مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6): واجهنا في يوغوسلافيا مصاعب سياسية.. واكتشفنا 151 مقبرة جماعية

خضنا في البحرين تجربة تحقيق فريدة في ظل تأييد الملك وتعاون وزير داخليته

مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6): واجهنا في يوغوسلافيا مصاعب سياسية.. واكتشفنا 151 مقبرة جماعية

مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا

في حديثه عن دوره في لجنة تقصي الحقائق حول جرائم الحرب في يوغوسلافيا، قال شريف بسيوني، إن العمل في اللجنة كان صعبا في بدايته؛ فقد كان لفرنسا وإنجلترا قوات هناك، لكنها كانت محدودة، ولم تزود بدبابات أو أسلحة ثقيلة؛ فكانت تقريبا رهينة لصربيا، وفي الوقت نفسه، كان الاتحاد الأوروبي قد وضع شخصا إنجليزيا اسمه لورد أوين، للتفاوض في موضوع السلم. وكان أوين معترضا في البداية، على اللجنة؛ على أساس أنها ربما تعوق عمله في المفاوضات. لكني ل م أكن أرى في ذلك مشكلة، إذا أبلغ الشخص الذي يقوم بالمفاوضات من يتفاوضهم ان باستطاعته التفاوض على السلام لكنه لا يضمن لهم ما ستخرج به اللجنة، ويفصل بين الموضوعين، ويبلغهم أن عليهم تحمل أية مسؤولية جنائية إن وجدت. ينطبق هذا ايضا على اللجنة إن كانت ستعمل بأمانة ومن دون الإعلان عن نتائج ما تتوصل إليه. أثناء فترة عملي، لم أطلق تصريحات صحافية، وكان كل ما نقوم به يحفظ، ولم أكن أعلن عن مسؤولية أي كان حتى انتهاء التحقيقات، إذ ولا يجوز القيام بعمل دعائي أثناء التحقيق، فإذا ضمنت هذا، فلا خطورة على المفاوضات.
في البداية، كانت هناك مخاوف، خاصة من بريطانيا التي كانت تؤيد أوين في ذلك، ثم انضم إليه سايروس فانس، الذي كان مطمئنا إليّ من أيام حكومة كارتر والمفاوضات مع مصر وفكرة كامب ديفيد، في حين أن أوين لم يكن وقتها يشعر بذلك. في هذه الحلقة، يروي بسيوني التفاصيل:
كانت اللعبة السياسية صعبة جدا، ولم أكن معتادا عليها. فعندما اتصل بي مكتب الدكتور بطرس غالي وطلب - إن كنت موافقا - أن أترأس اللجنة، وافقت. كنت متيقنا من أني سأترأسها، لكن فيما، بعد أزحت من رئاسة اللجنة في البداية، ووضعوا شخصا هولنديا عمره 70 سنة في رئاستها، ولم يكن له إقبال على التنقل ميدانيا، خصوصا أن الحرب كانت قائمة. وجرى هذا بإيحاء من الجانب الإنجليزي الذي كان يستند إلى نائب الإدارة القانونية في هيئة الأمم. وعزز هذا أنه عقب انتهاء عمل اللجنة ووضع تقريرها أمام مجلس الأمن، طلب مجلس الأمن من أمينه العام بطرس غالي أن يرشح من سيكون المدعي العام في محكمة يوغوسلافيا. فأرسل بطرس غالي خطابا إلى مجلس الأمن يقول فيه: لا أستطيع أن أرشح أي شخص آخر لهذا العمل، غير الدكتور شريف بسيوني، ولن أرشح غيره.
فاجتمع مجلس الأمن واتصلت بي مادلين أولبرايت وكانت سفيرة في المجلس، وقالت إن إنجلترا قامت بحملة ضدي، وأن صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت في صفحتها الأولى، أن السفير البريطاني وقتها، ديفيد هاناي، صرح لمراسل الصحيفة، أن بريطانيا لا تستطيع أن تقبل أن يكون عربيا مسلما في منصب المدعي العام، لأنه سيكون منحازا للضحايا المسلمين في البوسنة ضد الصرب. وكأن انحياز المدعي العام للضحية خطأ، في حين أنه يطلب من المدعي العام أن يكون منحازا للضحية في العادة. فنشب صراع كبير في مجلس الأمن. وأسفر التصويت على المسألة عن سبعة أصوات ضد سبعة. كانت أميركا إلى جانبي، بينما امتنعت البرازيل عن التصويت، لسبب لا أعلمه حتى الآن، فلم أحصل على الأصوات الثمانية المطلوبة. ونجحت بريطانيا في منع تعييني. ثم عادوا إلي، سواء بريطانيا أو فرنسا أو أميركا على مستوى عال جدا، مستوى الوزراء، وقالوا إنهم يريدون تعييني قاضيا للمحكمة الجنائية ليوغوسلافيا، أو في وظيفة أخرى، فقلت لهم أنا لا أسعى إلى أي وظائف.
