علي زيدان: ليبيا اختارت المسار الديمقراطي وتستطيع التغلب على صعاب المرحلة الراهنة

رئيس الوزراء الليبي يقول لـ {الشرق الأوسط} إن الحل التفاوضي فشل.. والدولة ستستعيد السيطرة على المرافق النفطية بالقوة إذا لزم الأمر

علي زيدان
علي زيدان
TT

علي زيدان: ليبيا اختارت المسار الديمقراطي وتستطيع التغلب على صعاب المرحلة الراهنة

علي زيدان
علي زيدان

قال علي زيدان، رئيس الوزراء الليبي، إن حكومته ستعمد منذ اللحظة التي تصبح فيها جاهزة إلى إعادة فرض سيطرة الدولة على المنشآت النفطية والغازية في البلاد «بالقوة إذا اقتضى الأمر» من غير إعطاء مهل إضافية لأي أحد لأن المهل لم تنفع و«لن يكون هناك إمهال جديد».
وأفاد زيدان، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» بمناسبة وجوده في باريس للمشاركة في القمة الفرنسية - الأفريقية، إن الإنتاج النفطي معطل بنسبة أربعة أخماس، وإن الدولة الليبية تعيش على رصيدها. لكنه وعد بأن تعود العائدات النفطية قريبا.
وأكد رئيس الوزراء الليبي أن لا خوف على وحدة البلاد من المطالب الفيدرالية أو الجهوية، معتبرا أن أكبر تحديين تواجههما حكومته هما السلاح بأيدي الميلشيات ووجود مجموعات دينية جهادية مسلحة ومن جنسيات مختلفة.
وشرح زيدان الخطة التي تطبقها الحكومة للانتهاء من حكم الميليشيات، داعيا إلى إعطائها الوقت الكافي لأنها بصدد إنشاء جيش وشرطة وجهاز إداري بعد «التدمير الممنهج» الذي اعتمده نظام العقيد معمر القذافي. وتوجه زيدان لليبيين بالقول إن الأوضاع الأمنية في البلاد وأوضاع الإدارة ستتحسن في الأشهر الثلاثة المقبلة.
وفيما يلي نص الحوار:
* هل لديكم مخاوف على وحدة ليبيا فيما تتزايد المطالب الفيدرالية والنزاعات الجهوية والمناطقية؟
- لا توجد مخاوف على وحدة ليبيا. هي في مأمن من الانفصال والفيدرالية لأن من رفع راية الفيدرالية فئة قليلة من منطقة برقة (المنطقة الشرقية) وهي فئة محدودة جدا. صحيح أن أبواب الإعلام ومنها الفضائيات فتحت أمامها وما يسمع فيها يمكن أن يكون له تأثير مباشر على فكر العامة والجمهور. لكن أؤكد لك أنه لا توجد في ليبيا مخاطر على وحدتها ولا من قيام الفيدرالية لأن من قدموا خيار الفيدرالية لم يكونوا بقدر من الأهلية حتى يقنعوا الليبيين بأفكارهم. لقد حاولوا تسويق فكرتهم. بيد أنه كان لها أثر سلبي إذ عرف الليبيون أن من يروجون لهذه الفكرة ليسوا ذوي قدرة أو رؤية أو فكر يؤهلهم لأن يقوموا بهذه المهمة وأن يقودوا البلاد إلى الفيدرالية.
* ولكن ما هي الدوافع العميقة لدعاة الفيدرالية؟
- الدوافع مختلفة منها الشخصي إذ أن هناك فئات انتهازية وأخرى رسخها الجهل وغياب العمل السياسي إذ علينا ألا نتجاهل أن السياسة غابت عن الفكر والممارسة الليبيين لفترة طويلة. كما أن هناك رؤى لأناس ينتمون لأطراف المجتمع القبلي ويريدون من خلال هذه الطروحات إيجاد مكان لأنفسهم. وباختصار هناك طموحات شخصية وطموحات لمجموعات. ولدينا قناعة بأن هذه الأفكار لم ترق لإقناع حتى واحد في المائة من الشعب الليبي بمشروع الفيدرالية.

