لعبة الأزياء... لقاء السياسة وحب الموضة

مظهر السيدة الأولى يعكس ذوقها ويُنعش اقتصاد بلادها

انتصار السيسي  -  ميشيل أوباما وكارلا ساركوزي
انتصار السيسي - ميشيل أوباما وكارلا ساركوزي
TT

لعبة الأزياء... لقاء السياسة وحب الموضة

انتصار السيسي  -  ميشيل أوباما وكارلا ساركوزي
انتصار السيسي - ميشيل أوباما وكارلا ساركوزي

قد يرى البعض أن الموضة سطحية مقارنة بالسياسة. فهي مجرد أزياء بألوان معينة وإكسسوارات أنيقة لتلميع الصورة، لكن الحقيقة مغايرة تماماً. فهي سلاح أي امرأة ما البال إذا كانت سياسية أو سيدة أولى كل ما تلبسه يكون تحت المجهر. فقد أصبح من المتعارف عليه الآن أن صورة السيدة الأولى قد تكشف عن بعض أسرار السلطة، فيما يتعلق بسياسات وتوجهات زوجها.
لهذا ليس غريباً أن تكون أول مهمة تتحملها زوجات الرؤساء هي اختيارهن أزياءهن. ففي الوقت الذي ينشغل رئيس الدولة بطرح سياساته واستراتيجياته، تقوم هي بالشيء ذاته، من خلال القصات والألوان والإكسسوارات؛ الأمر الذي يفسر الصفحات الكثيرة التي تخصصها الصحف والمجلات لوصفها وتحليلها: هل هي مبتكرة؟ هل تلتزم بالبرتوكول؟، هل تدعم قضايا المرأة؟ هل تشير إلى أنها امرأة مثقفة، أم سيدة مجتمع مخملي فقط؟ هذه وأسئلة كثيرة تؤكد أهمية الأزياء لغةً قويةً لا يمكن الاستهانة بها.
ولا يبعد الاقتصاد عن دور السياسة والمجتمع؛ إذ من غير اللائق أن تظهر زوجة الرئيس بأزياء ومجوهرات مترفة إذا كانت الدولة تعاني مشكلات اقتصادية وتطالب شعبها بتبني سياسات تقشفية. وفي سابقة سجلها التاريخ، غضب الشعب الأميركي حينما ظهرت ماري تود لينكولن، زوجة رئيس الولايات المتحدة السادس عشر أبراهام لينكولن، بفساتين مُترفة تصل تكلفتها إلى ألفي دولار، وهو مبلغ ضخم آنذاك، في وقت كانت البلاد تخوض حرباً أهلية. دافعت السيدة لينكولن حينها عن نفسها قائلة، إن فساتينها المترفة ترفع الروح المعنوية للرئيس الأميركي. طبعاً لم يكن تبريرها مقنعاً بالنسبة لشعب كان يعاني صراعات داخلية طاحنة.
وكما تصنع إطلالة السيدة الأولى أزمات إن لم تكن محسوبة بدقة، فعلى صعيد آخر قد تكون سبب لرضا شعبي تحظى به زوجة الرئيس، مثل ما وقع مع السيدة الأولى لأيسلندا، إليزا ريد، التي خطت خطوة جريئة عندما ظهرت بملابس مستعملة في إحدى المناسبات العامة. واللافت، أنها هي من صرحت بهذا الأمر، حين كتبت على صفحتها الخاصة في «فيسبوك» بأنها اشترت السترة التي ظهرت بها ونالت إعجاباً جماهيرياً من متجر خيري تابع للصليب الأحمر. وكان لهذا الموقف صدى شعبي كبير، حتى أن الصليب الأحمر كتب رسالة شكر وامتنان لموقف السيدة الأولى.
يقول خبير البرتوكول الدولي والمراسم طارق عبد العزيز، لـ«الشرق الأوسط»، إن «إطلالة السيدة الأولى تختلف بحسب النظام السياسي للدولة، فهناك دولة شيوعية، وأخرى إما جمهورية أو ملكية أو علمانية أو محافظة. ولكل نمط سياسي خط من الموضة يعبر عنه وتلتزم السيدة الأولى بشروطه. وهذا يعني أن الأمر يختلف بحسب الدولة ونظامها السياسي والاجتماعي، إلى جانب الذوق الشخصي».
ولا شك أن هناك قواعد غير معلنة في لعبة أزياء السيدة الأولى؛ لأن متابعاتنا لحملة هيلاري كلينتون ثم ردود أفعال أوساط الموضة بعد دخول ميلانيا ترمب البيت الأبيض الأميركي والمقارنات الكثيرة مع سابقاتها، مثل ميشيل أوباما وجاكلين كينيدي تعكس شخصياتهن وأيضاً طرق تفكيرهن. وهو ما يؤكد أن الأمر لا يتعلق بالصيحات الحديثة وقواعد الأناقة فحسب، بل ببعد سياسي واجتماعي. طبعاً، تختلف البلدان في عاداتها وتقاليدها، لكن تظل هناك ركائز أساسية تحدد الموضة المناسبة للسيدة التي تتقلد هذا المنصب الرفيع، أهمها العادات والتقاليد الشعبية؛ فهناك من ترتدي عمائم أو تيجاناً، وهناك من ترتدي فساتين بأسلوب باريس أو حجاباً وهكذا. وفي النهاية تُقيّم السيدة الأولى بحسب عرف بلدها، وبين نساء مُبعدات عن الحياة العامة وأخريات أصبحن أيقونات في تاريخ الموضة والسياسة حكايات ولقطات تستحق التوقف.
