روحاني يطالب بحوار إقليمي... وقادة «الحرس» يتمسكون بالصواريخ والنفوذ الخارجي

متظاهرون في طهران يتهمون مسؤول البرنامج النووي الإيراني بـ«الخيانة»

الرئيس الإيراني حسن روحاني لدى وصوله إلى تشينغداو للمشاركة في قمة شنغهاي أمس (رويترز)
الرئيس الإيراني حسن روحاني لدى وصوله إلى تشينغداو للمشاركة في قمة شنغهاي أمس (رويترز)
TT

روحاني يطالب بحوار إقليمي... وقادة «الحرس» يتمسكون بالصواريخ والنفوذ الخارجي

الرئيس الإيراني حسن روحاني لدى وصوله إلى تشينغداو للمشاركة في قمة شنغهاي أمس (رويترز)
الرئيس الإيراني حسن روحاني لدى وصوله إلى تشينغداو للمشاركة في قمة شنغهاي أمس (رويترز)

بينما أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، لدى مغادرته طهران إلى قمة شنغهاي عن رغبته بحوار إقليمي ومتابعة الحلول السياسية لحل الأزمات الإقليمية لدى انتقاده «أحادية القرار الأميركي» واتهامه واشنطن بنقض القرار الأممي 2231. شهدت طهران أمس غلياناً من المواقف المتشددة لقادة الحرس الثوري على هامش مسيرة «يوم القدس» حول برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإيراني الإقليمي ومواقف الإدارة الأميركية. كما برزت شعارات منددة بسياسة الحكومة الإيرانية وأحاط متظاهرون غاضبون برئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي واتهموه بـ«خيانة إيران».
ومن المفترض أن يبحث روحاني في الأيام المقبلة تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في لقاءات منفصلة مع نظيره الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين فضلا عن رئيسي الهند وباكستان.
والصين وروسيا من بين مجموعة 5+1 التي توصلت إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي في يوليو (تموز) 2015. وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف توجه إلى بكين وموسكو عقب أيام قليلة من الانسحاب الأميركي لبحث موقف تلك الدول من عودة العقوبات الأميركية ولدى العودة قال ظريف إنه أجرى مفاوضات معقدة.
وتأتي زيارة روحاني في وقت تشهد إيران نقاشا محتدما بين فريقين يميل الأول إلى علاقات مع الدول الأوروبية عبر تعميق الشركة الاقتصادية للضغط على الولايات المتحدة ويمثله روحاني وظريف، وفريق آخر يطالب بتعميق العلاقات مع الصين وروسيا تحت عنوان التوجه نحو الشرق ويرفع لواء هذا كبار مستشاري المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي ورحيم صفوي.
وتجمع الفريقين مواقف من تنازلات قد تقدمها الصين وروسيا بعد عودة العقوبات ويرى الإيرانيون أن الصين تبتعد في الشهور القليلة الماضية من طهران باتجاه واشنطن نتيجة الضغوط الاقتصادية للإدارة الأميركية. كما يخشى الإيرانيون أن يكونوا أحد ضحايا تطلعات روسيا لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا. والمفارقة أن روسيا أيضا تخشى محاولات الإدارة الأميركية لعرقلة أنبوب الغاز.
وقال في هذا الصدد: «سأبحث مع قادة هذه الدول القضايا المطروحة (في الاتفاق النووي)، إيران تعتقد دوما بحل القضايا المعقدة الإقليمية عبر الحل السياسي» ودعا إلى مؤتمرات إقليمية وتوسيع هامش الدبلوماسية «للوصول إلى منطقة أكثر قوة وأمانا».
وجدد روحاني احتجاجه على انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي مع إيران، مشيرا إلى أن قرار واشنطن بالخروج من «الاتفاقية الدولية أحادي الجانب ومن دون دليل يذكر» واعتبر انسحاب ترمب «إساءة لدول العالم». وزعم أن «أغلب الدول أدانت الخروج الأميركي» مضيفا أن «النهج المتبع من الولايات المتحدة نهج خطر في العلاقات الدولية عبر تضعيف الاتفاق النووي». وقال: «يجب على الدول ألا تصمت إزاء هذا العمل المعارض للقانون».