* الميلشيات المسلحة

* بعد أكثر من عامين ونصف عام على سقوط نظام القذافي، ما زالت ليبيا تعاني من مشاكل أمنية مختلفة ولم تستطع الحكومة حتى الآن الإمساك بالوضع الأمني في الشرق والغرب والجنوب، في الداخل وعلى الحدود. لماذا هذا التأخر؟ وما هي كلمة السر في ذلك؟ لماذا لم تنجحوا حتى الآن في فرض هيبة الدولة؟
- ليست هناك كلمة سر بل واقع يعرفه الجميع. الكثير من النخب العربية نظرت «في الماضي» إلى نظام القذافي على أنه نظام قومي، ثوري وتقدمي. وكانوا يتعاطون مع ليبيا من زاوية ما يدفع من أموال لممالأة القذافي والترويج لنظامه. ولكن الحقيقة أن ليبيا عاشت 42 سنة من التدمير الممنهج المركز الذي طال الإنسان في عقليته ونفسيته وتعليمه وصحته وعمله وأدائه، فأصبح إنسانا اعتراه الكثير من الدمار. أما الأمر الآخر فهو أن فترة الـ42 عاما غيبت ليبيا كلية عن العالم فأصبحت دولة معزولة. وكل ذلك أفضى إلى وجود بلد مدمر وما زاد في تدميره الكيفية التي حصلت فيها الثورة الليبية والتي أيضا أحدثت الكثير من الدمار وأوجدت وضعية سيئة بسبب انتشار السلاح في أيدي الناس، المؤهل أو غير المؤهل. وأنا لا أعتقد أن هناك أحدا مؤهلا لحمل السلاح إلا من تأهل لذلك بقوة القانون سواء كان في إطار الجيش أو الشرطة. ولا بد أن نضيف «لعوامل الإرباك» الحالة النفسية التي ترتبت على الثورة وما نتج عنها. ولذا، فإن كل هذه الأمور، المربوطة ببعضها البعض، أفضت إلى هذه الوضعية.
أنا كشخص عرفت هذا المشهد من داخله ومارست إدارته وما أراه حاصلا الآن أقل مما كنت أتوقع. رغم الصعوبات، نحن حققنا نجاحات كثيرة. فقد حافظنا على وحدة ليبيا ونجحنا في المحافظة على الثورة وحمايتها من أي اندحار. ولا يتعين أن يغيب عن ذهننا أن ليبيا دولة محاربة من المجموعات الإسلامية التي اجتاحتها بالسلاح والأفكار الجديدة المتطرفة التي الآن تشكل تحديا كبيرا للحكومة والشعب الليبيين.
أنت تعلم أن ليبيا، منذ بداية الثورة، رسا خيارها على الديمقراطية في بيئة متموجة يغلب عليها الاستقطاب والتمحور السياسي. وواضح أن خيارا كهذا هو بمثابة تحد لا تتوافر له إمكانيات النجاح والاستمرار. لكن الليبيين أصروا عليه ويحاولون أن يسيروا في هذه الظروف الاستثنائية بالديمقراطية وأدواتها. وهذا أيضا من العوامل التي جعلت الأمور تتقدم ببطء. ورغم ذلك وما أريد أن أؤكده لك أن الإرادة الليبية التي أخرجت أهل بنغازي ليقولوا للكتائب «المسلحة» لا وليواجهوها بصدورهم العارية والتي أخرجت جماهير طرابلس لتواجه الكتائب حيث قتل نحو خمسين شخصا في ظرف ساعة واحدة، من أجل أن يقولوا لا للكتائب ولا للسلاح، ونعم لدولة القانون واستقلال القضاء ولدولة الحقوق والحريات الأساسية. هذه القوى الكامنة التي تتفجر من وقت لآخر في ليبيا، أراها قادرة على اجتياز الظروف الصعبة.