كنت مستعدا لدور المدعي العام لأني كنت أرى فيه استكمالا لعملي، على أساس أني من قمت بالتحقيق. مصر وقفت وقفة صارمة، خصوصا من خلال عمرو موسى الذي كان وزيرا للخارجية، وقد أيدته الدول العربية في حينه، لكن موقفها لم يكن كافيا.
وقد انتخبوا شخصا آخر من فنزويلا، من دون أن يعلموا أنه لم يكن على استعداد لشغل هذه الوظيفة. فقد كانت له وظيفة أخرى في فنزويلا، ولم يكن مستعدا للتخلي عنها، فبقي المكان شاغرا لمدة ثمانية أشهر، وفيما بعد عين شخص آخر، متخصص في القانون التجاري.
عمل يوغوسلافيا كان صعبا جدا. تصور أن مجلس الأمن ينشئ مثل هذه اللجنة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، بصلاحيات كاملة وشاملة، وحين تعقد أول اجتماع لها، تكتشف أن لا ميزانية لها. كانت الميزانية صفرا. وكنا لا نستطيع أن نتحرك أو ننتقل إلى الميدان. ولا نستطيع تعيين موظفين. كان الغرض هو أن يوهم مجلس الأمن الدولي العالم، بأن هناك لجنة للتقصي من دون أن يوفر لها الإمكانيات. بدأت أطلب من اللجنة أن تعينني مسؤولا عن جمع الأدلة، وتم لي ذلك. ذهبت إلى الجامعة التي أدرس فيها، وطلبت منهم مكانا فأعطوني مكتبا. ثم طلبت أن يسمح لي بطلب متطوعين، فسمح لي. قمت بإنشاء قاعدة بيانات في جامعة ديبول في شيكاغو، عملوا فيها طوال سنتين. كان 141 محاميا وطالب حقوق يعملون معي مجانا كمتطوعين. واستطعت أخذ معونة من «ماك آرثر فاونديشن» و«أوبن سوسايتي فاند». وعلى الرغم من هذا لم نتمكن من العمل. وخلال سنتين، لم يقدم مجلس الأمن أو الجمعية العامة ميزانية للتحقيق، ولا حتى فلسا واحدا أو مليما. كانت الميزانية مجرد رواتب لموظفي هيئة الأمم الذين يعملون معي، وبقية الأموال جمعتها بنفسي. ولكي أتمكن من التحقيق، ذهبت خلال الحرب 35 مرة على مدى عامين، في مهمات ميدانية، اكتشفنا فيها 151 مقبرة جماعية، وقمنا بأكبر تحقيق في التاريخ عن الاغتصاب. أنا شخصيا حققت مع مجموعة من 33 امرأة لأني اخترت النساء فقط للتحقيق. حققنا مع 223 امرأة اغتصبت. وأخذنا أقوال 575 امرأة اغتصبت أيضا. واستطعنا الحصول على معلومات عن 4200 حالة اغتصاب. معنى هذا أن هناك - إحصائيا - 20 ألف امرأة اغتصبت، وكان هذا جزءا من سياسة التطهير العرقي، بالإضافة إلى تهجير كل أهل البوسنة المسلمين من هذه المناطق كي يقطنها الصرب. وفي الوقت نفسه، كان هناك بعض الانتهاكات من الجانب الكرواتي، وأخرى من جانب الصرب ضد الكروات. مقر اللجنة كان في جنيف، وقاعدة البيانات في شيكاغو، ولكي لا تبقى أية معلومات ميدانية، كنا نبعث كل المعلومات لشيكاغو في نهاية اليوم.
كنا بحاجة إلى قوات مسلحة. وحين كنا نقوم بالبحث حول المقابر الجماعية، كنا نستند دائما إلى هولندا التي كانت تساعدنا دائما عبر قواتها المسلحة في عمليات الحفر، كما كنا نعتمد على قوات النرويج وكندا. وصراحة لم نجد أي مساعدة من أي دولة عربية إلا الأردن الذي كانت له قوات في يوغوسلافيا، وكذلك مصر التي كان لها قوات أمن في سراييفو. وقد تعاونت قوات الأمن الأردنية والمصرية معنا تعاونا كاملا، وكان دورهما هاما وملموسا. وهذا ليس مجرد كلام، وسأذكر مثالا على هذا التعاون؛ ففي إحدى المرات خلال موسم رمضان، وكان قائد الوحدة المصرية في سراييفو قد طلب من ضباطه وجنوده أن يتبرعوا بمأكولات من أجل رمضان؛ فتبرعت الكتيبة بكاملها، بنصف دخلها لإطعام الفقراء في سراييفو. وكان يأتي ما بين 100- 200 شخص عند المغيب، ووقت السحور للأكل. ورأيت هذا بنفسي.
