أزمة نقدية في السودان... وقضية الرواتب تتخطى الدبلوماسيين

ارتفاع جنوني في الأسعار والبنك المركزي يحدد سقفاً للسحب من البنوك... وشح في العملات الصعبة

TT

أزمة نقدية في السودان... وقضية الرواتب تتخطى الدبلوماسيين

إلى أين تتجه الأمور في السودان؟ سؤال بدأ يتردد على شفاه المواطنين المحاطين بسلسلة أزمات تمتد من الرواتب إلى شح السيولة النقدية، وانعدام المحروقات، وجنون الأسعار الذي بات بلا أفق.
وتفاقمت الأزمة المعيشية والاقتصادية في السودان، وزادت حدتها خلال الأشهر المنصرمة من العام الجاري، وبلغت ذروتها بشكوى وزير الخارجية السابق إبراهيم غندور للبرلمان، من فشل الحكومة في تسديد مستحقات الدبلوماسيين، وإيجارات سفارات السودان في الخارج لسبعة أشهر متتالية.
فبعد أقل من يومين من شكواه، أصدر الرئيس عمر البشير قراراً رئاسياً «مقتضباً» أقال بموجبه وزير الخارجية دون إبداء أسباب؛ لكن تكهنات وتحليلات صحافية موالية للحكومة أرجعت الإقالة إلى أن الوزير «كشف للعالم والناس إفلاس الحكومة»، فيما أكدت تقارير أخرى مناوئة أن الغندور لم يفعل أكثر من كشف ما يعيشه الناس، بإزاحة ستار السرية ونقله للعلن.
الدبلوماسيون ليسوا وحدهم من تأخرت رواتبهم، فالمعلمون في الخرطوم نظموا وقفة احتجاجية على تأخير صرف مرتباتهم في 12 أبريل (نيسان) الجاري، وقالت لجنة المعلمين في بيان، إن الرواتب على قلتها وعدم كفايتها تأخر صرفها لأكثر من 45 يوماً، ومثلهم معلمون في ولايات أخرى من البلاد.
وعاد بنك السودان للاعتراف ضمناً بوجود أزمة رواتب، للدبلوماسيين في الخارج، بعد تكذيبها أول من أمس. وأكد البنك أنه يعمل حالياً على مراجعة متأخرات وزاره الخارجية، التي قدرها بـ29 مليون دولار من ميزانيتها، في الوقت الذي قدر فيه الوزير المقال العجز بنحو 30 مليون دولار.
وبجانب أزمة الرواتب، تشهد البلاد أيضاً أزمات كبيرة في المحروقات وغاز الطهي، فمنذ فترة تقارب الشهر، يعاني المواطنون من انعدام غاز الطهي، فيما تتراص في صفوف طويلة مئات السيارات والشاحنات والناقلات في محطات الخدمة، للحصول على حصتها من الوقود. بل وتكررت أزمة المحروقات مرتين خلال شهر، على الرغم من الإنكار الرسمي لوجودها، فبعد أن انفرجت الأزمة في العاصمة الخرطوم الأسبوع الماضي، عادت للتفاقم مجدداً، بينما تشكو معظم ولايات البلاد من انعدام كلي لوقود الديزل والبنزين، ويباع في بعضها بالسوق السوداء بأسعار خيالية بلغت 250 جنيهاً للجالون، وسعره الرسمي 26 جنيهاً، فيما تخشى الولايات الزراعية من خسائر في الموسم الزراعي بسبب ندرة الوقود.
لمواجهة أزمات صرف الرواتب والمعيشة، اضطرت الحكومة السودانية لاتخاذ إجراءات تقشفية عنيفة، ترتب عليها تدهور مريع في سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وانعكس على أسعار السلع الغذائية الرئيسية، إذ بلغ سعر قطعة الخبز الواحدة جنيهاً بعد أن كان سعرها نصف جنيه، وارتفع سعر سلعة السكر الاستراتيجية 26 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، بعد أن كان سعره لا يتجاوز 14 جنيهاً، وتنطبق هذه الزيادات على السلع الأخرى كافة.
وأثار هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار غضباً شعبياً واسعاً، نتجت عنه الاحتجاجات الشهيرة مطلع العام الجاري، التي عرفت باحتجاجات الخبز؛ لكن السلطات واجهتها بعنف لافت، وألقت القبض على مئات النشطاء والقادة السياسيين، ثم أفرجت عنهم بقرار رئاسي مطلع الشهر الجاري؛ لكن أسباب الاحتجاج والتظاهر لا تزال تتفاقم في البلاد؛ بل إن موجة سخرية لافتة من القرارات الحكومية احتلت وسائط التواصل الاجتماعي وأحاديث الناس؛ لكن اندلاع احتجاجات جديدة متوقع في كل لحظة.
وكانت لجنة رئاسية مكونة من محافظ بنك السودان ووزراء القطاع الاقتصادي، قد اتخذت في فبراير (شباط) الماضي، قرارات لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار السلع، ولوقف تدهور سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، عن طريق امتصاص السيولة وتحجيم الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي.