وعن يوم «القدس» في إيران قال روحاني إن «إسرائيل لا يمكن أن تشعر بأمان في أي وقت بأنها وصلت إلى مكان آمن ويجب أن تعرف بأنها غاصبة وظالمة ولن يكف شعب عن أرض آبائه وأجداده».
ورد المتحدث باسم الخارجية الإيراني بهرام قاسمي، أمس على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقال إنه «ما دامت الولايات المتحدة لم تستخدم لغة التكريم بدلا من لغة التهديد والعقوبات مقابل عظمة الشعب العريق والمتحضر والمنطق الإيراني فإنه لا يوجد أفق للحوار على أي صعيد مع النظام الأميركي».
وجدد ترمب أول من أمس قوله بأن الولايات المتحدة مصممة على فرض عقوبات لم يسبق فرضها على الدول في السابق.
لكن نائب الرئيس الإيراني، إسحاق جهانغيري حاول توجيه رسالة إلى الإدارة الأميركية على هامش مشاركته في مسيرة «يوم القدس»، مشيرا إلى أن طهران «مستعدة» لتطابق خططها مع كل الأوضاع واعتبر الانسحاب من الاتفاق النووي «فضيحة» للإدارة الأميركية متوعدا بـ«رد مناسب» من إيران.
ومن جانب آخر، أراد جهانغيري طمأنة الإيرانيين بأن الحكومة «تعتمد» على الشعب «لتخطي العقوبات والاتجاه بالبلاد نحو المطلوب».
ومع ذلك، دعا جهانغيري إلى أهمية الشفافية ومصارحة الإيرانيين حول الأوضاع التي تواجه البلاد.
بموازاة ذلك، أطلق مشاركون في مظاهرة «يوم القدس» شعارات ضد رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية علي أكبر صالحي وسياسة الحكومة في إبرام الاتفاق النووي وأفادت وسائل إعلام إيرانية إن متظاهرين أطلقوا شعارات تتهم صالحي بـ«خيانة إيران» و«الموت للمنافق».
وكانت شعارات أطلقت ضد الرئيس الإيراني ونائب رئيس البرلمان علي مطهري في مظاهرة العام الماضي أثارت جدلا واسعا في إيران.
وعلى خلاف مواقف الحكومة، لجأ خطيب جمعة طهران أحمد خاتمي، إلى أساليب الخطابة والبلاغة لتوجيه سهام انتقاداته إلى إدارة روحاني ضمن هجوم شديد اللهجة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وشبّه خاتمي جولة نتنياهو بمن «يستجدون السياسة في أوروبا» وذلك في إشارة إلى رغبة أطراف سياسية في إيران تمثلها الحكومة بتهدئة الأوضاع مع الدول الأوروبية وقال بأن «شعار الموت لأميركا ولإسرائيل يعني الحرب عليهما».
وشدد خاتمي على أن «القوة الصاروخية من محاور الوحدة» في إيران نافيا وجود أي انقسام بين المرشد الإيراني والمسؤولين حول الصواريخ ولفت إلى أن البرنامج الصاروخي «الورقة الرابحة بيد إيران سننتج ما نريد من صواريخ ونزيد مداها».
وأنكر خاتمي في الوقت نفسه أن تكون إيران شهدت على مدى أربعين عاما أزمات داخلية بما فيها أيام حرب الخليج الأولى.
واتهم خاتمي الولايات المتحدة وأوروبا بتقاسم الأدوار وقال: «العدو يريد أن يفرض علينا اتفاقا ناقصا، يعني أن نتحمل العقوبات وأن نكف عن البرنامج النووي، هذا حلم واهٍ، قوتنا من الصواريخ والنفوذ الإقليمي والأنشطة النووية بعيدا عن الأغراض العسكرية» بحسب ما نقلت عنه وكالة مهر الحكومية.
في نفس الاتجاه، قال نائب قائد الحرس الثوري، حسين سلامي في صلاة جمعة مدينة مشهد شمال شرقي إيران، إن بلاده ستواصل تطوير الصواريخ الباليستية وأضاف أنه «يمكننا زيادة قوتنا إلى مستوى لن يتمكن الأعداء استخدام لغة التهديد».