أما كتيبة الأردن فكانت في كرواتيا. وأتذكر أني عندما كنت أقوم بالحفر هناك، عثرنا وعلى مقبرة فيها 19 شخصا. قلت ماذا سنفعل بهم؟ وكان ذلك في وسط كرواتيا. فكرت كيف أنقلهم. كانت الإمكانية الوحيدة أن نقوم بحفر مقبرة تضم 19 قبرا. وأقمت حواجز بين المقابر. وطلبت من الكتيبة الأردنية أن تبعث بجنود، وهم من تولوا حفر المقابر لوضع جثث الصرب فيها. ووضعنا حتى الصليب على رأس كل واحد من القبور. وأذكر أنني عندما عدت إلى جنيف، قابلت شخصا يعمل على رأس وزارة العدل، وقال إنه سمع بما قمت به، وأبدى تأثره لقيام مسلمين بذلك.
وأذكر قصة إنسانية أخرى للكتيبة الأردنية مهمة جدا، وهي أن مدينة صربية مجاورة كانت قد هدمت تماما، وقد عثروا فيها على امرأة في السبعينات من عمرها، تمكنوا من انتشالها من تحت أنقاض بيتها، ولم يكن قد تبقى غيرها بعد أن فر كل ابناء القرية. أعادوا بناء جزء من بيت المرأة. وراحت الكتيبة الأردنية تزودها يوميا بالأكل، ويزورها الطبيب مرة كل الأسبوع.
العمل الذي قمنا به كان هائلا، وأرغم مجلس الأمن على إنشاء هذه المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، وكانت تلك نقطة البداية والانطلاق، ولكن واجهتها صعوبات بيروقراطية وأخرى مالية.
في البحرين، كان الوضع مختلفا؛ حيث حصلت على تأييد من ملك البحرين، فتح لي أبوابا. وعملت من جانبي مع الناس بأمانة وإخلاص.
كانت تجربة البحرين فريدة من نوعها. فحين دعاني الملك لكي أترأس اللجنة، طلبت من الملك - طبعا بكل أدب واحترام - أن تكون هناك قواعد معينة للعمل. وعرضت عليه قواعد لاستقلال اللجنة، ومنها أن أختار بنفسي كل أعضائها، وأن تكون الأبواب مفتوحة لي، وأن تكون مصادر التمويل حرة وبلا قيود.
وصراحة، وافق الملك ومن دون أي شروط. فكانت النتيجة. قلت للملك منذ البداية، إنني إذا رأيت شيئا غير سليم أريد إمكانية أن آتي إليك مباشرة ومن دون أي حاجز بيننا، وتقبل ملك البحرين هذا الأمر بصدر رحب، فقلت له إنني حر تماما ولي سندك، فقال: نعم.
مضى التقرير وجمعت فريقي وبدأت العمل. وفي إحدى الليالي، وكان طاقمي يتكون من نحو 40 شخصا، اخترت خمسة منهم، وكانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، وأبلغتهم أن لا يناموا ليلتها؛ لأننا سنخرج في زيارة ميدانية. الساعة الواحدة ليلا، اتصلت بهم، نزل الخمسة، ومضينا في ثلاث سيارات. كان في البحرين وقتها ثلاثة سجون. ذهبنا إلى السجن الأول، وطرقت الباب. خرج لي ضابط أو عسكري نقرابة الساعة الثانية صباحا. قال تفضل. عرفته بنفسي، وقائلا إنني الدكتور شريف بسيوني رئيس لجنة التقصي. فقال بما معناه ما الذي تريده؟ فقلت أريد تفتيش السجن. قال: ما الذي تعنيه؟ قلت افتح يا أخي. فتح الباب. أتى الضابط ومدير السجن، وتناولنا الشاي بكل أدب، واستفسرا عما أريد. قلت لهما: جئت لأفتش، وعندما أفتش لا أريد أيا منكما معي. وقلت للمدير: أمامك خياران: إما أن أدخل أو سأتصل بهاتفي بالملك شخصيا وسيوقظونه من النوم والأمر حينها بينك وبينه.
فتحوا لي الباب. دخلت وأخرجت المساجين. وبدأت بسؤالهم عن أسمائهم وأسباب وجودهم في السجن، وكلما كنت أجد أناسا وقع تعسف ضدهم في السجن أكلم وزير الداخلية الذي كان متعاونا جدا.
وحتى حينما كنت أعلم عن وجود مظاهرات، كنت أرسل أناسا ليشاهدوا كيفية تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الميدان نفسه. كنا نذهب حتى لأقسام الشرطة الصغيرة ليلا، لنرى كيفية التعامل مع الناس، وأيضا في السجون الكبيرة مثل السجن العسكري، كنا نتحرك بكل حرية مرة واثنتين وثلاثا. وشخصيا زرت كل سجين ثلاث مرات بالطاقم الذي يعمل معي، وأخذنا أقوالهم بكل حرية، فمن دون شك كان التعاون كاملا ومثمرا.
* اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق

