رباعي الوساطة في تونس يمهل السياسيين عشرة أيام لتسمية رئيس للحكومة

ترقب «الكتاب الأسود» حول منظومة دعاية بن علي.. والسجن أربعة أشهر لمغني الراب

مغني الراب التونسي علاء يعقوبي (يسار) مع زميله أحمد بن أحمد عند وصولهما إلى مقر محاكمة الأول في مدينة الحمامات أمس (أ.ف.ب)
مغني الراب التونسي علاء يعقوبي (يسار) مع زميله أحمد بن أحمد عند وصولهما إلى مقر محاكمة الأول في مدينة الحمامات أمس (أ.ف.ب)
TT

رباعي الوساطة في تونس يمهل السياسيين عشرة أيام لتسمية رئيس للحكومة

مغني الراب التونسي علاء يعقوبي (يسار) مع زميله أحمد بن أحمد عند وصولهما إلى مقر محاكمة الأول في مدينة الحمامات أمس (أ.ف.ب)
مغني الراب التونسي علاء يعقوبي (يسار) مع زميله أحمد بن أحمد عند وصولهما إلى مقر محاكمة الأول في مدينة الحمامات أمس (أ.ف.ب)

منح رباعي الوساطة في تونس مهلة جديدة للفرقاء السياسيين حتى 14 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري للتوافق حول رئيس حكومة الكفاءات أو الإعلان بشكل نهائي عن فشل الحوار الوطني والدخول في «فوضى».
كان الاتحاد العام التونسي للشغل أعلن أنه سيجري تحديد مصير الحوار الوطني أول من أمس الأربعاء على ضوء ما ستؤول إليه المشاورات مع الفرقاء السياسيين بشأن التوافق حول مرشح لرئاسة الحكومة. لكنه أضاف مهلة جديدة بعشرة أيام لمزيد من التفاوض بعد أن فشلت الأطراف السياسية في التوصل إلى توافق.
وقال الأمين العام لاتحاد الشغل حسين العباسي خلال مؤتمر صحافي مساء أول من أمس «كنا سنعلن فشل الحوار الوطني لكن الأحزاب طلبت منا مهلة جديدة لإنقاذ البلاد وقد استجاب الرباعي لإعطاء الأحزاب فرصة جديدة».
وأضاف العباسي «هي فرصة الأمل الأخير نحن صبرنا كثيرا وشعبنا صبر أكثر لذلك سنمكن الأحزاب السياسية من مهلة جديدة لا تتجاوز عشرة أيام وخلال هذه الفترة نحن كرباعي سنعتمد آليات جديدة في إطار خارطة الطريق».
وعلق الحوار الوطني في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بسبب غياب التوافق حول شخصية وطنية مستقلة لرئاسة حكومة الكفاءات التي تطالب بها المعارضة حيث تمسكت حركة النهضة وحلفاؤها بأحمد المستيري بينما دعمت المعارضة ترشيح محمد الناصر ومن ثم جلول عياد وعبد الكريم الزبيدي وشوقي الطبيب.
وانحصر الخيار في نهاية المطاف بين شوقي الطبيب العميد السابق للمحامين وجلول عياد وزير المالية في حكومة رئيس الوزراء السابق الباجي قائد السبسي غير أن جبهة الإنقاذ الوطني رفضت ترشيح الأخير لارتباطه بدوائر مالية عالمية.
وجاء في بيان للجبهة «المطلوب هو التوافق على شخصية مستقلة بعيدة كل البعد عن شبهات الفساد المالي والولاء لمصالح فئوية وقادرة على قيادة فريق حكومي كفء ومحايد لتنفيذ برنامج إنقاذ توافقي ويوقف حالة الانهيار الاقتصادي ويحول دون الإفلاس المالي».
وحذرت الجبهة من طول فترة تعطل الحوار و«الخشية من مزيد تعفن الوضع»، كما دعت الائتلاف الحاكم بقيادة حركة النهضة للتوقف عن سياسة المماطلة والمراوغة وربح الوقت.
وقال العباسي «منذ الآن قررنا أن يوم السبت 14 ديسمبر مع منتصف النهار إما الوفاق وهو الهدف لنا كرباعي وإن لم يتم التوصل إلى توافق فسيكون الإعلان عن فشل الحوار ونشهد فوضى وفي هذه الحالة سنرى كثيرا من المخاطر التي نخشاها على بلادنا».
