بلجيكا تعزز فرضية الدافع الإرهابي في هجوم لييج

تفتيش زنزانة قاتل الشرطيتين ومنزل والدته بحثاً عن أدلة على تطرفه... و«داعش» تبنى الاعتداء

تجمع تضامني لزملاء الطالب سيريل فانغريكين البالغ 22 سنة والذي قُتل إلى جانب الشرطيتين في اعتداء لييج بشرق بلجيكا أول من أمس (أ.ف.ب)
تجمع تضامني لزملاء الطالب سيريل فانغريكين البالغ 22 سنة والذي قُتل إلى جانب الشرطيتين في اعتداء لييج بشرق بلجيكا أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

بلجيكا تعزز فرضية الدافع الإرهابي في هجوم لييج

تجمع تضامني لزملاء الطالب سيريل فانغريكين البالغ 22 سنة والذي قُتل إلى جانب الشرطيتين في اعتداء لييج بشرق بلجيكا أول من أمس (أ.ف.ب)
تجمع تضامني لزملاء الطالب سيريل فانغريكين البالغ 22 سنة والذي قُتل إلى جانب الشرطيتين في اعتداء لييج بشرق بلجيكا أول من أمس (أ.ف.ب)

قال مكتب التحقيقات الفيدرالي البلجيكي، أمس الأربعاء، إنه لا يستبعد أن يكون الهجوم المسلّح الذي وقع في لييج شرق بلجيكا صباح الثلاثاء «عملاً إرهابياً»، في تعزيز لهذه الفرضية التي انتشرت في وسائل الإعلام المحلية مباشرة بعد وقوع الاعتداء الذي تسبب في مقتل شرطيتين ومدني، بالإضافة إلى المهاجم نفسه الذي يُشتبه بتورطه في جريمة قتل أخرى.
وشكّل الاعتداء الذي وقع في مدينة لييج الصناعية صدمة حيث قام مهاجم مسلح بسكين بطعن شرطيتين مرات عدة، قبل أن يستخدم أسلحتهما النارية للإجهاز عليهما، في أسلوب روجت له بحسب المحققين تسجيلات مصورة نشرها تنظيم «داعش» عبر الإنترنت، بحسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية، أمس. وأضافت الوكالة أن الشرطة تحاول جاهدة الكشف عن دوافع المهاجم الذي تم التعريف عنه على أنه بنجامين هيرمان، وهو مشرد يبلغ من العمر 31 عاماً، وأودع السجن مرات عدة لارتكابه أعمال عنف وجرائم صغيرة. وعند ارتكابه الاعتداء، كان خارجاً من السجن بموجب إذن لفترة وجيزة.
وقال المتحدث باسم المكتب التحقيقات (النيابة البلجيكية)، ايريك فاندير سبت، في مؤتمر صحافي، إن التحقيق في عملية الهجوم بدأ على أساس فرضية أن له علاقة بالإرهاب بناء على أسلوب عمل تنظيم «داعش» الذي يدعو مؤيديه إلى مهاجمة عناصر الشرطة واستخدام أسلحتهم الرسمية لقتلهم، وهو ما قام به المهاجم هيرمان.
وحول وجود اتصالات بين هيرمان وأشخاص متطرفين داخل السجن، وأيضاً ما تردد بشأن ترديده «الله أكبر» أثناء الهجوم على الشرطيين، قال المتحدث إن التحقيق يشمل فعلاً مدى ارتباط منفذ الهجوم بتنظيم «داعش». وخلال إجابته عن أسئلة الصحافيين، قال المتحدث إن الحقائق تشير إلى أن الاعتداء «جريمة قتل إرهابية ومحاولة قتل إرهابية». وأضاف أن التقييم مبني على «عناصر أولية» من التحقيق بما في ذلك «حقيقة أن المهاجم صرخ الله أكبر مرات عدة (...) والمعلومات الواردة من أمن الدولة التي تفيد أنه كان على اتصال بأشخاص تطرفوا»، بحسب ما ذكرت الوكالة الفرنسية. لكن المتحدث حذّر من أنه لم يتم التأكد من صحة هذه المعلومات التي تعود إلى «أواخر عام 2016 ومطلع 2017».
وأكد المدعون أن أسلوب المهاجم المتمثل بالاعتداء على عناصر مسلحين من الشرطة، واستخدام سلاحهم ضدهم هو أسلوب معروف لدى «داعش» الذي أعلن مسؤوليته عن اعتداءات دامية وقعت في بروكسل عام 2016.

