باريس تعيد الصدقية لـ«الخط الأحمر» وتأمل بالعودة إلى المسار السياسي

دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
TT

باريس تعيد الصدقية لـ«الخط الأحمر» وتأمل بالعودة إلى المسار السياسي

دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)
دمار في مركز البحوث في برزة في دمشق أمس (أ ف ب)

لم تبخل باريس في توفير الوسائل والقدرات العسكرية للمشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الضربات الليلية التي استهدفت 3 مواقع سورية ليل الجمعة السبت. وبحسب المعلومات التي توافرت من وزارة الدفاع، فإن باريس أشركت 9 طائرات قتالية، وهي 4 طائرات من طراز «رافال» و5 طائرات من طراز «ميراج - 5»، إضافة إلى طائرتي استطلاع من طراز «أواكس»، وكلها انطلقت من مطارات موجودة على الأراضي الفرنسية، وأهمها مطار سان ديزيه.
وعبأت الأركان 5 فرقاطات متعددة المهام في مياه المتوسط الشرقي، بينها 3 من بين الأحدث الذي تملكه (فرقاطة لحرب الغواصات، وثانية للدفاع الجوي، وثالثة للتموين)، إضافة إلى السفن المصاحبة. لكن الجانب الفرنسي، رغم الحشد العسكري الكبير، اكتفى بإطلاق 12 صاروخاً من أصل أكثر من 100 صاروخ أطلقها الحلفاء الثلاثة في عمليتهم ضد المواقع السوري. غير أن الأهم أن هذه العملية وفرت لقيادة الأركان الفرنسية تجربة آخر ما أخرجته الصناعات العسكرية من الصواريخ البحرية التي يزيد مداها على ألف كلم، وأطلق منها 3، وهي المرة الأولى التي يجرب فيها هذا الصاروخ في وضعية حرب حقيقية. ووجهت باريس صواريخها نحو الموقعين القريبين من مدينة حمص. وبحسب وزارة الدفاع، فإن أحدهما مخصص لإنتاج المواد الكيماوية السامة، والثاني لتخزينها. كل هذا الحشد كان المقصود منه تحقيق هدفين متلازمين: الأول إبراز الدور الفرنسي، والثاني تمكين الرئيس إيمانويل ماكرون من تحقيق الأهداف التي أراد الوصول إليها من خلال هذه المشاركة. ورغم أن ماكرون لم ينجح في تحقيق إجماع داخلي حول مساهمة باريس في الضربات العسكرية، فإنه رغم ذلك حقق كثيراً من أهدافه.
وبحسب مصادر سياسية فرنسية، فإن ماكرون أظهر أولاً أنه «وفى بوعده»، عندما رسم «الخط الأحمر» الكيماوي في مؤتمر صحافي في قصر فرساي، وإلى جانبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولو امتنع عن المشاركة لخسر الكثير من مصداقيته. فضلاً عن ذلك، فإن الضربات العسكرية وجهت رسالة واضحة للنظام السوري، وأعادت المصداقية لـ«الخط الأحمر». يضاف إلى ذلك أن ماكرون نجح في التحول إلى «قائد عسكري»، وهي تجربته الأولى في هذا المجال. فرئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوت المسلحة، وهو الآمر الناهي في العمليات العسكرية، وهو لم «يتهرب» من تحمله المسؤولية.
بيد أن ماكرون، بعيداً عن الجوانب الشخصية، نجح في أن يبقي الرد على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي محصوراً بما يتعلق بهذا السلاح وحده، بعكس ما كانت توحي به تغريدات الرئيس ترمب، الذي كان يريد بداية «تلقين» درس للنظام ولحلفائه من الروس والإيرانيين. فمنذ الثلاثاء، أعلن ماكرون أن الضربات هدفها فقط «الإمكانيات الكيماوية» للنظام، وليس مراكز القيادة والتحكم أو المستويات السياسية. وأكد ماكرون أنه «لا يريد التصعيد»، والمقصود به مع روسيا. ورغم المشاركة الفرنسية، فقد أعلن وزير الخارجية جان إيف لو دريان أمس أن الزيارة المرتقبة لماكرون إلى روسيا أواخر مايو (أيار) المقبل «لم تلغَ حتى الآن».
والواضح أن ماكرون أراد أن يبقي باب التواصل مع بوتين مفتوحاً، الأمر الذي يعكسه الاتصال الهاتفي بين الرئيسين أول من أمس، وتأكيد قصر الإليزيه على الحاجة لتواصل الحوار مع الطرف الروسي. ولا تستبعد المصادر السياسية أن يكون ماكرون قد لعب دوراً رئيسياً في حصر الأهداف العسكرية المستهدفة، وبالتالي منع التصعيد مع روسيا وإقناعها بعدم الرد، وتأكيد عدم استهداف مواقعها وقواعدها على الأراضي السورية، وهو ما أقرت به القيادة العسكرية الروسية.
من هنا، أهمية ما قالته وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، التي أعلنت، في بيان قرأته على الصحافة في قصر الإليزيه وإلى جانبها لو دريان، أن موسكو «اطلعت» على العملية قبل حدوثها، وهو ما نفاه رئيس الأركان الأميركي الجنرال دانفورد. وهذا التضارب يبين على الأرجح شيئاً يشبه «توزيع الأدوار» بين واشنطن وباريس.