يقول طارق عبد العزيز، الذي كان يعمل بالقصر الجمهوري في مصر، إن «ما يحدث خلف أبواب القصور يثير الفضول، وربما تنسج من حوله أساطير ليس لها علاقة بالواقع، فبحكم عملي داخل قصر الرئاسة المصري في فترة حكم الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، لم أرصد أن السيدة الأولى في ذلك الوقت، السيدة سوزان مبارك، كان لديها فريق لاختيار ملابسها كما يدعي البعض، بينما كان الأمر يخضع لذوقها وحريتها الشخصية».
ولا شك أن هذا الأمر لا ينطبق على السيدات الأوائل في أغلب الدول، ولا سيما الدول الغربية التي تتعامل مع إطلالة زوجة الرئيس بعناية شديدة. وحتى على مستوى الدول العربية، شهدنا أيقونات موضة مثل ملكة الأردن رانيا العبد الله، التي ترصد كثير من المجلات الغربية والعربية تحركاتها لتحلل ملابسها وإكسسوارتها.
«صحيح أن السيدة الأولى يعنيها تحقيق التوازن بين الموضة والأناقة وقواعد المجتمع وقوانين البرتوكول، لكن إذا خرجت السيدة الأولى للعامة وأصبحت جزءاً من الحياة الاجتماعية يقع عليها دور أكبر يتمثل في دعم صناعة الموضة في بلادها» هكذا ترى السيدة سوزان ثابت، رئيسة تحرير مجلة «باشن» وإحدى المصريات المعنيات بصناعة الموضة. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك كثيراً من الأمثلة الغربية التي حققت طفرة في صناعة الموضة في بلادها، مثل جاكلين كندي التي تعتبر واحدة من أكثر زوجات الرؤساء أناقة، وكان لها دور في دعم دور الأزياء الأميركية التي كانت وقتذاك لا تنافس الدور الأوروبية مثل «ديور» و«شانيل». وتضيف «حتى وقتنا هذا ما زالت جاكي كيندي أيقونة للموضة نتذكرها مع كل حفل تنصيب لأي رئيس أميركي جديد».
ويبدو أن دور السيدة الأولى وتأثيرها في صناعة الموضة، لم يكن مفهوماً حديثاً على الإطلاق، فمنذ العصر الملكي في مصر، حسب سوزان ثابت، كان للمنتج المصري أهمية، وتشرح «كانت هناك مصانع إنتاج محلي حاصلة على التاج الملكي، أي أنها تقدم قطع خاصة للعائلة المالكة. من أشهر الملكات اللاتي ارتدين صناعة مصرية الملكة فريدة».
الحديث عن أناقة السيدة الأولى في الوقت الحالي يجرنا للحديث عند الملكة رانيا التي ترتدي من أهم دور الأزياء العالمية مثل: «فيراغامو»، «ألكسندر ماكوين»، «برابال غورونغ»، «فالنتينو»، «فندي»، »سيلين، «جيفنشي»، «فيرساتشي»، «برادا»، وغيرها من العلامات الكبرى في عالم الموضة، لكنها لا تغفل أن تدعم صناعة بلدها فظهرت في أكثر من مناسبة قومية بالقفطان الأردني المميز، كما أنها ترتدي في كثير من المناسبات ملابس من تصميم مصممة الأزياء الأردنية هاما الحناوي، كذلك ظهرت بمجموعة مجوهرات من تصميم المصممة الفلسطينية ديما رشيد، ومصمم المجوهرات اللبناني رالف مصري وقبلهم بحقيبة من ماركة سارة بيضون اللبنانية. مؤخراً أثارت ضجة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي بعد ظهورها بفستان «سيرافيما» من علامة Layeur خلال احتفالات الذكرى الثانية والسبعين لاستقلال الأردن. وكان عبارة عن فستان حريري متوسط الطول يزهو بلونين يستحضران تألق المجوهرات مع ياقة عالية وأكمام بتصميم متباين.
