فلاسفة مقاهٍ وصعاليك حالمون كتبوا أسطورة 1968

50 عاماً على {ثورة} الطلاب الفرنسيين التي غيَّرت شرق أوروبا لاحقاً

جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
TT

فلاسفة مقاهٍ وصعاليك حالمون كتبوا أسطورة 1968

جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968

بينما كان العالم يترنح من ثقل صراعات الحرب الباردة انسل الفرنسيون بأناقتهم المعهودة ليصادروا العام 1968 من الآخرين، فضمّوه إلى تاريخهم أيقونة تكاد تداني في ألقها مجموعة أيقوناتهم الموروثة الأثمن: الثورة الفرنسيّة 1789 وكميونة باريس 1871 ومعركة تحرير باريس 1944 خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن أحداث ليلة 11 - 12 مايو (أيار) من ذلك العام في باريس، عندما حاصرت قوات الأمن الفرنسيّة الطلّاب المتظاهرين في مربع حول بوليفار سانت ميشيل ليتصدى لها هؤلاء ببناء متاريس على حدود منطقة أعلنوها محررة، قد انتهت سريعاً، وأن العمال المُضربين تضامناً مع الطلاب قد توصلوا إلى اتفاق مع السلطة خلال ثلاثة أسابيع من ليلة المتاريس تلك، إلا أن المشاهد المصورّة التي وثّقت تلك المرحلة صارت كما سجلّ ذاكرة للعالم أجمع، تستدعي كلما عُرضت مشاعر متناقضة لجيل كامل عبر الكوكب استيقظ ذات صيف ليجد نفسه في مواجهة خاسرة مع هيكليات السلطة جميعاً: جيل الآباء، والطغم اليمينية الحاكمة، والثقافات الذكورية والعنصريات المتجذرة. لكن الحقيقة أن ليلة المتاريس الباريسيّة تلك لم تكن واقعاً سوى رمز اختصر عقداً كاملاً من الصراعات المحلية بين القلة وبين الأكثرية في المجتمعات الرأسمالية عبر الغرب وفي أميركا اللاتينية أيضاً، حتى عُرف عند المؤرخين بـ«العقد الأحمر».
أحداث 1968 وجدت طريقها سريعاً إلى عشرات الكتب والدراسات والمذكرات، لا سيّما أن أغلبية المنخرطين في المواجهات داخل فرنسا - وبريطانيا كذلك - كانوا طلاباً نخبويين أو فلاسفة مقاهٍ أو صعاليك حالمين، وهؤلاء كتبوا أسطورة 1968 من وجهة نظرهم المتعالية، فصارت سرديتهم عن لحظة تكوين ذهبيّة كانوا أبطالها المزعومين. لكن أغلب تلك المصادر تجاهل الغليان الموازي في ألمانيا المقسّمة حينذاك وفي شرقي أوروبا عموماً، ربما باستثناء الإضاءة المكثفة على أحداث «ربيع براغ»، بوصفها فرصة لإدانة الاتحاد السوفياتي العدو الكامل للغرب. فهناك عبر الحدود في الشمال الشرقي لفرنسا يَعتبر الألمان بدورهم عام 1968 وكأنه لحظة قطع استثنائيّة في تاريخهم المعاصر، وبداية روح جديدة سرت في الجسد المقطّع حتى بثت فيه الحياة بعد ربع قرن تقريباً أخذت صورها الأكثر رمزية لحظة سقوط الجدار الفاصل بين شطري برلين، وتوحيد الألمانيتين الشرقية والغربية.
في أجواء 1968 أشعل طلاب برلين الغربية مظاهرات عاصفة استمرت لوقت أطول بكثير من أحداث مايو الفرنسية، وربما أعمق منها تأثيراً في طرائق العيش وثقافة المجتمع الألماني بعامة، وأفرزت تجارب يسار متطرف انخرطت في نضالات عنيفة عالمية الطابع أحياناً. كما أنها وبغير تجارب دول أوروبا الغربية الأخرى، لم تشهد تضامناً فاعلاً من قبل الطبقة العاملة الألمانية أو المنظمات السياسية اليسارية التي تجنبت التورط في أي إضرابات أو احتلال مصانع، أو حتى المشاركة في مظاهرات الطلاب الفوضويين.
السلطات على الجانب الألماني الشرقي كانت تهنئ نفسها بوجود الجدار العازل (أنشأته عام 1961)، الذي كان يُفترض به أن يمنع انتقال عدوى تمرد الطلاب تلك من برلين الغربية. كما أن الطلبة الألمان الشرقيين رغم بعض التجارب المغردة ضد النسق الستاليني الصارم في الحكم كانوا يفتقدون بالفعل إلى قضية للتحرك، فهم نظرياً في الجانب الذي انتصر على الفاشية والنازية، وهو ذات الجانب الذي يتصدى للإمبرياليّة العالمية، ويدعم نضالات الشعوب، ويمنح المرأة حقوقاً لم تكن تنالها من قبل. كما ولا يمكن الادعاء حينها بوجود فجوة فكرية بين الأجيال، تتسبب في صراع أو قطيعة.