* أنشئت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في 29 يونيو (حزيران) 2011 في مملكة البحرين، طبقا للقرار الملكي رقم 28 الذي أصدره الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وعلى الرغم أن العادة جرت بأن تُنشأ لجان تقصي الحقائق بتفويض من الأمم المتحدة، فقد كانت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق لجنة وطنية. وبعد مشاورات للمستشارين القانونيين للملك حمد بن عيسى آل خليفة، مع العديد من الهيئات الإقليمية والدولية، وشخصيات دولية رفيعة المستوى، رشح البروفسور بسيوني لتولي رئاسة اللجنة. ورشح البروفسور بسيوني أربع شخصيات أخرى هم، الخبير القانوني فيليب كيرش (الكندي البلجيكي الأصل)، الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، الدكتورة بدرية عبد الله العوضي (الكويت)، البروفسور السير نايغل رودلي سيمون (المملكة المتحدة) والدكتورة مهانوش ارسنجاني (إيران).
وقد تولت اللجنة مهمة التحقيق وإعداد تقارير عن الأحداث والنتائج المترتبة على تلك الأحداث التي وقعت في البحرين خلال شهر فبراير (شباط) 2011. وقُبيل قبوله منصب رئيس اللجنة، عقد البروفسور بسيوني اجتماعا مع الملك حمد بن عيسى آل خليفة، سلمه خلاله قائمة بما اعتبره عناصر جوهرية ينبغي توافرها في التفويض الملكي لإنشاء اللجنة، خاصة فيما يتعلق بالتأكيد على استقلاليتها، وقدرتها على إنجاز المهمة الموكلة إليها. وقد كان الملك حمد متعاونا لأقصى درجة، حيث نص القرار الملكي رقم 28 الذي أصدره في 29 يونيو (حزيران) 2011 بوضوح على الشروط كافة اللازمة لضمان استقلالية ونزاهة عمل اللجنة. وقد مُنح رئيس اللجنة مسؤولية اختيار طاقم التحقيق والإدارة الذي سيعمل معه، وكذلك مهمة تطوير طرق عمل اللجنة.
ضم طاقم عمل اللجنة 51 شخصا عملوا في فترات مختلفة. توزع طاقم العمل كالتالي: 12 محققا، 12 مساعدا للمحققين، 5 إداريين، 4 مساعدين إداريين، 18 مستشارا فنيا وعلميا. وخلال الفترة من يونيو (حزيران) 2011 إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، تلقت اللجنة 8110 شكاوى وبيانات عن انتهاكات حقوق إنسان واقعة ضمن نطاق عملها. كما قامت اللجنة بعمل 65 زيارة ميدانية أولية وعقدت 48 اجتماعا أوليا مع مختلف الجهات الحكومية والتي أعقبتها بالعديد من زيارات المتابعة. وأصدرت اللجنة مئات الصفحات من التقارير والإجابات على العديد من التساؤلات. كما تلقت اللجنة تقارير ومعلومات من منظمات داخل وخارج البلاد تمثل كافة الأطياف السياسية. عملت اللجنة معتمدة على ميزانيتها المستقلة من دون أية عوائق، واحتفظت بسجلاتها. كما أصدرت تقريرها الخاص الذي نشر في وسائل الإعلام العامة. وقد وضعت الحكومة الكثير من توصيات التقرير حيز التنفيذ. وُصفت هذه اللجنة بأنها ربما تكون لجنة تقصي الحقائق الأكثر نجاحا على الإطلاق التي تجري إدارتها في إطار وطني خلال صراع داخلي قائم. وقد استفادت اللجنة من الدعم الكامل الذي جرى توفيره لها بواسطة الملك حمد ومجلس الوزراء.
تضمن التقرير الذي قدمته اللجنة في احتفالية عامة يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، عددا من التوصيات التي تعهد الملك والحكومة بتنفيذها. وجرى بالفعل تنفيذ الكثير من تلك التوصيات. وتواصل حكومة مملكة البحرين جهودها في هذا الشأن لتحسين نوعية العدالة.
* لجنة التحقيق في جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة

