عندما يتحول المعلمون إلى باعة في شوارع صنعاء

إجراءات الحوثيين قطعت رواتبهم... وتحذير من انهيار وشيك للمنظومة التعليمية

معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)
معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)
TT

عندما يتحول المعلمون إلى باعة في شوارع صنعاء

معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)
معلمة في أحد الفصول التعليمية (حساب «يونيسيف اليمن» على «تويتر»)

ترك صادق أحمد هزبر، المعلم في إحدى مدارس محافظة إب تلاميذه، ليجول في شوارع العاصمة صنعاء، بائعا لشراب التوت، لعلّه بهذا المسعى يتمكن من توفير متطلبات أسرته الضرورية بعد انقطاع مرتبه الحكومي، منذ نحو عام ونصف، جراء الصراع المسلح الذي يعصف باليمن.
يقول هزبر «اضطررت لحمل «زمزمية» كبيرة على ظهري (وعاء معدني يتسع 20 لترا) معبأة بشراب التوت، لأطوف بها منذ ساعات الصباح وحتى الظهيرة في شوارع العاصمة رفقة أكواب بلاستيكية أبيع فيها المشروب الذي أعده في المنزل. لقد عانيت وأولادي كثيراً بسبب الأوضاع وتوقف الرواتب، لكنني قررت ألا أستسلم أبداً» مضيفا «ها أنا أواصل مشوار العمل وأعين أسرتي وأولادي على الصمود لأكفيهم ذل السؤال والحاجة، رغم أن هذا العمل أصبح مردوده المادي شحيحا لكن السعي خلف الرزق أفضل بكثير من انتظاره».
وعلى العكس من هزبر، تواصل حنان مصطفى عملها معلمة في إحدى مدارس العاصمة، لكنها تختصر معاناتها بقولها «لم يعد بإمكاني الاستمرار (....) فقدت وزملائي الثقة بأنفسنا، ما الذي يمكن أن تقدمه المعلمة أو المعلم للتلاميذ في ظل الشعور القاتل بالمهانة والحاجة والانكسار».
ولمواجهة معضلة انقطاع الراتب؛ لجأت بعض المدارس الحكومية إلى فرض مبالغ مالية على أولياء الأمور، تتراوح ما بين 1000 - 2000 ريال في الشهر (نحو دولارين إلى 4 دولارات) ليتم توزيع ما يتم جمعه على المواظبين، لكن في المحصلة، هو مبلغ لا يكاد يكفي أجرة المواصلات بحسب ما يؤكده المعلم محمد حسام، الذي صادفناه أمام مدرسته بمديرية معين بصنعاء. يقول محمد بعد طرح السؤال عليه عن هذه المساهمة المجتمعية «تلك المبالغ ضئيلة جدا ولا تعوض انقطاع المرتبات وبالنسبة لي بالكاد يغطي المبلغ الذي أحصل عليه إيجار المواصلات بين المنزل والمدرسة».
ويتساءل: «نحن في المدرسة ملتزمون يوميا بالدوام المدرسي منذ بداية العام الدراسي وحتى اليوم، لكن لماذا لا تلتزم الجهات المختصة بدفع رواتبنا التي تقتات منها أسرنا وتمثل مصدر دخلنا الوحيد؟»، متابعا حديثه منكسرا «هل تصدقون إذا قلت لكم إن أولادي لم يحضروا للمدرسة منذ أكثر من شهر لأني لم أستطع توفير مصروف المدرسة ولا أجرة المواصلات لولدي سليم وإيمان». ويكشف محمد عن أنه بسبب انقطاع الرواتب أصبح وزملاؤه المعلمون، عاجزين عن توفير الكثير من متطلبات البقاء والحياة الكريمة، بل إن أغلبهم، على حد قوله، «أجبروا على تقليص الوجبات اليومية في كثير من الأوقات إلى وجبة واحدة فقط أو وجبتين يومياً على أعلى تقدير».
ويقول المعلم مهدي عبد الله الوهيبي «أنا أب لثلاثة أطفال، أماني (14 سنة) تدرس في الصف السابع، محمد (10 سنوات) يدرس في الصف الخامس، وأصغرهم أحمد (6 سنوات) يفترض أن يدخل المدرسة هذا العام، ولكن انقطاع المرتبات انعكس عليهم أيضاً، لأنني أعيلهم وأنفق على تعليمهم من راتبي، الذي أساعد بجزء منه والدي».
