سكان الرقة ينفضون ركام الحرب عن مدينتهم... والجميع منهمك في إعادة الإعمار

أعظم الأحلام عودة المياه إلى الحنفيات والتخلص من الألغام التي خلفها «داعش»

طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
TT

سكان الرقة ينفضون ركام الحرب عن مدينتهم... والجميع منهمك في إعادة الإعمار

طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار
طفل من مدينة الرقة يبتسم بعد عودة أهله الى منزله الذي تعرض القسم الأكبر منه للدمار

ينفض سكان مدينة الرقة شمال سوريا، غبار الحرب عن مدينتهم، وينهمك العائدون إليها بإعادة إعمار منازلهم ومحلاتهم بإصرار وعزيمة كبيرة، ويعمل الجميع لإعادة عجلة الحياة إلى مدينة تعبت من شدة المعارك.
النسوة والفتيات منشغلات بإخراج حطام الأنقاض وتنظيف بهو المنزل وفناء الدار، في محاولة لطي صفحة النزوح والشتات التي عايشنها طوال الأشهر الماضية، كما عادت عربات بيع الخضراوات والفاكهة إلى الساحات العامة وتعالت أصوات الباعة، خاصة في دوار النعيم، حيث ما زال دمارها وركامها شاهداً على الحرب التي وقعت فيها قبل أشهر.
أثار الدمار مسيطرة على الأحياء الواقعة في أطراف الرقة، حيث انهار سقف كثير من المنازل أو خلعت أبوابها والشبابيك، أما المحال التجارية فقد تعرضت للدمار والبعض منها سوي بالأرض. غير المشهد يبدو صادماً أكثر في مركز المدينة، وتحديداً في ساحة الساعة ومركز المحافظة ودوار النعيم وساحة الدلة والملعب الأسود والسوق القديم، حيث جرت معارك عنيفة جداً للسيطرة على أبنية استراتيجية انتهت بطرد عناصر «داعش»، وبات من الصعب التفريق بين منزل ومتجر، بعد أن تحول معظمها إلى جبال من الركام، وتناثرت الحجارة وأنابيب المياه وأسلاك الكهرباء، ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية.
وكانت حارة المشلب والرقة السمراء وحي الطيار ومنطقة السمرات الواقعة شرق المدينة أفضل حالاً من باقي المناطق، إضافة إلى حي الدرعية والسباهية ومزرعة الأسدية الواقعة غرباً كونها تحررت بداية الهجوم في شهر يونيو (حزيران) 2017، وعاد إليها معظم سكانها، بعد أن سمحت «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع مجلس الرقة المدني بعودة سكان جميع الأحياء.
عبد الرحمن (53 سنة) وهو من سكان دوار النعيم، يعمل على ترميم منزله الذي تعرض إلى دمار جزئي وهو الواقع بين أخطر ساحتين في الرقة، أثناء معركة طرد تنظيم داعش على يد «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف الدولي منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.
يبدي عبد الرحمن رغبته بحياة جديدة بعيداً عن الرعب الذي عاشه في زمن عناصر التنظيم المتشدد، يجبل بعض الإسمنت ويضعها تحت طوبة فوق سور منزله الذي تهاوى جزء كبير منه، ويقول لنا: «يقع بيتي بين دوار الجحيم ودوار الموت (أي بين دوار النعيم ودوار الدلة) عندما كنت أخرج من منزلي أشاهد رؤوساً معلقة بدوار الجحيم، وفي دوار الموت كانت الجثث معلقة دون رؤوس».
يحاول عبد الرحمن اليوم نسيان ذكرياته المثقلة، يعيد بناء منزله وقد نالته نيران المعارك العنيفة، فقد كسر زجاج النوافذ والأبواب جراء الانفجارات التي وقعت في محيطه، وتهاوي سور المنزل وجزء من سقفه. يقول وهو يتابع عمله: «لن أنتظر الجهود الدولية والوعود بإعادة الإعمار، أقوم بنفسي بهذا العمل. سكان المدينة هم فقط من سيقوم بإعادة الروح إليها».


عودة الحياة إلى مركز المدينة
تقع مدينة الرقة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتبلغ مساحتها نحو 27 ألف كيلومتر مربع. كان يسكنها قبل اندلاع الثورة السورية التي تحولت إلى حرب في سوريا ربيع 2011، نحو 300 ألف نسمة، غالبيتهم من العرب السنة، إلى جانب أكراد ومسيحيين وتركمان، فر معظمهم بعد سيطرة التنظيم المتطرف على المدينة.
بعد تحريرها؛ قرر قسم من أبنائها العودة إليها، وتتركز غالبية العائدين بشكل خاص في حارة المشلب وأحياء الدرعية والرميلة وعدة أحياء مجاورة. وشهدت ساحة دوار الدلة الواقعة في مركز المدينة، حركة نشطة لم تشهدها الساحة منذ سنوات، حيث تعمل الورش ليل نهار لإعادة بناء السوق من جديد؛ ويربط أصحاب المحال والمنازل المحيطة بالمنطقة الليل بالنهار للإسراع من انتهاء أعمال التنظيف والعودة إلى حياتهم الطبيعية.
أحد هؤلاء العائدين عواد (36 سنة) الذي يعمل في مهنة البناء ويساعد السكان لإعمار منطقته بحارة السمرات شرق الرقة، وأثناء الحديث معه، كان منشغلاً بالبناء لكن هذا لم يمنعه من أن يقول: «لا أعطي فرحتي لأحد، كان حلماً بالعودة للرقة وقد تحقق».
لم تنه الحرب حياة سكان مدينة الرقة، فهم يعملون ويكافحون ليعيدوا مدينتهم إلى الحياة. لكن مع انتهاء سيطرة عناصر تنظيم داعش التي استمرت ثلاث سنوات ونيف بين يناير (كانون الثاني) 2014 وأكتوبر 2017)، برز تحد آخر، فقد عمد عناصر «داعش» إلى زرع الألغام والمتفجرات في مختلف أنحاء المدينة، الأمر الذي يحول الآن دون عودة معظم سكانها. ومن هؤلاء، آيات (54 سنة) النازحة في مخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومتر غربي الرقة، التي تقول إنها لن تعود هي وأسرتها إلى مسقط رأسها حتى تصبح آمنة، وتؤكد أنها تفضل العيش تحت خيمة لا تقيها برودة الشتاء على عودة فيها مجازفة. وتضيف: «لن نعود ما دام هناك ألغام ومتفجرات».