* تسبب الصراع في يوغوسلافيا في أزمة أخلاقية بين الأوروبيين، وامتد ذلك التأثير بعض الشيء ليصل إلى الولايات المتحدة الأميركية. بدأت الممارسات الممقوتة والمذمومة للتطهير العرقي والاغتصاب الممنهج بصورة علنية. وأثناء فترة حملته الرئاسية، حث المرشح بل كلينتون على التدخل العسكري في يوغوسلافيا السابقة، بيد أن الجيش الأميركي وحلف الناتو لم يستحسنا هذا الأمر. وبعد انتخابه، واجه الرئيس كلينتون مشكلة الوفاء بوعود حملته الانتخابية التي يتعذر تحقيقها. فكرت مادلين أولبرايت، سفيرته في الأمم المتحدة والتي شغلت فيما بعد منصب وزيرة الخارجية، في تأسيس لجنة تحقيق على غرار لجنة جرائم الحرب بالأمم المتحدة التي أُسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبعد جدل كبير في مجلس الأمن، استطاعت السفيرة أولبرايت، في ضوء دعم المملكة المتحدة، استصدار قرار من مجلس الأمن بإنشاء لجنة خبراء.
كانت هذه هي المرة الأولى، منذ انتهاء الملاحقات القضائية الخاصة بالحرب العالمية الثانية، التي يتم فيها إنشاء لجنة دولية من هذا القبيل. بيد أن معارضة روسيا، التي كانت داعمة لصربيا، ظلت كما هي. والأهم من ذلك، أن المملكة المتحدة والأعضاء الآخرين بمجلس الأمن كانوا قلقين من تأثير تلك اللجنة على جهود الاتحاد الأوروبي الممثلة في اللورد ديفيد أوين وممثل الأمم المتحدة، وزير الخارجية السابق سايروس فانس، اللذين جرى تفويضهما لإنجاز مسألة وقف الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار. كانت هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الأمم المتحدة صراعا بين السعي نحو تحقيق تسوية سياسية وتحقيق العدالة. واتخذ ردها شكل عمل بيروقراطي ماكر وقف حجر عثرة أمام عمل اللجنة، تمثل في عدم توفير العاملين والموارد. فلم تحصل اللجنة على أي ميزانية لإجراء تحقيقاتها.
اُختير أعضاء اللجنة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بعد مشاورات واسعة مع أعضاء مجلس الأمن، وتشكلت من فيرتس كالشوفين (هولندا) بوصفه رئيس اللجنة، وشريف بسيوني (مصر) وويليام فينريك (كندا) وكيبا مباي (السنغال) وتوركال أوبسال (النرويج).
أثناء تلك الفترة، تم تعيين البروفسور بسيوني مقررا للجنة لتجميع الحقائق وتحليلها، حيث كانت تلك الوظيفة هي المهمة الأساسية للجنة. وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1993، قام الأمين العام بتعيين البروفسور بسيوني رئيسا للجنة.
وتعرضت اللجنة لعوائق إدارية وتعقيدات عطلت عملها، مما اضطرها تحت رئاسة البروفسور بسيوني إلى زيادة تمويلها، الذي تحصل عليه من معهد المجتمع المفتوح ومؤسسة «ماك آرثر»، والمساعدات الحكومية. الأهم من ذلك، أن اللجنة حصلت على كثير من الموظفين من حكومات عديدة (مثل: هولندا والنرويج وكندا). ولولا حصول اللجنة على مساعدات من تلك الحكومات، والتبرعات المالية الخاصة من الحكومات والمتطوعين أيضا، لما استطاعت إنجاز مهمتها المخولة بها على الإطلاق. وبسب هذه الإسهامات، استطاعت اللجنة القيام بـ32 مهمة ميدانية لتوثيق سياسة التطهير العرقي وممارسة الاغتصاب الممنهج. وقد كان ذلك التحقيق هو أول تحقيق في التاريخ يركز على الاغتصاب كأداة مستخدمة في الحرب.