وفي أي حال، فإن الجانب الفرنسي سعى أيضاً لطمأنة روسيا من خلال التأكيد على أن الضربات العسكرية لن تكرر. وقال لو دريان، في حديث للقناة الإخبارية «بي إف إم»، رداً على سؤال عما إذا كان ما حصل الليلة الماضية مرحلة أولى يمكن أن تتبعها مراحل: «ليست هناك مرحلة أولى. هناك مرحلة واحدة فقط»، لكنه اغتنم الفرصة لتوجيه رسالة تحذيرية للنظام السوري بقوله: «إذا تم اجتياز الخط الأحمر مرة أخرى، فستكون عندها ضربات جديدة»، بيد أنه استدرك معلناً أن النظام «فد فهم الدرس»، وأن الإنشاءات التي استهدفت تم تدميرها.
وتعتبر باريس أن ما حصل في الساعات الأخيرة يتخطى «الحالة السورية»، لأنه يتناول مصير معاهدة حظر استخدام السلاح الكيماوي، وأن غياب ردة الفعل كان سيترك الباب مشرعاً أمام من يشاء اللجوء إلى هذا السلاح. وجاء في بيان صادر عن قصر الإليزيه أن فرنسا «لا تقبل الاعتياد على استخدام الكيماوي، لأنه يشكل خطراً مباشراً على الشعب السوري، وعلى أمننا الجماعي». وتريد باريس العودة إلى مجلس الأمن الدولي من أجل إقامة «آلية دولية تكون مهمتها تحديد المسؤوليات (لدى أي استخدام للكيماوي)، ومنع الإفلات من العقاب، والتزام اليقظة إزاء أية رغبة للنظام السوري للعودة إلى هذا السلاح».
ويوم أمس، سعى كبار المسؤولين (رئيس الجمهورية ووزيري الخارجية والدفاع) إلى تبرير المشاركة الفرنسية، والتأكيد على أنها «شرعية» و«قانونية»، رغم أن استهداف سوريا لم يحصل على ضوء أخضر من مجلس الأمن، وأنه جرى يوم وصول بعثة منظمة حظر استخدام السلاح النووي. ولذا، فإن الخارجية عمدت إلى نشر وثيقة مكثفة تبين فيها أن النظام استخدم حقيقة هذا السلاح يوم السبت الماضي في مدينة دوما. وجزم ماكرون بأن «الوقائع ومسؤولية النظام السوري ليست موضع شك»، قاطعاً الطريق في ذلك على أي جدل داخلي، أو تشكيك بشرعية ما قامت به القوات الفرنسية.
ولا تعتبر باريس أن الضربات العسكرية هدفاً بذاتها، أو أنها ستكشف الأهداف الأخرى التي تسعى إليها، والتي عددها بيان الإليزيه، وكذلك فصلها وزير الخارجية، حيث تريد باريس الانتهاء من مكافحة «داعش»، وتوفير الفرصة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، خصوصاً إطلاق «آلية جماعية» من أجل التوصل إلى تسوية سياسية للنزاع، وأخيراً العمل من أجل استقرار المنطقة. وقد وعد ماكرون بالعمل على ذلك في الأسابيع المقبلة، في إشارة مبطنة لزيارته للولايات المتحدة الأميركية بعد أقل من 10 أيام، ثم إلى مدينة بطرسبرغ الشهر المقبل للقاء بوتين. ويأمل الرئيس الفرنسي في أن الدفع بقوات بلاده إلى المشاركة سيعطيه «وزناً»، من أجل أن تكون لفرنسا كلمتها عند البحث عن صورة الحل في سوريا.
لكن رغم التعبير عن كل هذه النيات، وطمأنة الطبقة السياسية بأن البرلمان سيناقش قريباً المشاركة العسكرية الفرنسية، فإن ماكرون لم ينجح في توفير إجماع وطني على ما قرره، وجاءت الانتقادات من أقصى اليمين وأقصى اليسار، وأحياناً من اليمني الكلاسيكي. فقد أدلى الرئيس السابق فرنسوا هولاند بدلوه، معتبراً أن ما حصل «غير كاف»، واعتبرت مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف المرشحة الرئاسية السابقة، أن باريس «أضاعت فرصة للظهور على المسرح الدولي كقوة مستقلة متمسكة بالتوازن».
وما لم تقله لوبان صراحة، جهر به النائب وزعيم تيار اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون، الذي اتهم ماكرون بـ«التبعية لترمب ولأميركا». وقال النائب أدريان كواتننس، من حزب المتمردين الذي يقوده ميلونشون، إنه «لا يمكن (الدعوة) لاحترام القانون الدولي، بينما ننتهكه نحن أنفسنا»، في إشارة لغياب تفويض من مجلس الأمن للعمل العسكري. وقال برونو روتاييو، رئيس مجموعة حزب «الجمهوريون» في مجلس الشيوخ، إن «صوت فرنسا لا يكون مسموعاً إلا عندما يكون متفرداً، وعندما تدعو إلى الحوار». وصوب روتاييو على ماكرون لأنه «نسي أمثولات الماضي وإخفاقات فرنسا في الشرق الأوسط».



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.