وعلى رغم صغر سن ابنته أماني إلا أنها تستشعر الألم الذي يكابده والدها جراء انقطاع المرتبات فهي ليست بمعزل عن المعاناة التي تكابدها أسرتها.
تقول أماني وقد والدها الحديث: «أنا متفوقة دراسيا، وكنت أحب التعليم، وأحلم أن أكون معلمة مثل والدي عندما أكبر، لكنني الآن أكره التعليم، لأنه جعل والداي حزينين دائماً، ولم أعد أرغب في أن أكون معلمة».
ويتساءل والدها مهدي: «كيف أستطيع تأدية واجباتي التعليمية وأنا أكابد من أجل لقمة العيش، حتى أنني أعجز عن توفير أجرة الباص الذي أستقله للوصول إلى المدرسة؟!، وماذا تنتظرون من معلم وصل به البؤس إلى هذا الحد.؟!».
وبحسب ما يقول مهدي فإنه يعرف زملاء له يصفهم بـ«الأفاضل» اضطروا بسبب توقف المرتبات للعمل في أعمال البناء وفي المطاعم كي يعيلوا أسرهم، وإن كان الدخل اليومي لهذه الأعمال زهيداً جداً، كما أشار إلى وجود زملاء وزميلات قال إنهم دفعوا بأطفالهم إلى العمل باعة جائلين في الشوارع.
يتقاضى مهدي 69 ألف ريال (نحو 150 دولارا) راتبا شهريا قبل انقطاعه، وهو - بحسب تعبيره - مبلغ ضئيل جداً، مقارنة بمرتبات وأجور المعلمين في الدول العربية والعالم، الذين أشار إلى أنهم «يمنحون العديد من الامتيازات، ويتم التعامل معهم بقدر كبير من التقدير والتكريم والاحترام».
وفي السياق نفسه، أكد خالد السعيدي، وهو وكيل مدرسة في أمانة العاصمة، أن معظم المعلمات بمدرسته بعن مقتنياتهن الذهبية لتوفير المواصلات كي يتمكن من الوصول إلى المدرسة.
وإضافة إلى ذلك، يقول خالد: «الكثير من المعلمين، لم يتمكنوا من أداء وظيفتهم، بسبب انقطاع المرتبات، الأمر الذي انعكس سلبا على العملية التعليمية برمتها، إلى جانب عدم تمكن الآباء من تأمين مصاريف الدراسة لأطفالهم، وتركهم الدراسة».
وبدوره يؤكد مسؤول بقطاع النقابة التعليمية، طلب عدم ذكر اسمه، أن توقف الرواتب شكل أعباء إضافية على حياة المواطنين لا سيما الموظفين منهم في قطاع التربية والتعليم كون هذه المؤسسة هي الوحيدة – ربما - التي لم يتوقف نشاطها على مدار الثلاثة أعوام منذ بداية الحرب. بحسب قوله.
ويشير إلى أن انقطاع الراتب عن المدرسين بدا تأثيره واضحا على استمرار عطاء هذه الشريحة الهامة في المجتمع بخاصة أن توقف المعلمين عن العمل، يعني توقف نحو 4 ملايين تلميذ عن الدراسة. لذلك فهو يناشد - بصفته النقابية - المجتمع الدولي ومنظماته الفاعلة، للإسهام في دعم وتمويل التعليم في اليمن.
ولا يبدو حال المدرسين مختلفا عما يعانيه أكثر من مليون، و200 ألف موظف يمني بينهم نحو 175 ألف معلم ومعلمة، في 13 محافظة تقع شمال ووسط اليمن، وهم يمثلون 72 في المائة من إجمالي المعلمين، لم يتسلموا مرتباتهم منذ أكثر من عام ونصف العام تقريبا، باستثناء نصف راتب حصلوا عليه، نحو ثلاث مرات فقط خلال المدة كلها.