أما في مصر، فيشيد خبير البروتوكول الرئاسي طارق عبد العزيز، بموقف السيدة الأولى الحالية، انتصار السيسي، التي ظهرت بإطلالة مصرية 100 في المائة خلال منتدى الشباب العالمي الذي أقيم بشرم الشيخ العام الماضي. فقد أطلت بجاكيت من تصميم المصرية مرمر حليم، وحقيبة بتوقيع دار «أختين» المصرية. ويتابع: «لم تكن الإطلالة فقط هي ما تعكس ذكاء ودعم وبساطة السيدة الأولى، بل ملاءمته للمناسبة، وهكذا تمكنت بلفتة بسيطة أن تدعم مصممين مصريين شباباً، وأن تكشف الستار عن منتج مصري يحاول أن يدخل المنافسة في أهم محافل الموضة العالمية».
وتلتقط سوزان ثابت الحديث لتؤكد على دور السيدة الأولى في دعم المصممين المحليين بقولها، إن سيدة مصر الأولى ظهرت في مناسبة أخرى بإطلالة بتوقيع مصممين مصريين شباب. كانت المناسبة تأدية مراسم حلف اليمين لتنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي لفترة رئاسية ثانية، حيث ارتدت زياً من تصميم المصممة ياسمين يحيى، وفي مناسبات أخرى بمنتجات للمصممات شهيرة وسارة لاشين، ومرمر حليم، وأيضاً دار «مانويا» للحقائب ودار «ميزورا» للأحذية.
وإذا كانت فكرة ارتداء السيدة الأولى من ماركات محلية حديثة نسبياً في مصر، فإن هذا الأمر يعد قاعدة لدى القصر الملكي البريطاني، حسب رأي سوزان ثابت. فكل ملابس الملكة إليزابيث صناعة إنجليزية، كما أن الأميرة الراحلة ديانا وكيت ميدلتون ومؤخراً ميغان ماركل، ارتدين فساتين زفافهن من مصممين بريطانيين. هذا لا يمنع أنه يُسمح لهن بالتنوع في الإطلالات اليومية واختيار أزياء من بيوت عالمية، خصوصاً إذا كن في زيارات رسمية، لكن يخضع اختيار الفستان الأبيض إلى قوانين محددة أكثر. الأمر نفسه ينطبق على القصر الملكي في السويد.
وكما نُسب لجاكلين كيندي دورها البارز في دعم دور الأزياء الأميركية، كذلك اعتمدت ميشيل أوباما، السيدة الأولى السابقة، في كثير من المحافل القومية والدولية على تصاميم بتوقيع مصممين أميركيين شباب؛ بهدف دعمهم، مثل تريسي ريس، التي صرحت في عام 2012 أنها تلقت طلبات هائلة لتنفيذ فستان ميشيل أوباما الذي ظهرت به خلال في مؤتمر الحزب الديمقراطي، ونارسيسو رودريغيز، وهلمّ جراً.
وحتى إن كانت السيدة الأولى الحالية للولايات المتحدة الأميركية، ميلانيا ترمب، تُعلي مفهوم الأناقة على دورها في دعم صناعة الموضة الأميركية، إلا أنها لم تغفل هذه الدور في حفل تنصيب زوجها الرئيس دونالد ترمب، حيث ظهرت بإطلالة بتوقيع المصمم الأميركي «رالف لوران». لكنها لم تسلم من الانتقادات، حيث أشارت وقتذاك بعض التقارير الصحافية العالمية إلى التشابه الكبير بين إطلالة ميلانيا ترمب وإطلالة جاكلين كينيدي في حفل تنصيب زوجها الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي عام 1961، واُتهمت ميلانيا حينها بالتقليد وعدم الابتكار. ومع ذلك، وصلت رسالتها إلى العالم، وهي رسالة بليغة تشير إلى أنها تريد أن تعيد أناقة جاكلين كينيدي إلى البيت الأبيض. وبما أن فرنسا كانت ولا تزال مهد الموضة وموطن كبرى علامات الأزياء، فإن أي سيدة أولى تدخل قصر الإليزيه تجد نفسها أمام خيارات كثيرة، وبالتالي لا تحتاج إلى ماركات من دول أخرى. تذكر سوزان ثابت، أن كارلا بروني ساركوزي، زوجة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، كانت من أكثر زوجات الرؤساء في فرنسا حرصاً على الظهور بإطلالات من دور أزياء فرنسية، ربما لأن الموضة كانت تعني لها الكثير، فقد كانت كارلا عارضة أزياء شهيرة قبل أن تصبح سيدة أولى.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.