ومع ذلك فإن نوعاً مختلفاً من العقلية الثورية كان بالفعل في طور التكوّن بين الشبيبة الألمانية الشرقية تأثراً بربيع براغ 1968 أكثر من تأثره بالمتاريس الباريسيّة. فقد راقب الجميع الدبابات السوفياتية وهي تحتل العاصمة التشيكوسلوفاكية خلال ساعات، لتسحق محاولة التصحيح داخل السلطة الشيوعية في البلاد. لكن المواجهة في ألمانيا الشرقية هنا لم تكن ساحتها الجامعات والشوارع، بل كانت في ملعب الثقافة. فالشعراء والموسيقيون والأدباء والفنانون صاروا طليعة مواجهة غير معلنة ضد السلطات في فضاء البحث عن تمثيلات نقيضة للحقيقة، بديلاً عن تلك التي يسمح بها النموذج الرسمي للواقعية الاشتراكيّة الذي أرسى قواعده الأدبيّة - بدعم من الاتحاد السوفياتي - المفكر الهنغاري المعروف جورج لوكاش.
إحدى نوافذ التمرد كانت تَذوّق ما سماه بعضهم بـ«الثمرات المحرمة» للمدارس الأدبية والفنية الحديثة التي ما لبثت تتوالد في أوروبا الغربيّة، وكان على رأسها المدرسة السوريالية في الفن وأعمال الروائي اليهودي الألماني فرانز كافكا. أصابت أعمال الأخير وتراً حساساً في قلب الشباب الأوروبي الشرقي عامة الذي قرأ بشغف معالجته للصّراعات الداخلية للفرد داخل المجتمعات الصناعية المعاصرة، ووصفه لحال التغريب الذي ينتهي إليه الجميع فيها، وهجومه اللاذع على كل سلطة بيروقراطية جامدة عديمة المشاعر، إضافة إلى التوتر الدائم بين جيلي الآباء والأبناء. وتبدو المصادر التاريخية من تلك الفترة حافلة بالإشارات إلى كافكاويات شكلت جزءاً من ثقافة المتعلمين والمثقفين في أنحاء شرق أوروبا، لاسيّما ألمانيا الشرقيّة، وكانت تتداول بين الحانقين على النظام الاشتراكي وكأنها بيانات ثوريّة.
كان لوكاش واضحاً في معاداته للسورياليّة وكافكا معاً. وكانت اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي السوفياتي الحاكم وقتها قد توصلت إلى قناعة بأن كتابات كافكا تحديداً كانت المشترك الوحيد تقريباً بين الشباب المعارضين للحكومات الاشتراكية فوجهت بمنعها، وعقدت مؤتمراً لممثلين رسميين من دول الكتلة الاشتراكيّة - في ليبليسي قرب براغ عام 1963 - بغرض التداول في طرائق لمحاربة التأثير السيئ لأعماله على الشبيبة الاشتراكية، لكن الوفد الألماني الشرقي قلل من قيمة كتاباته، واعتبرها غير ذات تأثير على جيل الكتاب الألمان الجدد، فبقيت أعماله قيد التداول وأعيد طبعها غير مرّة. لقد تسبب هؤلاء الموظفون المثقفون البيروقراطيون بعنجهيتهم تلك وتعاليهم عن الاستماع للخبراء المختصين بالأدب الكافكاوي بفتح البوابات أمام تيار كافكا الجارف، لينتشر كما جرثومة معدية بين جيل الشباب الأوروبي الشرقي خلال «العقد الأحمر».
1968 كان العام الذي انتصر فيه كافكا على لوكاش نهائياً، رغم أن أعمال عنف رئيسية لم تندلع في أوروبا الشرقيّة وقتها ضد السلطات باستثناء العشرات الذين قضوا في أحداث ربيع براغ. كان عتاة المتمردين شرق القارة يعرفون بـ«الكافكاويين»، وكثير منهم اختار الحياة الهبيّة كاحتجاج سلبي ضد السلطات، وانخرط في حوار ندّي مع جيل الآباء حول تجربة الوجود الإنساني بعامة في مجتمع كانت سلطته الحاكمة تريد تواصلاً باتجاه واحد مع مواطنيها. هذا الجيل هو صانع المناخ الذي سمح بذلك السقوط المدوي لجدار برلين العازل دون مقاومة تذكر.
الذّكرى الخمسون لتراكم الأحداث التاريخيّة في العام 1968 ربما تمنح المؤرخين اليوم قراءة أهدأ وأكثر توازناً للتحولات التي عصفت بجيل الستينات في أوروبا والأميركيتين، بدلاً من النصوص المنفعلة والصور الرومانسية التي غلبت على الكتابات الأولى المتسرعة. قراءة مثل تلك قد تنتهي بصورة لفرانز كافكا كأيقونة للمرحلة التاريخية الساطعة بدلاً من صور الطلاب الفرنسيين وراء متاريس باريس وهم يلقون بحجارة الأرصفة على رجال الأمن، وتلك مسألة قد تعيد الاعتبار للشعوب الأخرى غير الفرنسيين، التي ترى أنها بدورها تستحق حصة وازنة من 1968، وإن كانت ستتسبب لجورج لوكاش بموجة غضب عاصف لو طال به العمر.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.