ونتيجة لذلك فإن نحو 4.5 مليون طالب وطالبة، يمثلون 79 في المائة من إجمالي الطلاب اليمنيين، مهددون بالحرمان من التعليم وفق دراسة حديثة مولتها منظمة «يونيسيف» حول وضع التعليم في اليمن. وفي أحدث تصريح لممثلة اليونيسيف في اليمن ميرتسيكيل ريلاينو قالت إنه «لم يتم دفع رواتب موظفي المدارس الحكومية فيما يقرب من ثلاثة أرباعها خلال أكثر من عام، مما جعل تعليم 4.5 مليون طفل إضافي عرضة لخطر شديد». وتؤكد ريلاينو «أن جيلا كاملا من الأطفال باليمن يواجه مستقبلاً قاتماً بسبب محدودية أو عدم إمكانية الوصول إلى التعليم»، كما تبين أن ما يقرب من مليوني طفل يمني هم الآن خارج المدرسة. وتضيف: «حتى أولئك الذين ينتظمون في المدارس لا يحصلون على التعليم الجيد».
وكانت ممثلة «يونيسيف» دعت في أحدث تصريح لها، السلطات التعليمية بجميع أنحاء اليمن إلى أن تعمل معاً وأن تجد حلاً فورياً لتوفير الرواتب لجميع المعلمين والعاملين في مجال التعليم حتى يتمكن الأطفال من مواصلة التعليم.
وقالت «ينبغي على المجتمع الدولي والمانحين وشركاء التنمية دعم الحوافز للمعلمين أثناء البحث عن حلول طويلة الأجل لأزمة الرواتب في اليمن، ومواصلة دعم نظام التعليم».
كما ناشدت «يونيسيف» في تقريرها، الأخير، بالنيابة عن أطفال اليمن، الجميع لوضع حد للحرب، وللعمل على وقف الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال وتمكينهم من التعليم الجيد.
وفي الوقت الذي يتخوف اليمنيون من زيادة تأثير انقطاع مرتبات المعلمين على المنظومة التعليمية، «يبدو أن الأمر سيكون أخطر مما هو متوقع في حال استمر انقطاع الرواتب لمدة أطول، إذ يمكن أن يؤدي إلى انهيار شامل للمنظومة التعليمية» بحسب ما تقوله الموظفة التربوية تهاني محمود.
ووفقاً للدراسة التي مولتها «يونيسيف» بعنوان «خارج المدرسة: أطفال اليمن ودروب الضياع»، «هناك أكثر من 2,500 مدرسة باتت خارج الخدمة، 66 في المائة منها تضررت جراء الاقتتال في البلاد كما تم إغلاق 27 في المائة منها، في حين أن 7 في المائة من هذه المدارس تستخدم لأغراض عسكرية أو كمأوى للنازحين.
وتشير «يونيسيف» إلى أن الذهاب إلى المدرسة «بات يمثل خطراً على الأطفال، حيث يمكن تعرض الطفل لاحتمال الموت على الطريق. وخوفاً على سلامة أطفالهم يختار الكثير من الآباء إبقاء أطفالهم في المنازل.
لقد دفع تعذر الحصول على التعليم - طبقا للمنظمة - الكثير من الأطفال والأسر إلى اللجوء إلى بدائل خطرة بما في ذلك الزواج المبكر وعمالة الأطفال والتجنيد.
وبحسب تقري المنظمة الأخير فقد تم تجنيد 2,419 طفلا على الأقل في القتال منذ مارس (آذار) 2015. وتقول «يونيسيف» في معرض دعوتها لوقف الحرب وكافة الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال «أن السلام والتعافي ضرورة مطلقة إن أردنا أن يستأنف أطفال اليمن دراستهم ويحصلون على التعليم الجيد الذي يحتاجونه بشكل عاجل وهذا حقهم في الأساس».
وتشدد المنظمة على حماية تعليم الأطفال دون قيد أو شرط، إذ يتعين على كافة أطراف النزاع ومن له نفوذ عليهم الالتزام دون قيد أو شرط بوقف الاعتداءات على المدارس لحماية تعليم الأطفال في جميع أنحاء اليمن إلى جانب «إبقاء الأطفال والكوادر التربوية بعيداً عن الأذى ويجب الحفاظ على المدارس كمساحات آمنة للتعلم». وترى المنظمة الأممية أنه «ينبغي على المجتمع الدولي والمانحين وشركاء التنمية دعم دفع حوافز للمعلمين والمعلمات وفي نفس الوقت البحث عن حلول طويلة المدى لأزمة الرواتب في اليمن مع الاستمرار في دعم النظام التعليمي».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.