ومما ساعد على عمل اللجنة أيضا حصولها على دعم من المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول، الذي وفر لها قاعدة البيانات. ووفرت الجامعة مكانا لعملها مجانا، كما قام المعهد بجلب واستخدام محامين صغار السن وطلاب دارسين للقانون لإدخال البيانات وتحليل البيانات المدخلة. وكان يوجد أربع كومبيوترات مخصصة يتم التعامل معها من قبل عدد 12 مدخلا لقواعد البيانات من المحامين صغار السن والطلاب المتطوعين الدارسين للقانون، وذلك تحت إشراف محامين حديثي السن والذين لا يُشرفون على عملية إدخال البيانات فحسب، ولكن أيضا الربط بين تلك البيانات والتقارير التي يُجرى إعدادها أسبوعيا بشأن القضايا المختلفة من الانتهاكات التي ارتكبها 6 أطراف متحاربة و86 منظمة شبه عسكرية تم تحديدها في أوائل عام 1993. وكان العمل الخاص بقاعدة البيانات متواصلا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، حيث يجري تحديث المعلومات والتحليلات والتقارير بشكل منتظم. وتم تقديم كل ذلك إلى أعضاء اللجنة لإجراء مراجعاتهم الدورية. وقد جرى الاعتراف بجهود وإسهامات المعهد الدولي لحقوق الإنسان في خطاب مرسل من قبل الأمين العام للأمم المتحدة.
تباين عدد أفراد البعثات الميدانية، البالغ عددها 32 بعثة، حيث تراوح العدد من ثمانية أشخاص كحد أدنى إلى ما يزيد على 80 شخصا. وكان الغرض من هذه البعثات هو القدرة على جلب واستخدام موظفين مساهمين من الحكومات والذين سيكونون ضمن بعثة لفترة زمنية قصيرة نسبيا. وبالنسبة للتحقيق في حوادث الاغتصاب، كانت هناك 33 امرأة، منهن 22 امرأة متطوعة. وقد شكلن 11 فريقا قوام كل فريق ثلاث عضوات يترأسهن امرأة لديها خبرة في مجال الدعاوى القضائية، بجانب طبيبة نفسية أو عالمة نفس، وذلك من أجل تقليل الضرر النفسي إلى أقل حد ممكن، وتجنب احتمالية التسبب في تكرار الصدمة العاطفية للضحية التي تجرى مقابلة معها، في حين تكون الثالثة مترجمة. وقد تلقت هذه الفرق بيانات موجزة موسعة بشأن كيفية إجراء هذه التحقيقات، ولا سيما بهدف تجنب معاودة إصابة الضحايا بالصدمة العاطفية. وبشكل إجمالي، جرت مقابلات مع 223 ضحية ممن تعرضن للاغتصاب، كما جرى الحصول على 575 تصريحا مشفوعا بالقسم من ضحايا عمليات الاغتصاب الأخريات، بالإضافة إلى تجميع معلومات بشأن حالات يُقدر عددها بنحو 4200 حالة. ويعتبر ذلك التحقيق، حتى وقتنا الحالي، هو أكبر تحقيق تم إجراؤه في التاريخ بشأن حالات الاغتصاب. وللأسف، لم يؤد هذا التحقيق إلا إلى ملاحقة قضائية واحدة من قبل المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب. بيد أن ذلك الأمر قد أدى إلى إثارة رد فعل عالمي جعل المجتمع الدولي أكثر دراية بتلك الجريمة المفزعة لجرائم الحرب والحاجة إلى منع وقوعها مرة أخرى. ومما يؤسف له أن يتكرر الأمر ذاته أثناء النزاعات والصراعات التي اندلعت في رواندا أو سيراليون أو دارفور أو جمهورية الكونغو الديمقراطية في الفترة ما بين عامي 1994 و2013.