نحن كحكومة تسلمنا الواقع الجديد وليس لدينا جيش أو قوى أمنية وليست لدينا إمكانيات السيطرة على الشارع. ونحن الآن ومنذ أكثر من سنة نجهد ونقاوم رغم أن الأمور وصلت إلى حد اختطاف رئيس الوزراء وإلى احتجاز رئيس الدولة أي رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) ويطلق عليه الرصاص. ورغم ذلك ما زلنا عند إصرارنا والاستمرار في العمل للوصول إلى الهدف المنشود.
كل هذه المؤشرات تدل على أنه في هذا الوطن إرادة قادرة على تجاوز الواقع. الإشكالية الآن عند الكثير من الناس أنهم يتفرجون على ليبيا فرجة مشاهد المسرح. يريد أن يرى المشهد الذي يحلم به في ذهنه ونحن نعيش في هذا المسرح ونمارس عمليا الأدوار ونعرف المدى الذي نكافح فيه ونكابد من أجل أن نصل إلى تحقيق النجاحات.
* ما الذي ينقصكم لتحقيق الأهداف التي تسعون إليها وأولها الأمن؟ هناك رغبة شعبية بوجود الدولة وأجهزتها الأمنية والاستقرار. ما المطلوب لتكونوا قادرين للاستجابة لمطالب الشعب؟
- ما ينقصنا هو أننا لم نستطع بعد تكوين الدولة وسياجها أي الجيش والشرطة. ونحن بدأنا حقيقة بتكوينهما قبل أربعة إلى خمسة أشهر فقط. قبلها قمنا بمحاولات كثيرة. بيد أننا لم نستطع التوصل للهدف بسبب وجود إشكالية في موضوع قيادة الجيش وكان لدينا رئيس أركان لم ينجح في التقدم خطوة واحدة ثم حصل تغييره وجاء رئيس أركان جديد ولكن، إلى الآن، أداؤه ليس بالكيفية التي نتمناها. ولدينا وزير دفاع «جديد» منذ ثلاثة أشهر. إذن، نحن في مسار يقتضي منا أن يكون أداؤنا أداء ساسة من طراز خاص يقومون بمهامهم بكفاءة وجدارة. لكننا نشكو كذلك من جهاز إداري هزيل. واقتضت الثورة أن نستبعد الكثير من الموظفين الذين كانوا يعملون تحت النظام السابق بموجب قانون النزاهة. ثم جاء قانون العزل السياسي. ومن قام بالثورة يرى في ذلك ضرورة حتمية للمحافظة عليها. وبالتالي، هذا الأمر الذي نعيشه الآن هو أننا دولة ليس لديها جيش أو شرطة أو جهاز وظيفي قادر، وبالتالي نحن نحتاج لتدريب الجيش والشرطة وفي الوقت نفسه علينا أن نتوصل إلى تشكيل فريق إداري يقوم بتسيير شؤون الدولة. وكما ترى، كل ذلك معوقات إلى جانب المعوقات التي يسببها وجود السلاح في الخارج. نحن أشبه بمن يحاول إطفاء الحرائق في بيئة تشب فيها حرائق في كل مكان، وبالتالي نحن في مواجهة التعطيل. لكن أعود وأؤكد لك مجددا أننا وصلنا إلى المرحلة التي خرج الشعب بكامله ليقول للكتائب لا، وللمطالبة بالجيش والشرطة. وسنرى خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، إن شاء الله، تغيرا واضحا في المشهد الأمني في البلاد وفي عملية إدارة الدولة.
* هل يعني ذلك أنكم تعدون الليبيين بتغير أحوالهم خلال ثلاثة أشهر؟
- ليست هذه وعودا بل استقراء للواقع المعاش. أنا لا أستطيع أن أعد بل أن أبذل الجهد وأستقرئ الأمور وأن أتوقع. الوعود مسألة أخرى.
