف ندا، المعروف بأنه المفوّض السابق للعلاقات الدولية لـ«الإخوان»، وهي دعوة وجهها لمرسي من قناة «الجزيرة» القطرية، بالتخلي عن مطالبته بالحكم - على حد زعمه بأحقيته في شرعية الحكم - . وقبله إبراهيم منير، نائب مرشد «الإخوان» الذي قال في مبادرة له، إن «الجماعة مستعدة للتفاوض مع النظام المصري وفقاً لشروط على رأسها إطلاق سراح السجناء وبينهم مرسي»... فضلاً عن مبادرة للمصالحة أطلقها القيادي المنشق عن «الإخوان» كمال الهلباوي، لكنه اعتذر عنها في وقت لاحق.
من جانبه، قال عمرو عبد المنعم، إن «تلك المبادرات الإخوانية مجرد (بالونات اختبار) وعمليات جسّ لنبض الحكومة المصرية كمحاولة لإنجاح فكرة المصالحة، ويطلقها قادة الإخوان من وقت لآخر»، مضيفاً أن «هذه المبادرات والدعوات تزيد من كراهية المصريين للجماعة».
وفي يناير الماضي، قال السيسي عن إمكانية الإفراج عن عناصر «الإخوان»: «نضطر إلى الحزم في التعامل مع من يهدد مصر بالإرهاب... تلك الجماعات هي من بدأت بالخراب والدمار وتسعى لهدم الدولة، ونحن لم ولن نتركهم، وذلك للحفاظ على الدولة»، بعدما أكد أن موضوع المصالحة يبقى بيد الشعب المصري وليس بيد أي سياسي.

- ضربات استباقية للأمن المصري
خاضت وزارة الداخلية المصرية على مدار السنوات الخمس الماضية حرباً مع الأذرع المسلحة لجماعة الإخوان عبر الضربات الاستباقية. وقالت مصادر في وزارة الداخلية إن «أجهزة الأمن نجحت في توجيه ضربات استباقية خصوصاً في المناطق الملتهبة، مثل سيناء، باستهداف العناصر المتطرفة قبل ارتكابها أي أعمال تخريبية تستهدف أمن واستقرار البلاد، فضلاً عن الحملات الأمنية لاستهداف المساكن المؤجرة التي يستخدمها (الإرهابيون) أوكاراً لإدارة أعمالهم الإرهابية، ومعامل لتصنيع المواد المتفجرة في بعض الأحياء الشعبية».
وقبل 3 أيام من ذكرى «30 يونيو»، أحبطت الأجهزة الأمنية مخططاً إرهابياً جديداً، لارتكاب سلسلة أعمال تخريبية تزامناً مع الاحتفالات بالذكرى الخامسة للثورة، باستهداف خلية إرهابية جديدة في صعيد مصر.
وكشفت التحقيقات تردد عناصر متطرفة على منطقة نائية في منطقة الغنايم بمحافظة أسيوط (في صعيد مصر)، وتم استهداف أماكن وجود المتهمين، الذين استشعروا اقتراب الأمن منهم، ففتحوا النيران على قوات الأمن التي بادلتهم الأعيرة النارية، ما أسفر عن مقتل أفراد الخلية الأربعة. وعثرت الأجهزة الأمنية على أسلحة ووسائل إعاشة كانت بحوزة العناصر الإرهابية، وتبين أنهم كانوا يقيمون بالمنطقة بعيداً عن الملاحقات الأمنية، للتخطيط لتنفيذ عدة أعمال تخريبية تستهدف مؤسسات الدولة خلال الأيام المقبلة.
وأشارت المعلومات إلى أن هذه العناصر المتطرفة تتواصل مع القيادات الإرهابية الهاربة بالخارج، وتحصل منها على الأموال لشراء المتفجرات والأسلحة لتنفيذ الأعمال التخريبية بها، فضلاً عن اللجوء للصعيد بعيداً عن المنطقة المركزية للتجهيز لعمليات إرهابية كبيرة، للظهور على المشهد من جديد لكسب ود القيادات الإرهابية بالخارج والحصول على مزيد من المال.
وأكدت المعلومات أن الضربات الاستباقية التي تنتهجها الأجهزة الأمنية أسهمت بشكل كبير في إحباط العمليات الإرهابية قبل وقوعها من الأساس، بناءً على معلومات دقيقة للأجهزة الأمنية.


مقالات ذات صلة

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

المشرق العربي من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

صوتت الهيئة العامة لحزب «جبهة العمل الإسلامي» على تغيير اسمه التاريخيّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992، واختيار اسم «حزب الأمة»، وذلك في فعاليات الجلسة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي إدارة الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام لـ«جبهة العمل الإسلامي» سابقاً في الأردن السبت لمناقشة التعديلات على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

الأردن: «العمل الإسلامي» يخلع اسمه التاريخي ويتحوّل إلى «حزب الأمة»

غادر أقدمُ الأحزاب الأردنية؛ حزبُ «جبهة العمل الإسلامي»، اسمَه التاريخيَّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

ضربات تتواصل لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة بعدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

يتسع الحظر الدولي ضد «الإخوان» بعد قرار هولندا تصنيفها «إرهابية» مما يُزيد الضغوط على الجماعة في مصر بعد أكثر من 13 عاماً على حظرها بها.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.