من جهة أخرى، يتداول الإعلاميون في تونس هذه الأيام سؤالا واحدا يتعلق بما إذا كانت أسماؤهم وردت «بالكتاب الأسود» المثير للجدل والذي تستعد الرئاسة لطرحه في الأسواق هذه الأيام لكشف منظومة الدعاية في النظام السابق.
وفي خطوة مفاجئة للقطاع الإعلامي صدر أخيرا عن رئاسة الجمهورية «منظومة الدعاية في حكم بن علي: الكتاب الأسود» ليكشف عن قوائم أسماء صحافيين
ومثقفين وحتى رياضيين وجهت إليهم اتهامات بالتورط مع نظام الاستبداد إما بالتخابر أو تبييض صورة النظام أو بمهاجمة المعارضين مقابل عطايا مالية.
وأثار الكتاب الذي جرى تسريب أجزاء منه على مواقع التواصل الاجتماعي قبل طبعه جدلا واسعا، ليس بشأن مدى اتفاقه مع السياق العام الذي تمر به البلاد من أزمة سياسية خانقة وتدهور اقتصادي خطير، ولكن أيضا بشأن مدى احترامه للآليات القانونية السليمة قبل إصداره.
وقالت رئيسة لجنة التشريع بالمجلس التأسيسي (البرلمان) من حركة النهضة الإسلامية، كلثوم بدر الدين لوكالة الأنباء الألمانية إن «إصدار الكتاب ربما يأتي في وقته في غياب التفاعل داخل المجلس التأسيسي إزاء قانون العدالة الانتقالية الذي جرى إيداعه منذ شهر يوليو (تموز) الماضي إلى جانب قانون تحصين الثورة وكل القوانين المتعلقة بالمحاسبة والمساءلة وكشف الأرشيف».
وأضافت «سيسهم الكتاب بالدفع نحو الإسراع بكشف الحقائق بشأن الانتهاكات التي حصلت في النظام السابق ومن كان مع الشعب ومن كان يتآمر ضده، لا يمكن أن تحصل مصالحة دون أن تكون هناك محاسبة».
واعتمد الكتاب على ما تبقى من ملفات بالأرشيف الرئاسي وقوائم المتعاقدين والمتعاونين مع وكالة الاتصال الخارجي، المؤسسة المهيمنة على الإعلام التونسي في حكم الرئيس السابق.
وجرى إحداث الوكالة في بداية عقد التسعينات بهدف التسويق الاقتصادي والسياحي لتونس غير أنها سرعان ما تحولت إلى الذراع الإعلامية للنظام السابق عبر سيطرتها التامة على وسائل الإعلام المحلية من خلال احتكارها لسوق الإعلانات، كما نجحت في ربط شبكة علاقات معقدة مع وسائل إعلام عربية ودولية.
ومع أن «الكتاب الأسود» تضمن كشفا عن فساد مالي ضخم رصد لصحافيين ومؤسسات إعلامية تمتعت بمزايا واسعة من المال العام في النظام السابق، فإن المآخذ الموجهة للإصدار أنه أخذ الكثير من الصحافيين بجريرة الفاسدين بمجرد ارتباطهم بخدمات هامشية مع وكالة الاتصال.
وأثار الكتاب قلقا حقوقيا كونه بات لدى العامة منطلقا لإدانة أشخاص خارج أي تحقيق قضائي ما يثير شكوكا بوجود نوايا انتقامية لا سيما أن العلاقة ليست في أفضل حالها بين الرئيس المنصف المرزوقي وعدد من وسائل الإعلام المستقلة بشكل عام.
ومن الانتقادات التي وجهت للكتاب أنه غيب أسماء كثيرة تواطأت مع نظام بن علي بينما تم تضمين أسماء أخرى عرفت بتاريخها النضالي ضد القمع من بينهم أعضاء بنقابة الصحافيين تم الزج بهم في دائرة التخابر مع البوليس السياسي للنظام السابق.
وقال الصحافي والناشط بجمعية الوعي السياسي سفيان الشورابي لوكالة الأنباء الألمانية: «ما أقدم عليه الرئيس المؤقت هو حق أريد به باطل. فمن حق التونسيين التعرف على درجة تواطؤ المؤسسات الإعلامية مع الآلة القمعية لنظام الرئيس المخلوع، ولكن وفق آليات مضبوطة تنأى بنفسها عن التشهير والتشويه».
وأضاف الشورابي «هذه الخطوة تأتي في سياق تصفية المرزوقي لحساباته الشخصية مع الإعلاميين الذين يحاربونه إلى اليوم».