* هل وجدت حلا أو تصورا للميليشيات والمجموعات المسلحة المنتشرة في كل مكان بما في ذلك العاصمة طرابلس؟
- نحن الآن بصدد تفكيكها. تشكل لجان يوميا واليوم (أول من أمس) شكلت لجنة لتصفية الميليشيات أو المجموعات المسلحة في بنغازي. وقبل أيام شكلت لجنة في طرابلس ونجحت في إخلاء 12 مقرا للكتائب والعملية مستمرة. الحل في إخراج الميليشيات من المدينة ثم النظر في عملية تجريدها من السلاح ثم استيعاب أعضائها في صفوف الجيش والشرطة. ويوم السبت المقبل (اليوم) ستسافر دفعة من نحو 500 شخص إلى تركيا من أجل التدريب العسكري وبعدها ستسافر دفعة أخرى إلى إيطاليا. والآن، يعد نحو 700 شخص للتدرب في البلاد ثم بعد شهرين يرسلون إلى فرنسا للتأهيل في صفوف الشرطة. نحن نسير بخطة حثيثة في استيعاب الثوار في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية وبعض المؤسسات المدنية. ومن جانب آخر نسعى لنزع السلاح من الميليشيات. واضح أن كل هذه المسائل تحتاج إلى وقت. أذكر أن أحد الدبلوماسيين الأوروبيين جاءنا في بداية فبراير (شباط) الماضي وأول كلمة قالها هي أنه علينا التحلي بالصبر وينبغي أن نقيس الزمن بوحدة قياسنا وليس بوحدة قياس العالم الآخر وما يقوم به الآخرون في يوم واحد، نحن نحتاج لإنجازه شهرا كاملا لأن ظروفنا صعبة. وحقيقة نحن نعيش هذه الظروف ونحاول برؤية واقعية أن نتجاوزها. صحيح الشعب مستعجل ولكن الوقت عامل أوجد في هذا الكون ولا نستطيع أن نتجاوزه إلا بمقدراتنا.
* أنا أفهم الصعوبات التي تواجهونها وكما عرضتموها. ولكن، في تصوركم، ما هو الخطر الداهم الذي تواجهه ليبيا اليوم؟ هل مجموعات أنصار الشريعة؟ هل المجموعات السلفية؟ هل المطالب الجهوية؟
- وجود السلاح خارج أيدي الجيش والشرطة هو الأخطر. وفي المقام الثاني هناك وجود مجموعات يمكن تسميتها دينية أو متطرفة أو سمها ما شئت، هي متوزعة في البلاد، أعدادها غير معروفة ومن جنسيات مختلفة، وهي متمركزة في أماكن معروفة من قبل الدولة وهي تمتلك السلاح. وهذه بالطبع تمثل خطرا. والأمور الأخرى، غير هذين الأمرين، طبيعية ولكنها تحتاج لوقت لتجد حلولا لها. لكنها ليست الخطر الأكثر ضررا على البلاد.
* قبل يومين، كنت في بنغازي ودرنة ووعدت بإدخال قوات الجيش سريعا إليهما. متى سيجري ذلك؟
- لقد صدرت الأوامر لوزارة الدفاع ولوزارة الداخلية من أجل إدخال الجيش والشرطة لبنغازي. الأوامر صدرت من الحكومة والمسألة الآن مسألة ترتيب ونأمل أن يحصل ذلك في أسرع وقت.
* هل في نهاية الأسبوع مثلا؟
- نأمل ذلك.
النفط والكهرباء
* لقد اشتكيتم أكثر من مرة من أن القطاع النفطي في ليبيا وهو العمود الفقري لاقتصادها رهينة فئات هنا وهناك وهنالك. كيف هو حال الصناعة النفطية الليبية اليوم؟
- الصناعة النفطية الليبية متوقفة تماما اليوم.
* أي لا وجود لعمليات تصدير بتاتا؟
- ربما نحن اليوم في خمس الإنتاج النفطي وبعض العمليات التصديرية. وهذه المسألة سببها خيانة حرس المنشآت النفطية الذين كلفوا بحمايتها وغدروا بالوطن واستولوا عليها.