العليمي يشدد على تسريع الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
TT

العليمي يشدد على تسريع الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)

وسط مؤشرات على تحسن موقع اليمن في دوائر القرار الاقتصادي الدولي، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تثبيت المكاسب التي حققتها الحكومة خلال مشاركتها في «اجتماعات ربيع 2026» لمجموعة «البنك الدولي» و«صندوق النقد»، عبر مقاربة تربط بين استعادة الثقة الخارجية وتسريع الإصلاحات الداخلية، بما يضمن ترجمة الدعم الدولي إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وخلال اجتماع عقده العليمي مع الوفد الحكومي المشارك في الاجتماعات التي استضافتها واشنطن، بحضور رئيس الوزراء شائع الزنداني، استعرضت الحكومة حصيلة لقاءاتها مع مسؤولي «البنك الدولي» و«صندوق النقد»، إلى جانب ممثلين عن شركاء اليمن والمنظمات والصناديق المانحة، في اجتماعات عكست، وفق التقييم الرسمي، تحسناً واضحاً في نظرة المجتمع الدولي إلى أداء الحكومة ومسارها الإصلاحي.

وأظهرت الإحاطات التي قدمها رئيس الوزراء ومحافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب، ووزيرَي المالية والتخطيط، أن اللقاءات شهدت تفاعلاً إيجابياً مع البرنامج الحكومي، لا سيما بشأن الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية، وما نتج عنها من ارتفاع في مستوى الثقة بالحكومة بصفتها شريكاً قادراً على إدارة الدعم الخارجي بكفاءة ومسؤولية، واستيعاب الالتزامات التمويلية ضمن أطر مؤسسية منظمة.

مؤشرات على تحسن موقع اليمن على خريطة ثقة المؤسسات المالية الدولية (سبأ)

وأفاد الإعلام الرسمي بأن العليمي وضع نتائج «اجتماعات واشنطن» في سياق أوسع من مجرد نجاح دبلوماسي أو اقتصادي عابر، عادّاً أن ما تحقق يمثل تحولاً مهماً في مسار علاقة اليمن بالمؤسسات المالية الدولية، خصوصاً مع استئناف التواصل والعمل مع «صندوق النقد الدولي» والبرامج التمويلية المرتبطة به، و«هو تطور يحمل دلالات واضحة على عودة البلاد إلى مسار الدعم الدولي المنظم بعد سنوات من التعثر والاضطراب».

حماية الإنجاز

وفق المصادر الرسمية، فقد أشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالانطباعات الإيجابية التي خرج بها شركاء اليمن ومجتمع المانحين تجاه أداء الحكومة، عادّاً أن هذا التحسن لم يكن وليد ظرف سياسي مؤقت، «بل نتيجة مباشرة لجهود متواصلة بذلتها الحكومة و(البنك المركزي) في ضبط السياسات المالية والنقدية، وتعزيز الانسجام داخل مؤسسات السلطة التنفيذية؛ بما أسهم في تقديم صورة أشد تماسكاً للدولة وقدرة على إدارة ملفاتها الاقتصادية بمسؤولية».

لكن العليمي، في الوقت ذاته، شدد على أن هذا المسار لا يزال بحاجة إلى حماية سياسية وإدارية، محذراً بأن أي تراجع في وتيرة الإصلاحات، أو عودة ازدواجية القرار الاقتصادي، من شأنهما التقويض السريع لما تحقق من مكاسب، وتبديد حالة الزخم التي بدأت تتشكل في علاقة اليمن بالمؤسسات الدولية والمانحين.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استعادة الثقة إلى تثبيت الشراكة مع المجتمع الدولي، «عبر الالتزام الصارم بتنفيذ البرنامج الحكومي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد والتمويلات، وربط الدعم الخارجي بمخرجات عملية تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، خصوصاً في قطاعات الخدمات الأساسية».

الحوكمة وتعظيم الموارد

في موازاة الرهان على الشراكات الدولية، وضع رئيس مجلس القيادة اليمني ملف الموارد العامة في صدارة أولويات المرحلة، مؤكداً أن نجاح الحكومة سيقاس بقدرتها على تحسين الإيرادات وتوظيفها بصورة رشيدة ومسؤولة في خدمة المواطنين، «بما يستدعي معالجة الاختلالات القائمة، ومضاعفة الجهود لتعظيم الموارد السيادية، ووقف أي هدر أو تجنيب للإيرادات خارج الأطر القانونية».