واستنكرت نقابة الصحافيين التونسيين ما عدته «عملية فضح الإعلاميين والمثقفين من دون غيرهم من الضالعين في تركيز الاستبداد والفساد»، معتبرة هذه «الانتقائية» محاولة أخرى لضرب حرية التعبير والصحافة وتركيع الإعلام والهيمنة عليه.
وقالت النقابة، في بيان لها، بأنها ترفض «تشويه الإعلاميين باستعمال تفاصيل حياتهم الشخصية ما يذكرنا بممارسات النظام السابق وسلوكيات أجهزته الاستخباراتية».
وبعد أكثر من عامين من اعتلائه منصب الرئاسة تختلف التقييمات بشأن أداء المرزوقي اليوم في قصر قرطاج، ومع أن الهالة التي كانت تحيط بالمنصب قبل الثورة عرفت تقلصا حادا بفعل تحجيم صلاحيته داخل النظام المؤقت للسلطة العامة وبفعل أسباب أخرى ربما ترتبط بالكاريزما، فإن المرزوقي نجح في أن يظل موضع جدل ونقاش دائم بين مؤيديه معارضيه.
ومثلت قراراته حول قطع العلاقات مع النظام السوري مثلا، ومواقفه بشأن نصب المشانق لليسار الراديكالي وتهديده للمتطاولين على قطر ودعوته للإفراج عن قادة الإخوان المسلمين في مصر من فوق منبر الأمم المتحدة، مضامين خلافية بين حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الشريك في الحكم والمعارضة.
ولكن الانتقادات بشأن خطوته الأخيرة جاءت من الحلفاء داخل الحكومة المؤقتة نفسها حيث عد وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية سمير ديلو أن رئاسة الجمهورية لم تتبع مقومات العدالة الانتقالية في نشرها «الكتاب الأسود للصحافيين».
وقال ديلو «كان الأفضل تشكيل لجنة تكون مسؤولة عن وضع قائمة من الصحافيين الذين تعاونت فعلا مع النظام السابق تتكون على الأقل من قاضيين».
وأوضح «كل أجهزة الدولة مطالبة بالحفاظ على الأرشيف واستعماله في الوقت المناسب مع ضمان كل شروط الشفافية وتوفير الضمانات للأسماء الواردة فيه للدفاع عن نفسها»، مؤكدا أن هذا الإصدار يأتي خارج مسار العدالة الانتقالية بشكل صريح.
وفي نظر المعارضين للكتاب في القطاع الإعلامي فإن الإصدار لا يخرج عن كونه آلية للتشويه والابتزاز بينما ترى الأحزاب المعارضة أن المرزوقي يدفع بأجندة حزبية في قصر قرطاج قبل الانتخابات المقبلة في ظل الانشقاقات التي يشهدها حزبه وتأخره في استطلاعات الرأي.
وقال هيثم بن بلقاسم رئيس كتلة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في المجلس التأسيسي لوكالة الأنباء الألمانية «كان الكتاب عملا أرشيفيا بحتا قام بتبويب محتوياته موظفو الأرشيف الرئاسي ولا علاقة للمرزوقي أو حزب المؤتمر
بالموضوع. ومع ذلك من حق مؤسسة الرئاسة أن تكشف عن هذا الأرشيف».
وأضاف بلقاسم «الأمر يتعلق بوجود خلل أخلاقي بالنسبة للذين باعوا ضمائرهم لكتابة مقالات لمؤسسة الرئاسة والكتاب هو محاسبة أخلاقية». وتابع قائلا: «هناك من لم يعجبه الكتاب وهناك من أعجب به والرئيس لا يمكن أن يرضي الجميع ومن المنطقي أن تكون هناك انتقادات».
على صعيد آخر، قضت محكمة الناحية في مدينة الحمامات جنوب العاصمة تونس أمس بسجن مغني الراب الشهير علاء اليعقوبي المعروف باسم «ولد الكانز» أربعة أشهر «مع النفاذ العاجل» بتهمة أداء أغنية «مهينة» للشرطة خلال مشاركته الصيف الماضي في مهرجان الحمامات الدولي الذي تنظمه وزارة الثقافة.
وكانت المحكمة نفسها أصدرت في 30 أغسطس (آب) الماضي حكما غيابيا بسجن ولد الكانز (15 عاما) 21 شهرا بتهمة أداء أغنية «البوليسية كلاب» خلال مشاركته يوم 22 أغسطس في مهرجان الحمامات، إلا أن محاميه طعنوا في الحكم.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.