باريس: الاتفاق النووي لم يمت ومستمرون فيه بدون واشنطن

وزير الخارجية الفرنسي يحذر من مخاطر اندلاع «مواجهات حقيقية» في الشرق الأوسط ويدعو إيران إلى تنفيذ التزاماتها

الرئيس الفرنسي خلال احتفال فرنسا بالذكرى الـ73 للانتصار على ألمانيا النازية في باريس أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي خلال احتفال فرنسا بالذكرى الـ73 للانتصار على ألمانيا النازية في باريس أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

باريس: الاتفاق النووي لم يمت ومستمرون فيه بدون واشنطن

الرئيس الفرنسي خلال احتفال فرنسا بالذكرى الـ73 للانتصار على ألمانيا النازية في باريس أول من أمس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي خلال احتفال فرنسا بالذكرى الـ73 للانتصار على ألمانيا النازية في باريس أول من أمس (إ.ب.أ)

«إنها ليست نهاية القصة بل نهاية فصل من كتاب وبداية فصل جديد»، هكذا تنظر باريس، وفق مصادر رئاسية فرنسية، إلى قرار الرئيس الأميركي «تمزيق» الاتفاق النووي مع إيران الذي تريد فرنسا «إنقاذه».
وقال وزير الخارجية جان إيف لودريان، في تصريح صحافي أمس، إن الاتفاق «لم يمت»؛ بل إنه ما زال موجوداً رغم الانسحاب الأميركي. وللتدليل على أن باريس لم ترم في أرض المعركة بكافة قواها، وأن الاتفاق المبرم صيف عام 2015 مع طهران يمكن أن يستمر من غير الولايات المتحدة الأميركية، فإن الدبلوماسية الفرنسية مستمرة في التحرك على أعلى المستويات. فالرئيس ماكرون تشاور هاتفياً بعد ظهر أمس مع نظيره الإيراني حسن روحاني، فيما أعلن لودريان عن اجتماع الاثنين القادم في بروكسل لوزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا مع «ممثلين عن إيران» للبحث في مجريات المرحلة الجديدة.
ورغم الاختلاف بين اتفاقية المناخ الموقعة نهاية عام 2015 التي انسحب منها ترمب العام الماضي والاتفاق النووي مع إيران، فإن باريس تراهن على إمكانية المحافظة عليه، كما نجحت في تأليب الأسرة الدولية للإبقاء على الاتفاقية المناخية حية.
ثمة خيبة فرنسية كبرى من قرار ترمب الذي لم يأخذ بعين الاعتبار جهود باريس وحججها، وما قامت به مع شريكتيها الأوروبيتين من خطوات باتجاه تبني المواقف الأميركية بالنسبة للبرنامج الباليستي الإيراني، وسياسة طهران الإقليمية، ومستقبل نشاطاتها النووية لما بعد عام 2025. وكانت باريس تأمل بـ«لفتة» أميركية، كالامتناع عن وأد الاتفاق وتوفير فرصة إضافية للتفاوض أو الاكتفاء بفرض عقوبات «رمزية»، أو تأجيل العمل بها إلى حين.
وبما أن أياً من هذه المخارج لم ير النور، فإن التشخيص الفرنسي للوضع لما بعد الانسحاب يبدو محفوفاً بالمخاطر. وتقول المصادر الرئاسية إن مصدر القلق الأول يأتي من التخوف من زيادة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، ومن ضرب الاستقرار في منطقة تعاني من الأزمات والحروب. وذهب لودريان أبعد من ذلك، بالتحذير من أن «أخطار اندلاع المواجهات حقيقية». والمصدر الثاني يتأتى من «رؤية» ترمب للعلاقات الدولية، وتصرفه «الأحادي»، ضارباً عرض الحائط بالحاجة لإدارة جماعية للأزمات، وليس الخروج من اتفاق وافق عليه مجلس الأمن. وأخيراً، فإن باريس ترى في الخطوة الأميركية ضربة لنظام منع انتشار السلاح النووي.
رغم خطورة الوضع التي عكسها البيان المشترك للدول الأوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق، فإن باريس، وفق المصادر الرئاسية، عازمة على إبقائه حياً من خلال العمل على مجموعة محاور، ركيزتها الأولى المحافظة على موقف أوروبي موحد بوجه واشنطن، ودعوة «الأطراف الأخرى» والمقصود بها روسيا والصين وخصوصاً إيران، إلى التمسك بالاتفاق على أساس استمرار طهران في تنفيذ التزاماتها، مقابل استمرار تمتعها بالمنافع التجارية والاقتصادية التي ينص عليها. وللوصول إلى ذلك، تعتبر باريس أن هناك حاجة لـ«تعميق» الحوار مع «كافة الأطراف المعنية»، وأولها إيران والعواصم الأخرى الموقعة على اتفاق 2015؛ لكن «كلمة السر» تبقى في واشنطن التي أعادت فرض العقوبات التي كانت مطبقة على إيران قبل الاتفاق، فضلاً عن فرض عقوبات جديدة على كل الشركات التي تتعامل مع إيران، بما فيها الشركات الأوروبية.
وتقول باريس إنها عازمة على «حماية» شركاتها العاملة في إيران، وهي تريد ذلك عبر الاتحاد الأوروبي. وللتذكير، فإن واشنطن أعطت مهلة تتراوح ما بين ثلاثة أشهر وستة أشهر للشركات لتصفية أعمالها في إيران، على أن تبدأ الخزانة الأميركية بفرض عقوبات «فورية» على العقود «الجديدة» مع الطرف الإيراني.