أجرت اللجنة أيضا تحقيقا حول المقابر الجماعية، محددةً 151 مقبرة من تلك المقابر، من بينها المقبرة التي ارتكبت فيها أفظع الأعمال الشنيعة والواقعة بالقرب من مدينة فوكوفار، حيث يُعتقد أن 214 شخصا قد قُتلوا هناك من مسافة قريبة في منطقة زراعية مهجورة تسمى أوفكارا. وقد تم اقتياد جميع هؤلاء الأشخاص من مستشفى فوكوفار في يومي 20 و21 نوفمبر 1991، بما في ذلك المصابون والمرضى والموظفون، من قبل ميليشيات الصرب، وعلى مرأى ومسمع ضباط الجيش الصربي، وعلى مرأى ومسمع من مسؤولي الأمم المتحدة ليجري تنفيذ أكثر الأعمال وحشية. وصار هذا الحادث معروفا باسم مذبحة فوكوفار. كانت اللجنة هي أول من اكتشف المقابر الجماعية وبدأت عملية فتح القبور وإخراج الجثث وإجراء تحاليل الطب الشرعي على الجثث التي أطلق عليها النار من قبل ميليشيات صربية مغمورة عُرفت باسم «نمور أركان». وفي وقت لاحق، أصبحت المعلومات التي تم الحصول عليها من قبل اللجنة هي الأساس لتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة، التي استخدمت بعضا من خبراء الطب الشرعي باللجنة. وقد جرى العمل في أوفكارا، مثلما كان الحال في المقابر الجماعية الأخرى، بفضل دعم هولندا التي وفرت 65 شخصا عسكريا من سلاح المهندسين ليأخذوا على عاتقهم مسؤولية فتح المقابر واستخراج الجثث. وأسهمت هولندا أيضا في توفير الدعم المالي للتحقيق في حالات الاغتصاب بعد التغلب على العديد من الصعوبات التي اختلقها زاكلين من مكتب المستشار القانوني للأمم المتحدة، والذي سعى مرة أخرى إلى وضع العراقيل بدهاء أمام عمل اللجنة. يعد تقرير اللجنة هو الأطول في تاريخ مجلس الأمن، حيث يتألف من 3500 صفحة، بالإضافة إلى وجود 76000 مستندا مرفقا، ومقاطع فيديو مدتها مئات الساعات، وآلاف الصور، حيث تم منحها جميعا للمدعي بالمحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب. انتهى عمل اللجنة بموجب مرسوم إداري. ولم يتخذ مجلس الأمن على الإطلاق أي قرار لإنهاء عمل اللجنة، وكان القرار متخذا من قبل مكتب المستشار القانوني ذاته، بيد أنه من المؤكد أن ذلك القرار كان بتوجيه القوى الرئيسة في المجلس. وكان ذلك بسبب عمل اللجنة والسجل الحافل الاستدلالي المعتمد على الحقائق الذي صدر عنها بما أدى إلى قيام مجلس الأمن بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب.
اعتبارا من 24 يوليو (تموز) 2013، قامت المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة بمقاضاة 161 فردا، وليس هناك أي هارب. ومن بين هذا العدد أدين 69 شخصا، وبرئ 18 وأحيل 13 شخصا إلى سلطة قضاء وطنية، كما سحب 20 اتهاما من قبل المدعي، في حين تُوفي 16 متهما قبل تحويلهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة أو قبل انتهاء محاكماتهم. هناك 25 حالة من إجراءات التقاضي قيد النظر: حيث يخضع حاليا أربعة متهمين للمحاكمة، ويمثل 21 متهما أمام هيئة الاستئناف.
تعد المحكمة من الهيئات القضائية التي حققت معدلا عاليا من التميز القضائي والعدالة. وستنتهي مهام المحكمة بحلول عام 2014. مما لا ريب فيه أن المحكمة الجنائية الدولية قد أسهمت بصورة لافتة في مجال العدالة الجنائية الدولية. وسيظهر إسهام المحكمة في تحقيق المصالحة بين الأطراف المتحاربة في يوغوسلافيا السابقة في المستقبل، حيث إن الأجيال التالية لتلك الأجيال التي كانت موجودة في الصراع قد يكون لها قرارا بشأن المحكمة يختلف عن رأي الذين عاشوا خلال فترة النزاع.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.


تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
TT

تحركات حكومية يمنية مكثفة لإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية

وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)
وزير الأشغال اليمني يباشر في عدن مهامه الميدانية (سبأ)

مع عودة عدد من وزراء الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدأت المؤسسات الحكومية مرحلة جديدة من النشاط التنفيذي المكثف، عكستها سلسلة اجتماعات وقرارات إصلاحية استهدفت إعادة تفعيل الأداء المؤسسي وتحسين مستوى الخدمات العامة، في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية معقدة تمر بها البلاد.

وتأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتعزيز الحضور الميداني لمؤسسات الدولة وتسريع وتيرة العمل في القطاعات الحيوية المرتبطة بالتنمية والتعافي الاقتصادي المدعوم من السعودية.

في هذا السياق، ترأست وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، الدكتورة أفراح الزوبة، اجتماعاً موسعاً في عدن خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، واستعراض مستوى تنفيذ الخطط والبرامج الحكومية والتحديات التي تواجه عمل الوزارة. وركز الاجتماع على تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين بما يدعم جهود التنمية وتحسين المؤشرات الاقتصادية.

وأكدت الوزيرة أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيرة إلى أن الوزارة تضطلع بدور محوري في إعداد الاستراتيجيات الوطنية وتعزيز أطر الدعم الاقتصادي والتنموي. كما شددت على أهمية تحسين بيئة العمل الداخلية، ووضع خريطة إصلاحات إدارية ومؤسسية تسهم في رفع كفاءة الأداء ومعالجة الاختلالات القائمة.

وزيرة التخطيط والتعاون الدولي بالحكومة اليمنية أفراح الزوبة ترأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وتزامن ذلك مع لقاء جمع قيادة الوزارة بالمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، حيث جرى بحث مواءمة الخطط الإنسانية والتنموية مع أولويات الحكومة، وتفعيل آليات التنسيق المشترك لتجنب الازدواجية في البرامج والمشاريع.

وناقش الاجتماع أيضاً أزمة انخفاض التمويل الدولي، وسبل حشد الدعم لقطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والمياه والأمن الغذائي، إضافة إلى تعزيز مشاريع التعافي المبكر، وبناء قدرة المجتمعات المحلية على الصمود.

وأكدت الوزيرة خلال اللقاء ضرورة أن تُبنى البرامج الأممية على تشاور كامل مع المؤسسات الوطنية، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق أثر مستدام، مع التشديد على أهمية توفير بيئة آمنة للعاملين في المجال الإنساني.

إصلاحات خدمية واقتصادية

في قطاع النقل، أصدر وزير النقل محسن حيدرة قراراً بتشكيل لجنة لمراجعة أسعار تذاكر الطيران في شركة الخطوط الجوية اليمنية وبقية شركات الطيران العاملة في البلاد، بهدف توحيد الأسعار ومعالجة الارتفاع الكبير في تكاليف السفر الجوي مقارنة بالشركات الإقليمية. وكُلّفت اللجنة بتقديم نتائجها خلال أسبوع، في خطوة تعكس استجابة حكومية لشكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار.

وزير النقل اليمني في الحكومة الجديدة محسن حيدرة (سبأ)

أما في قطاع الكهرباء، فقد ترأس وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف اجتماعاً موسعاً لمناقشة الاستعدادات لفصل الصيف، الذي يشهد عادة زيادة كبيرة في الطلب على الطاقة. وناقش الاجتماع خطط الصيانة ورفع الجاهزية التشغيلية لمحطات التوليد وتحسين كفاءة شبكات التوزيع للحد من الانقطاعات، مع التأكيد على بذل أقصى الجهود للتخفيف من معاناة المواطنين.

وفي الإطار الاقتصادي والتنظيمي، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة قرارين بشطب آلاف العلامات التجارية والوكالات غير المحدثة من سجلاتها الرسمية، ضمن إجراءات تهدف إلى تحديث قاعدة البيانات التجارية وتعزيز الشفافية والانضباط المؤسسي. وترى الوزارة أن هذه الخطوة ستسهم في تحسين بيئة الأعمال، ودعم الثقة في السوق المحلية، بما يعزز فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي.

تعزيز الإدارة المحلية

على صعيد الإدارة المحلية، ترأس وزير الإدارة المحلية المهندس بدر باسلمة اجتماعاً موسعاً لمناقشة خطط الوزارة لعام 2026، مع التركيز على تعزيز اللامركزية، وتمكين السلطات المحلية من تقديم الخدمات بكفاءة أعلى.

وأكد الوزير أهمية معالجة ضعف التنسيق بين الحكومة والسلطات المحلية وتصحيح الاختلالات القائمة في المحافظات، بما يسهم في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاستقرار.

وزير الإدارة المحلية اليمني بدر باسلمة يرأس اجتماعاً في عدن (سبأ)

وفي السياق ذاته، عقد وزير الخدمة المدنية والتأمينات سالم العولقي اجتماعاً لمراجعة مستوى الأداء في قطاعات الوزارة، حيث شدد على ضرورة تسهيل الإجراءات الإدارية وتسريع إنجاز معاملات موظفي الدولة، وتعزيز مبادئ الانضباط والشفافية داخل الجهاز الإداري.

وتعكس هذه الاجتماعات المتزامنة توجهاً حكومياً لإعادة تنظيم العمل المؤسسي وتحسين كفاءة الإدارة العامة، عبر التركيز على بناء القدرات البشرية وتطوير آليات التقييم والمتابعة، بما يضمن رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.