وجدد العليمي تأكيده على ضرورة استكمال إغلاق الحسابات خارج «البنك المركزي»، وتوريد جميع الإيرادات إلى الحساب العام للدولة، إلى جانب تعزيز الحوكمة والرقابة المؤسسية، والتنفيذ الصارم لـ«قرار مجلس القيادة رقم 11 لسنة 2025»، بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ضبط الإدارة المالية العامة.

كما وجه رئيس مجلس القيادة بتفعيل الأجهزة الرقابية، والمضي في أتمتة العمليات المالية، ضمن خطة شاملة لمكافحة الفساد، «بما يسهم في بناء نموذج إداري أعلى انضباطاً وكفاءة في المحافظات المحررة، ويعزز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في آن معاً».

وربط العليمي هذا التحسن في الحضور الدولي باستمرار الدعم السعودي لليمن، مشيراً إلى «الدور القيادي للمملكة في دعم استقرار الاقتصاد الوطني، وتأمين التمويلات الحيوية للخدمات الأساسية، ومساندة جهود الحكومة في تنفيذ الإصلاحات»، مؤكداً أن «الشراكة الاستراتيجية مع الرياض تمثل إحدى الركائز الرئيسية لتعزيز الاستقرار ودفع مسار التعافي».


حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)

في ظل متغيرات سياسية وأمنية وعسكرية متسارعة، تواصل محافظة حضرموت ترسيخ حضورها في صدارة المشهد اليمني، مستندة إلى ما تحقق من استقرار أمني وتقدم في إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية، بالتوازي مع حضورها السياسي المتنامي في النقاشات المتعلقة بمستقبل الدولة وترتيبات المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أحيت السلطة المحلية في المحافظة، إلى جانب قيادة المنطقة العسكرية الثانية والأجهزة الأمنية، الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيم «القاعدة»، في فعالية رسمية حملت رسائل رمزية وميدانية بشأن تثبيت الأمن وتعزيز الجاهزية.

وتأتي هذه المناسبة في وقت تواصل فيه المنطقتان العسكريتان، الأولى والثانية، تنفيذ عملية دمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، بإشراف سعودي، في مسار يستهدف إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس أكثر انتظاماً ومهنية، واستكمال جهود تطبيع الأوضاع في مدن المحافظة عقب الأحداث التي شهدتها مطلع العام الحالي، بما يُعزز الاستقرار ويدعم حضور مؤسسات الدولة.

مناسبة تحرير ساحل حضرموت جاءت مع تصدر المحافظة المشهد اليمني (إعلام حكومي)

وفي إطار إحياء هذه الذكرى، وضع وكيل محافظة حضرموت حسن الجيلاني، ممثلاً عن عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي، ومعه قائد المنطقة العسكرية الثانية اللواء محمد اليميني، ومدير عام الأمن وشرطة ساحل حضرموت العميد عبد العزيز الجابري، إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في النصب التذكاري وساحة الشهداء بمدينة المكلا.

وأكد الجيلاني حرص قيادة السلطة المحلية على تخليد تضحيات الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً لحضرموت والوطن، مشيراً إلى أن تلك التضحيات ستظل محل فخر واعتزاز، بعدما سطّر أصحابها أروع ملاحم البطولة في مواجهة التنظيمات الإرهابية واستعادة مؤسسات الدولة.

وما لفت الانتباه خلال الفعالية ارتداء فرقة الموسيقى العسكرية زي قوات البادية الحضرمية التي تشكّلت قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في أواخر ستينات القرن الماضي، في خطوة رمزية هدفت إلى استحضار الإرث العسكري المحلي، وربط الحاضر بجذور تاريخية شكلت جزءاً من هوية حضرموت العسكرية والوطنية.

جاهزية قتالية

وشهدت حضرموت سلسلة من الفعاليات العسكرية والوطنية وفاءً لتضحيات مَن أسهموا في دحر الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار؛ حيث نظّم معسكر «قيادة لواء حضرموت» في مديرية دوعن عرضاً عسكرياً وحفلاً خطابياً بالمناسبة، تخلله الاحتفاء بتخرج دفعة جديدة من المشاركين في دورة تنشيطية، بحضور قائد اللواء العميد الركن سالم بن حسينون، ورئيس شعبة التدريب بقيادة المنطقة العسكرية الثانية العميد ناصر الذيباني.