واضح أن نقطة الضعف في الموقف الفرنسي والأوروبي تكمن في أن الأطراف الأوروبية الثلاثة لا تملك أي ضمانات تقدمها لطهران، لحثها على البقاء داخل الاتفاق في حال فشل الأوروبيون في إقناع واشنطن بعدم استهداف شركاتهم العاملة مع طهران. وحتى الآن، حث الأوروبيون طهران على «ضبط النفس» والاستمرار في تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق.
والحال أنه إذا كان الشرط الثاني متوفراً، فإن الأول غير مضمون، وهو مربوط بما سوف تقرره واشنطن بصدد المطالب الأوروبية. وكان لودريان واضحاً في كلامه أمس، عندما ربط بين تنفيذ الالتزامات الإيرانية وبين استمرار تمتع طهران بالمنافع الاقتصادية والتجارية والاستثمارية. ولذا، فإن الضغوط على الشركات الأوروبية وإلزامها بقطع أي علاقة مع إيران سيدفع القادة الإيرانيين إلى الخروج من الاتفاق، وفق تقدير المسؤولين الفرنسيين.
يبدو الأوروبيون كأنهم أمام «جبل» من الصعوبات؛ لكن ذلك لا يمنع أوساط الإليزيه من تأكيد أن مقترح الرئيس ماكرون القائم على المحافظة على اتفاق 2015 واستكماله باتفاقات أخرى تتناول المحاور الثلاثة الإضافية (الصواريخ، وسياسة طهران الإقليمية، ونشاطاتها النووية لما بعد عام 2025) ما زال قائما. وكشفت هذه الأوساط أن الاتصالات التي أجراها الرئيس ماكرون مع نظيره الإيراني عقب زيارة الدولة التي قام بها إلى واشنطن قبل أكثر من أسبوعين، أفصحت عن وجود «انفتاح» إيراني حول الملفات الثلاثة المذكورة سابقاً، وهو ما تأكد مع خلال اتصالات «وزارية» ومع مسوؤلين إيرانيين آخرين جاؤوا إلى أوروبا في الفترة الأخيرة. لكن السؤال اليوم هو: هل ما كان صالحا قبل قرار ترمب ما زال صالحاً بعد قراره؟
تأمل باريس في أن تتصرف إيران بـ«حكمة» وهي تنبه إلى أن أي «إخلال» بالتزاماتها النووية سيضعها في موقف «صعب» ولذا، فإن «مصلحتها» تكمن في التعاون مع الأوروبيين لمعرفة كيف يمكن «إدارة» المرحلة الجديدة، وتلافي التصعيد في الشرق الأوسط، وربما الحرب. وفي الوقت عينه، تعمل باريس على حماية مصالح شركاتها المعنية بالسوق الإيرانية وبالتالي بالعقوبات الأميركية.
وأهم هذه الشركات «توتال» النفطية التي وقعت عقداً ضخماً مع طهران، و«إيرباص»، وشركتا «بيجو» و«رينو» لصناعة السيارات، اللتان اندفعتا بقوة إلى السوق الإيرانية، وكثير غيرها. وتجدر الإشارة إلى أن طهران عملت في باريس على «تعبئة» الشركات الراغبة في الاستفادة من فرص هذه السوق للضغط على الحكومة، وتسريع التطبيع الاقتصادي بكافة أشكاله. وكشف لودريان عن اجتماع «قريب» مع هذه الشركات للنظر في مستقبل حضورها في السوق الإيرانية، وكيفية التعامل مع العقوبات الأميركية.
تبدو «توتال» في موقف صعب بسبب نشاطاتها النفطية الواسعة في الولايات المتحدة، وبسبب استخدام الدولار في المعاملات النفطية. وكانت الشركة قد وقعت في 2017 عقوداً بقيمة 5 مليارات دولار، أكبرها مع شركة النفط الوطنية الإيرانية لإنتاج الغاز من البلوك 11 في حقل ساوث بارس، مدته عشرين عاماً، وهي تمتلك حصة تزيد قليلاً على 50 في المائة، ومن المقرر أن تستثمر ملياري دولار فيه. وبحسب مسؤولين في الشركة، فإن تطبيق العقوبات الأميركية سيدفعها إلى بيع حصصها لشركة صينية.
وبموازاة «توتال»، فإن «بيجو» و«رينو»، راهنتا بقوة على السوق الإيرانية التي تحتاج سنوياً وفي الوقت الحاضر لمليون سيارة جديدة. وكانت الأولى تطمح لتصنيع 200 ألف سيارة في إطار شركة مختلطة مع مؤسسة «خودرو» الإيرانية. وجدير بالذكر أن الإنتاج بدأ العام الماضي. وبدت «رينو» أكثر طموحاً، إذ كانت تخطط لإنتاج 300 ألف سيارة في العام. وإلى هذه الشركات تضاف «إيرباص» التي وقعت عقداً قيمته 18 مليار دولار، لتزويد طهران بمائة طائرة لم يسلم منها حتى اليوم سوى ثلاث طائرات. وتضاف إلى ما تقدم شركات أخرى رئيسية، مثل «بويغ» و«فينسي» للإنشاءات، و«أورانج» لشبكة الهواتف النقالة، وفيض من الشركات المتوسطة والصغرى التي وجدت في السوق الإيرانية ضالتها، وهي اليوم في موقف صعب، وليس أمامها سوى عدة أشهر لتسوية أوضاعها. وما يصح على الشركات الفرنسية يصح على الشركات الأوروبية كلها، ما يبين حجم التحدي المطروح على الأوروبيين في عملية لي الذراع مع واشنطن.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.