أنت تعلم أنه يحكمنا مجتمع قبلي وتعقيدات اجتماعية. ورأى المؤتمر الوطني العام أن يعالج هذه المسألة بنفسه من خلال لجنة أزمة وأخذت هذه اللجنة فترة من الزمن وبعد ذلك أعيد الملف إلى الحكومة وهي الآن أعطت مهلة «للذين وضعوا أيديهم على الصناعة النفطية» وهي بصدد تجهيز نفسها لمواجهة هؤلاء الناس وإخراجهم.
* هل ستخرجونهم بالقوة؟
- إذا اقتضى الأمر، الجواب هو نعم.
* هل هناك مهلة زمنية، أو إنذار؟
- لا نستطيع أن نوجه إنذارا لأي أحد. ما تتجه إليه الحكومة هو أن تتوافر لها الجاهزية، ونأمل أن يكون ذلك سريعا وعندها ستبادر إلى هذا الأمر سريعا ومن دون إمهال إذ أننا أمهلناهم كثيرا ولن يكون ثمة إمهال جديد.
* يعني ذلك أن الحل التوافقي لم يعد مطروحا؟
- الحل التوافقي طرحناه كثيرا ومرارا ولكن هؤلاء الناس لم يرعووا. وهم يرون في موقفنا ضعفا من الدولة والحكومة، وضعفا من الشعب، وبالتالي نحن لن نتوانى عندما نجد أن الوقت مناسب في فرض إرادة الدولة على من يخالف القانون.
* هل تشعرون اليوم أن لديكم القوة الكافية والإمكانيات المادية والعسكرية واللوجستية لإعادة فرض سلطة الدولة على المنشآت النفطية؟
- ليس لنا خيار آخر. هذا من واجبنا ولا بد لنا من أن نقوم بهذا الواجب.
* كيف تعمل الدولة الليبية من غير عائدات نفطية؟
- نعمل بما لدينا الآن من رصيد ولكن نأمل أن تعود إلينا قريبا العائدات النفطية.
* وماذا عن القطاع الكهربائي وهو الآخر شبه معطل؟
- هذا متعلق بالنفط والغاز لأن المحطات الكهربائية إما تعمل بالديزل أو بالغاز وفي حال النقصان تتوقف الكهرباء ومن أوقف النفط أوقف بالفعل نفسه الكهرباء. حال الكهرباء ليست جيدة اليوم لكن الحد الأدنى متوافر.

* الدستور

* أين أصبح الدستور؟
- إجراءات انتخابات لجنة الدستور مستمرة على قدم وساق ومتى ستنتخب اللجنة سينتخب الدستور.
* متى انتخاب اللجنة إذا؟
- نأمل في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل. المؤتمر الوطني العام شكل الهيئة العليا للانتخابات وهي تمارس أعمالها وفق القانون الذي صدر بإنشائها. وهذه الهيئة هي التي ستدعو إلى انتخاب لجنة كتابة الدستور.
* هل هناك، وفق تصوراتكم، مهلة زمنية محددة ستعطى للجنة من أجل كتابة الدستور أم ستعمد إلى استشارات واسعة قبل ذلك؟
- هناك خارطة طريق موجودة وفق الإعلان الدستوري المؤقت الذي تدار به الدولة، والذي انتخب بموجبه المؤتمر الوطني العام وشكلت الحكومة وصدر قانون تشكيل المفوضية العليا للانتخابات ووضع قانون لجنة كتابة الدستور. نحن نلتزم بخارطة الطريق.
* متى تنتهي ولاية المؤتمر الوطني العام؟
- لم تحدد مهلة معينة للمؤتمر الوطني العام. ولكن هناك حرص من المؤتمر الوطني العام ومن الشعب في الانتهاء من المرحلة الانتقالية في أقرب وقت ممكن، وثمة رغبة وإرادة في تسريع عملية الانتخابات وكتابة الدستور لأن الجميع يريد أن يخرج من المرحلة الانتقالية والانتهاء من الاحتقان الموجود في الشارع.