ودافع نائب قائد «الحرس الثوري» الإيراني عن دور قوات إيران في سوريا ولا سيما تبادل الهجمات بين إسرائيل والقوات الإيرانية والجماعات المتحالفة معها وأشار إلى مقتل عدد من القوات الإيرانية في قاعدة تي_4 عندما تعرضت لقصف إسرائيل وقال إن «الإسرائيليين ظنوا أنهم لن يتلقوا رادع على الهجوم وأن الدعم الإسرائيلي والبريطاني والأميركي من الممكن أن يؤدي إلى ضغوط روسية على جبهة المقاومة في عملية إطلاق الصواريخ. أعلنوا في حال الرد سيسقطون بشار الأسد وسيدمرون سوريا. لكن تلقوا الرد في الجولان... أبلغنا إسرائيل بأن تل أبيب ستسوى بالتراب في حال الرد. توقفوا ولم يرتكبوا غلطة» وفقا لوكالة فارس المنبر الإعلامي لـ«الحرس الثوري».
سليماني: التطورات الإقليمية خدمت إيران بدوره، قال قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» قاسم سليماني إن التطورات الإقليمية تصب في مصلحة إيران مشيرا إلى الانتخابات البرلمانية في لبنان قال: «حزب الله تحول من حزب مقاوم إلى دولة مقاومة» بعد الانتخابات.
أما عن العراق، فقال سليماني إن نتيجة الانتخابات «أدت إلى تشكيل أقرب حكومة لإيران». قبل أن يوجه انتقادات ضمنية لأطراف داخلية تعارض استراتيجيته، قائلا: «هذه الانتصارات يجب أن يتحدث عنها المحللون لماذا البعض يدلي بتصريحات لا حقيقة لها». وصرح بأن الخطوات التي تتخذها دول تطالب باحتواء تهديدات إيران الإقليمية «ستتضمن أكبر الانتصارات لإيران».
وفي إشارة إلى الأزمات الداخلية التي تواجه النظام الإيراني دعا سليماني إلى «عدم الخوف من المواجهة والتخطي». وقال: «أقول عن تجربة بأن فرصا تكمن في الأزمات لا تتضمنها نفس الفرص ذاتها» وادعى أن إيران حصلت على أهم الفرص في الأزمات.
وإشار سليماني إلى الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدتها إيران على مدى الشهور الستة الماضية. ونزل مئات آلاف الإيرانيين الغاضبين من تدهور الأوضاع المعيشية إلى شوارع أكثر من 80 مدينة في يناير (كانون الثاني) الماضي وهي أكبر موجة احتجاجات عفوية تشهدها البلاد في حين تستعد السلطات لإحياء الذكرى الأربعين للثورة.
رفض المساومة على الصواريخ بدوره، قال مستشار المرشد الإيراني في الشؤون العسكرية حسن فيروز آبادي إن «الدرع الصاروخي الإسرائيلي يشبه المزحة» مشيرا إلى أنه «تعرض لاختبار من الصواريخ وقاذفات صواريخ الكاتيوشا وطائرات الدرون».
كما وجه فيروز آبادي تهديدات ضمنية إلى دول جوار إيران وفي إشارة إلى برنامج الصواريخ الباليستية أوضح «أن صواريخ الباتريوت لم تنج في الاختبار» مضيفا أنها «أظهرت بإمكانها التصدي لصاروخ لكنها لا يمكنها مواجهة الصواريخ».
أما اللواء علي حاجي زادة قائد قوات جو الفضاء المسؤولة عن الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» فهاجم أطرافا داخلية تنتقد تمسك إيران بالبرنامج الصاروخي واتهمها بتكرار مواقف الأعداء في داخل إيران مضيفا: «إنها إما لا تفهم أو لا تعرف بأنها تقف في جبهة الأعداء».
من جهته قال رئيس مركز أبحاث الدراسات الاستراتيجية في الجيش الإيراني، أمير بوردستان، إن إيران «لن تقبل التفاوض والمساومة على تطوير الصواريخ الباليستية مشددا على أن بلاده تتابع بسرعة تطوير قدراتها الصاروخية بالتناسب مع حاجاتها».
وعن أهداف إيران قال إن «عقيدتنا السياسية العسكرية في إيران دفاعية». وقال: «إذا سعينا وراء الصواريخ نريد استخدامها في الدفاع ونريد ردع الدول المتوهمة بمهاجمتنا».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.