وأكد بن حسينون ضرورة الحفاظ على الجاهزية القتالية في أعلى مستوياتها، مع الالتزام الصارم بالضبط والربط العسكري، مشيداً بصمود أفراد اللواء في مواجهة التحديات الأمنية خلال الأحداث الأخيرة، مشيراً إلى أن تلك التجارب أسهمت في تعزيز قدراتهم القتالية وخبراتهم الميدانية، ورفعت من مستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف السيناريوهات الأمنية والعسكرية.

فرقة الموسيقى العسكرية بالزي التراثي لجيش البادية الحضرمي (إعلام حكومي)

وشدّد على أن اللواء سيظل درعاً منيعة في مواجهة أي تهديدات، مؤكداً أن وعي المقاتلين وثباتهم أفشل مختلف الرهانات المعادية، وأن مواصلة برامج التدريب المكثف تُمثل ضرورة لتعزيز كفاءة الأفراد ورفع مستوى الجاهزية العامة للوحدات، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

من جانبه، أشاد رئيس شعبة التدريب بمستوى الأداء والانضباط الذي أظهره المشاركون في الدورة التنشيطية، معتبراً ذلك ثمرة مباشرة للجهود التدريبية المكثفة خلال المرحلة الأولى من العام التدريبي، ومؤكداً أن المنطقة العسكرية الثانية تواصل، بمختلف وحداتها، مسيرة التميز والانضباط بدعم متواصل من قيادتها، وبما يُرسخ الأمن والاستقرار في حضرموت.

كما استعرض ركن التدريب في اللواء النقيب محمد الميدعي مراحل الإعداد القتالي والمعنوي التي خضعت لها الدفعة المتخرجة، مؤكداً جاهزيتها للانخراط في مختلف المهام العسكرية، قبل أن تختتم الفعالية بعرض عسكري، استعرضت خلاله السرايا والوحدات المشاركة مهاراتها القتالية بانضباط عالٍ، ما عكس مستوى متقدماً من التدريب والاستعداد الميداني.

عرض بحري

في السياق نفسه، شهد خور مدينة المكلا عرضاً بحرياً لتشكيلات من قوة خفر السواحل ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى العاشرة لتحرير ساحل المحافظة من سيطرة تنظيم «القاعدة»، بحضور عدد من القيادات في السلطة المحلية والعسكرية والأمنية، إلى جانب حشد من السكان الذين تابعوا الاستعراض البحري الذي حمل بدوره رسائل واضحة بشأن تطور القدرات الأمنية في حماية الساحل.

واستعرضت زوارق الدوريات البحرية تشكيلات منتظمة عكست مستوى الجاهزية والانضباط العالي الذي تتمتع به قوة خفر السواحل، وقدرتها على تنفيذ المهام الأمنية في المياه الإقليمية بكفاءة واقتدار، إلى جانب تنفيذ مناورات بحرية متنوعة ضمن مجموعات، واستعراض الزوارق الخاصة والمجهزة التي تُستخدم في حماية الشريط الساحلي ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة.

تشكيلات خفر السواحل تستعرض قدراتها في سواحل المكلا (إعلام حكومي)

وأكد قائد قوة خفر السواحل بحضرموت، العقيد البحري عمر الصاعي، أن هذا العرض يُجسد ما وصلت إليه القوات من تطور ملحوظ في مجالات التدريب والتأهيل، بفضل الدعم والاهتمام الذي توليه القيادة السياسية والعسكرية، معتبراً أن تحرير ساحل حضرموت شكّل نقطة تحول مفصلية في تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ دعائم الدولة.

وأوضح أن قوات خفر السواحل تواصل أداء مهامها الوطنية بعزيمة عالية لحماية الشريط الساحلي، ومواجهة مختلف التحديات الأمنية، بما يُسهم في حفظ الأمن والاستقرار، ويُعزز قدرة الدولة على بسط حضورها في المجال البحري، في امتداد لجهود أوسع تشهدها حضرموت لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ نموذج أمني أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.