* ما هو تعريف أقرب وقت ممكن؟
- نعني بذلك ألا يتجاوز فترة ستة أشهر أي حتى منتصف العام المقبل أو نهايته. حتى لو افترضنا أن الأمور ستمتد لنهاية العام المقبل فليس ذلك بالكثير لأننا نريد تأسيس شيء في خضم أزمة طاحنة وللمستقبل ونحن كأمة شرقية عربية ننسى أن الوقت عامل ينبغي أن يراعى ويعتبر، وننسى أن عملية الإتقان مسألة ضرورية ينبغي أن تراعى، وأن الوقت لا يمكن تجاهله وإغفاله. حماس الجماهير والثائرين شيء مهم ولكن تجاوز الحدود يفضي إلى الاندفاع. الأهم هو الحصول على منتج جيد وللمستقبل. ولو حدث أي انقطاع في المسار الانتخابي الآن وأردنا أن نعاود الأمور من جديد، لامتد الوقت ربما إلى ثلاث سنوات أخرى.
* لو أخذنا بالاعتبار ما أشرتم إليه، لماذا الإسراع في إعلان أن الدستور والقوانين ستستوحى من أحكام الشريعة الإسلامية؟ ما هي خلفية ما صدر عن المؤتمر الوطني؟
- الآن، هناك الكثير من المجموعات التي تقول إنها تريد تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. الشعب الليبي ليس مختلفا على ذلك والكل يقول إن الشعب الليبي مسلم مائة في المائة. ونحن جميعنا ليست لدينا مشكلة في أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع.
* لكن البيان يقول بـ«مصدر التشريع» وليس «المصدر الرئيس»؟
- ما يصدر عن المؤتمر الوطني العام إجراءات مرحلية آنية مؤقتة. عندما سيكتب الدستور وينتخب البرلمان وتشكل حكومة دائمة، فإن البرلمان سيكون صاحب الصلاحية في تعديل الدستور «وفق ما يراه». قضية كتابة الدستور تتطور مع الأيام وكل مرحلة لها مقتضياتها وظروفها قد تقتضي اتخاذ قرارات ولكنها قابلة للمراجعة في أي وقت وهي إذن غير نهائية. لكن أعيد وأؤكد أن الشعب الليبي بأكمله لا يرى مشكلة في أن يكون الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع لأن المنطق وطبيعة الأشياء تفترض ذلك. لكن أن نقول المصدر «الوحيد» للتشريع مسألة يختلف الليبيون حولها.
* قبل أسابيع حصل اجتماع في المغرب حول أمن الحدود في ليبيا. وأنا أذكر أن اجتماعا آخر سبقه في باريس بداية العام الجاري حول الموضوع نفسه علما بأن هناك شكوى من الغربيين ومن غيرهم حول انفلات الحدود في ليبيا. كيف تردون على من يطرح هذه المشكلة عليكم؟
- مسألة الحدود إقليمية ودولية تقتضي من الجميع التعاون من أجل التغلب عليها إذ أنها تتناول موضوع الهجرة غير الشرعية وتجارة المحرمات من أسلحة ومخدرات ورقيق. كل هذه المسائل ذات طابع دولي وهي بحاجة لتعاون جميع الدول. وليبيا تحتاج للمساعدة لوجستيا واستشاريا وجميع أنواع المساعدات لأنه إذا أراد الأوروبيون أن يحموا بلدانهم من الهجرة غير الشرعية وغيرها ينبغي أن يبذلوا جهدا ومالا من أجل أن نتعاون جميعا للتغلب على هذه المعضلة.
* ألم يستجيبوا لما تطلبه ليبيا؟
- الاستجابة تبقى من دون المستوى المطلوب.
* الفرنسيون يقولون: إنهم منفتحون على أي طلبات ليبية؟
- صحيح. لكن هذا الانفتاح ما زال من دون حاجاتنا.
* ماذا تريدون تحديدا؟ تجهيزات، معدات، تدريب، رقابة إلكترونية...
- المطلوب معدات وخبرات وتدريب وأموال، وتزويدنا بآلات عالية التقنية حتى نستطيع أن نتجاوب مع هذا الأمر.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.