نزع المواد المتفجرة
في كثير من الأحياء التي ما زالت تنفض عن نفسها غبار الحرب، يتفقد مدنيون من سكان الرقة منازلهم المدمرة ويزيلون الركام أمام محلاتهم، ويعود آخرون منهم على متن سيارات وآليات محملة ببعض من حاجاتهم، فيما يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم ما.
وتعمل منظمة «روج» بالتنسيق مع منظمات أميركية ودولية معنية بإزالة الألغام على نزع المواد المتفجرة والمنتشرة بكثافة، ويرتدي ستة أشخاص من عمالها زياً لونه (كاكي)، ويضعون على ذراعهم شارة حمراء اللون تتوسطها جمجمة بيضاء. وفي منطقة الصناعة وبجانب سور الرقة الأثري، يحمل الفريق الباحث عن مخلفات الحرب، أجهزة كشف تقليدية مثل عصا طويلة بلاستيكية مزودة بلاقط حاد، ليتمكن من التقاط الخيوط المتفجرة، كما يحمل أجهزة رصد دقيقة عن بعد للكشف عن الألغام اليدوية والقنابل الغير متفجرة.
يقول عبد الحميد آيو المستشار التقني لقسم العمليات مدير منظمة (روج)، متحدثا إلى «الشرق الأوسط»، إنّ: «الألغام في المدينة تقدر بالآلاف. وقد تمكنا من الكشف عن نصف المدينة وأزلنا 1500 لغم حتى اللحظة لأن المدينة كانت ملغمة بشكل كامل»، مشيراً، إلى أن فريق المنظمة قام بتدمير أكثر من 15 ألف لغم من مخلفات تنظيم داعش بحسب عبد الحميد آيو.
إصلاح شبكة المياه
غابت المياه عن الرقة منذ قرابة سنة، ولا يوجد سوى عدد قليل من الآبار للاستخدام بعد تحرير المدينة. وبدأت ورشة فنية تتبع لجنة المياه التابعة في مجلس الرقة، أعمال إصلاح خطوط المياه في حارة الرقة السمراء. وأثناء وجودنا، كان الفريق يقوم بحفر موزع شبكة رئيسية بالقرب من نقطة سقطت عليها قذيفة صاروخية دمرت الشبكة بشكل شبه كلي. وبرفقة مجموعة من العمال والفنيين، قام المهندس جاسم الخلف من لجنة المياه بتفقد المكان. وفي حديثه إلى صحيفة «الشرق الأوسط» شرح الخلف خطتهم التي تقوم على إعادة المياه لعدة أحياء، وقال: «معي ورشة تعمل حالياً على إصلاح هذا الخط قطره 600 سنتمتر من الفونط المرن، وهي من الخطوط الرئيسية التي تؤمن تغذية المياه لباقي أحياء الرقة».
في السياق، انتهى مجلس الرقة المدني من تجهيز محطة مياه الكسرات الأساسية (غرب الرقة) والتي توجد فيها مضختان عموديتان واثنتان أفقيتان، طاقة كل منها 500 متر مكعب في الساعة، لتضخ جميعها، نحو ألفي متر مكعب في الساعة بحدودها الدنيا، غير أن طاقتها الإنتاجية تبلغ قرابة 8500 متر مكعب في الساعة.
إلا أن زياد (38 سنة) الذي ينحدر من سكان شارع الانتفاضة الواقع غرب الرقة، أكد أنه وجيرانه يشترون المياه الصالحة للشرب والاستعمال، ويبلغ سعر برميل الماء 200 ليرة سورية (ما يعادل نصف دولار أميركي). يقول: «لا مشكلة في انقطاع الكهرباء والخدمات، لكن عدم توفر المياه سيما الصالحة للشرب فتعد أكثر المشكلات التي نعانيها»، ويكمل «إن أكبر أحلامنا مشاهدة عودة المياه إلى الحنفية».
أما على مستوى نظافة المدينة، ففد بدأت بلدية الرقة منذ بداية الشهر الحالي، العمل داخل أحياء المدينة، وخصصت جرارات وآليات للنظافة ورمي النفايات في المكبات المخصصة. وقالت سناء الأحمد رئيسة البلدية المشكلة من قبل مجلس الرقة المدني الذي يدير المدينة: «قمنا بتوزيع حاويات النفايات في معظم الأحياء التي عاد الناس إليها، كما خصصنا 7 جرارات للنظافة لجمع النفايات، وتقوم هذه الآليات بالتجول في الأحياء مرتين يومياً، 7 صباحاً ومثلها مساءً».
ولتشجيع الأهالي على العودة إلى منازلهم؛ قررت البلدية إعفاء المواطنين من رسوم ترخيص البناء وضرائب المالية. وتقول الأحمد: «قررنا إعفاء الأهالي من الضرائب والرسوم المالية لتسريع عمليات إعادة الإعمار، الجميع هنا يربط الليل بالنهار لتقديم الخدمة لكل شخص عائد، لتعود الرقة عروسة الفرات».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.