وأظهر تسجيل مصور حصلت عليه وكالة الصحافة الفرنسية رجلاً يصرخ «الله أكبر»، وهو يسير في شوارع لييج خلال الهجوم. وفي تسجيل آخر، ظهر المشتبه به أثناء فراره من مدرسة اختبأ فيها، قبل أن تبدأ الشرطة إطلاق النار عليه بشكل كثيف ويسقط أرضاً. لكن وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون دعا إلى توخي الحذر في الإشارة إلى أن الاعتداء يحمل طابعاً متطرفاً.
وقال لإذاعة «آر تي إل»: «هناك مؤشرات إلى حدوث تطرف في السجن لكن هل هذا التطرف أدى إلى هذه الأفعال؟»، داعياً إلى «انتظار نتائج التحقيق».
وتم إيلاء اهتمام خاص لعملية قتل مروعة بواسطة مطرقة لشخص يُشتبه بأنه تاجر هيروين على ارتباط بهيرمان وقعت في وقت متقدم الاثنين في قرية قرب حدود لوكسمبورغ. وقالت الوكالة الفرنسية إن المحققين عثروا الثلاثاء على المطرقة في سيارة هيرمان، وأفاد جامبون بأن الشرطة تعتقد أن مهاجم لييج هو الذين نفذ جريمة القتل بعد ساعات فقط من الإفراج المؤقت عنه من السجن.
وأكدت النيابة أن التحقيق جار لمعرفة إن كان هيرمان على ارتباط بالقضية مشيرة إلى أنه تحقيق منفصل.
وإضافة إلى الشرطيتين، أطلق المهاجم النار على طالب يبلغ من العمر 22 عاماً كان جالساً في سيارة متوقفة وسط لييج وأرداه قتيلاً. واحتجز لاحقاً عاملة تنظيف في مدرسة قريبة تضم مئات التلاميذ تتراوح أعمارهم بين عامين و18 عاماً كرهينة.
وتم التعريف عن الشرطيتين اللتين قتلتا على أنهما لوسيل غارسيا، وهي جدة تبلغ من العمر 53 عاماً، وثريا بالقاسمي البالغة 45 عاماً، وهي أم لتوأم يبلغان من العمر 13 عاماً.
وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن حدة النقاش المرتبط بسياسة السجون في البلاد ارتفعت وسط تقارير بأن هيرمان خالف مراراً شروط إذن خروجه المؤقت من السجن قبيل الإفراج الكامل عنه المتوقع في 2020.
وقال وزير العدل البلجيكي كوين غينز لإذاعة «آر تي بي إف»: «أشعر بالمسؤولية كوني مسؤولاً عن السجون».
وشهدت لييج في 2011 عملية إطلاق نار أخرى دامية عندما قتل شخص مُدان ستة أشخاص، وأصاب أكثر من 120 بجروح قبل أن ينتحر.
وأكدت شرطة لييج الثلاثاء أنه كان «من الواضح أن هدف القاتل كان مهاجمة الشرطة». وأضافت أن أحد الشرطيين الأربعة الجرحى تعرض لإصابة بالغة في ساقه.
وأجرت السلطات البلجيكية في الساعات الماضية عمليات تفتيش للزنزانة التي كان يقيم فيها بنيامين قبل الخروج من السجن لقضاء عطلة، كما فتَّشَت منزل والدته الذي يذهب إليه عند خروجه من مقر الاعتقال لقضاء العطلات، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام في بروكسل. ويُعتقد أن المحققين يحاولون البحث عن أدلة تشير إلى أن بنيامين تأثر بالفكر المتطرف في السجن خلال الفترة الأخيرة.
واصدر تنظيم «داعش» بياناً مساء أمس أعلن فيه مسؤوليته عن الهجوم، على غرار تبنيه لهجمات أخرى نفذها أشخاص بمفردهم في أوروبا.
وأكد مصدر أمني بلجيكي لـ«رويترز» أن هيرمان تحوّل إلى الإسلام أثناء اعتقاله، ويعتقد أنه تبنى أفكاراً متطرفة. وقد يكون هيرمان، الذي دخل السجن وخرج منه مرات عدة منذ 2003، قد وجد سبيلاً إلى العنف الذي أثار مخاوف من أن تصبح سجون أوروبا حاضنات للفكر المتطرف.
وقال وزير العدل جينس إن هذه كانت المرة الرابعة عشرة التي يسمح له فيها بالخروج من السجن بشكل مؤقت لتحضيره لإطلاق سراحه والاندماج في المجتمع.
وندد رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل بـ«العنف الجبان والأعمى» في هجوم الثلاثاء. وتعيش بلجيكا حالة استنفار قصوى منذ تفكيك خلية إرهابية في بلدة فيرفييه في يناير (كانون الثاني) 2015 كانت تخطط لشن هجوم على قوات الشرطة. وكانت الخلية على ارتباط بعبد الحميد أباعود العقل المدبر لاعتداءات نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 في باريس، التي راح ضحيتها 130 شخصاً وتبناها تنظيم «داعش». واستهدفت اعتداءات انتحارية نفذها «داعش» لاحقاً مطار بروكسل ومحطة قطارات فيها، ما أسفر عن مقتل 32 شخصاً في مارس (آذار) 2016. وفي 6 أغسطس (آب) 2016، هاجم شخص شرطيتين بساطور، هاتفياً «الله أكبر» في بلدة شارلروا قبل أن تقتله قوات الأمن.
وفي القاهرة، أدانت مصر، في بيان صادر عن وزارة الخارجية، أمس، جريمة مدينة لييج. وجدد البيان التأكيد على «موقف مصر الثابت والرافض لكل صور وأشكال الإرهاب وترويع الآمنين أياً كانت أسبابه ومبرراته، وأهمية تكاتف المجتمع الدولي للتصدي لظاهرة الإرهاب بكل حزم وقوة»، مشدداً على «وقوف مصر بجانب الحكومة البلجيكية والشعب البلجيكي الصديق».
وفي السياق ذاته، دان الأزهر بشدة الحادث، وأكد في بيان أن «استهداف الأبرياء وترويع الآمنين عمل جبان وجريمة بغيضة تعد من الإفساد في الأرض»، مشدداً على أن الأديان السماوية «ترفض سفك الدماء». وطالب بضرورة «تضافر الجهود الدولية للقضاء على مثل هذه الأعمال الإرهابية واستئصال خطرها الذي يهدد السلام العالمي».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...