وتنفيذاً لتلك القرارات، وجه بنك السودان المركزي البنوك العاملة في البلاد «سراً» بتحديد حجم السحب من حسابات العملاء، وشنت الأجهزة الأمنية حملة واسعة على تجار العملات في السوق الموازية، بهدف وقف تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، إذ بلغ أدنى مستوياته في التاريخ، فقد كان يباع وقتها بسعر 45 جنيها للدولار الواحد، واضطر إلى رفع السعر الرسمي للدولار من 18 إلى 28 جنيهاً.
وخلقت تلك القرارات أزمة سيولة حادة في البلاد، بيد أنها أوقفت جزئياً تدهور سعر العملة الوطنية، فارتفع سعر صرف الجنيه إلى 34 جنيهاً للدولار، بعد أن كان 45 جنيهاً. لكن متعاملين في النقد الأجنبي ومحللين يقولون إن سعر صرف الجنيه ارتفع؛ لكنه ارتفاع غير حقيقي، وإن سعر الصرف سيعود للارتفاع مجدداً متى ما رفعت قيود السحب من حسابات المتعاملين مع البنوك.
الحكومة رغم الأزمة التي أثرت في كل حياة الناس، لا تعترف علناً بعجزها عن مواجهة التردي الاقتصادي، ولا تتجه إلى أسبابه الفعلية بحسب محللين، ولهذا كذب بنك السودان وزير الخارجية ببيان صدر مطلع هذا الأسبوع وقال إنه سدد ما قيمته 92 في المائة من مطالبات وزارة الخارجية؛ لكن تقارير صحافية نشرت في الصحف المحلية ذكرت أمس أن الرئاسة في اجتماع مع محافظ بنك السودان حازم عبد القادر، ووزير الخارجية المكلف محمد عبد الله إدريس، دعت لمراجعة متأخرات وزاره الخارجية، واعترفت بعد يوم واحد من تكذيب الوزير، بعجز قدره 29 مليون دولار من ميزانية الخارجية، في الوقت الذي قدر فيه الوزير المقال العجز بنحو 30 مليون دولار.
ونقلت صحيفة «الأخبار» المستقلة أمس، أن بنك السودان بعد أن راجع الحسابات المشتركة بشأن ميزانيه الخارجية، أعلن التزامه أمام رئاسة الجمهورية بالبدء فوراً في سداد متأخرات الخارجية، وبالفعل شرع في سداد الدفعة الأولى منذ الخميس الماضي.
ويقول الخبراء إن أزمة الاقتصاد السوداني ذات الطبيعة الهيكلية، أطلت بعد انفصال جنوب السودان، وذهاب البترول جنوباً، وفقدانه لأكثر من 80 في المائة من إيراداته النفطية، و90 في المائة من مصادر عائداته من العملات الأجنبية.
ودرجت الحكومة على إرجاع تعثر الاقتصاد إلى العقوبات الأميركية المفروضة على البلاد؛ لكن بعد قرار الرئيس دونالد ترمب برفعها كلياً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، برزت أزمة الاقتصاد بشكل لافت، وفقدت الخرطوم «شماعة» كانت تعلق عليها إخفاقها الاقتصادي.
وأدت سياسة تحجيم الكتلة النقدية إلى شح لافت في السيولة، ويلاحظ المراقب تكدس أعداد كبيرة من المواطنين أمام البنوك وداخلها، محاولين سحب أموالهم؛ لكن البنوك ترفض تجاوز السقف غير المعلن للسحب في حدود 2000 جنيه يومياً على وجه التقريب، كل هذا والبنك المركزي ينفي إصدار منشور بتحجيم السيولة، وتسبب انعدام السيولة في نشوء «تجارة الشيكات»، وتُسيل فيها الشيكات من قبل تجار بنسبة تقارب 10 في المائة من قيمة الشيك.
ودفعت سياسة امتصاص السيولة ووقف السحب عدداً كبيراً من المواطنين إلى محاولة سحب أموالهم، وتحويل أرصدتهم إلى عملات أجنبية، فيما أصرت البنوك على تحجيم حتى السحب من ماكينات الصرف الآلي، ويلاحظ المراقب صفوفاً متراصة من المواطنين حول تلك الآلات التي توجد بها نقود، وهو ما دفع مصدر مصرفي للقول إن 90 في المائة من أموال المودعين ستصبح خارج البنوك إذا فتح باب السحب؛ بل ويقول مراقبون إن «تجارة وتصنيع الخزن» لقيت رواجاً كبيراً في الأسواق خلال الفترة الماضية، فالكل يريد حفظ أمواله السائلة بخزينة داخل منزله بدلاً من إيداعها البنوك.
ونتيجة لتلك السياسات ارتفع معدل التضخم في البلاد إلى 55.6 في المائة، في مارس (آذار) الماضي، بعد أن كان في حدود 54.34 في المائة في فبراير، وفقاً لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء، على الرغم من أن السياسات كانت تهدف لخفض التضخم إلى 19.5 في المائة بنهاية عام 2018، بما ينعكس في ارتفاع متواصل في أسعار السلع، وتدهور في سعر صرف الجنيه، دون أفق واضح لحل ناجز.
ولم يعد أمام المواطنين خيار سوى مواجهة ما يشهدونه ولا يملكون له تغييراً من تردٍ في معاشهم ومعيشتهم، سوى اللجوء إلى السخرية والطرفة. تقول ربة منزل إنها درجت على السؤال بشكل يومي عن سعر أي سلعة تنوي أن تشتريها من المتجر القريب؛ «لأن الأسعار تتغير بشكل يومي».



تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.