نتائج محسومة لانتخابات روسيا... والأنظار على خطوات بوتين المقبلة

ترقب لمستويات المشاركة وسط تدابير أمنية غير مسبوقة

طالبة روسية نظمت في موسكو خلال يناير الماضي معرض «سوبر بوتين» دعماً لترشحه في الانتخابات الرئاسية (رويترز)
طالبة روسية نظمت في موسكو خلال يناير الماضي معرض «سوبر بوتين» دعماً لترشحه في الانتخابات الرئاسية (رويترز)
TT

نتائج محسومة لانتخابات روسيا... والأنظار على خطوات بوتين المقبلة

طالبة روسية نظمت في موسكو خلال يناير الماضي معرض «سوبر بوتين» دعماً لترشحه في الانتخابات الرئاسية (رويترز)
طالبة روسية نظمت في موسكو خلال يناير الماضي معرض «سوبر بوتين» دعماً لترشحه في الانتخابات الرئاسية (رويترز)

دخلت الاستعدادات في روسيا لانتخابات الرئاسة المقررة الأحد المقبل مراحلها النهائية، وسط استبعاد وقوع مفاجآت يمكن أن تؤثر على مسارها أو على النتائج التي باتت شبه محسومة. واستعدت السلطات الروسية بفرض تدابير أمنية غير مسبوقة في ظل تصاعد التهديدات الإرهابية، وانخراط روسيا في عدد من الملفات الدولية والإقليمية الساخنة التي تحوّلت عنصرا حاضرا في الدعاية الانتخابية للكرملين.
وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية استكمال التحضيرات للاستحقاق الانتخابي، مع تقلص عدد المتنافسين على مقعد الرئاسة من 64 شخصا أعلنوا رغبتهم في خوض السباق الانتخابي عند إطلاق الحملات قبل نحو شهرين، إلى 8 مرشحين قدموا أوراقهم الانتخابية في الفترة المحددة وحصلوا على حق الترشح رسميا.
وبالإضافة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يخوض الانتخابات للمرة الأولى بصفة مستقل متخليا عن الصفة التي لازمته لسنوات طويلة زعيماً روحياً لحزب «روسيا الموحدة» الحاكم، يخوض السباق ممثلون عن 7 أحزاب، بينها حزبان فقط لهما تمثيل في مجلس الدوما (البرلمان) هما الحزب الشيوعي والحزب القومي الليبرالي الديمقراطي. لكن فرص منافسي بوتين في تحقيق نسب مؤثرة تبدو معدومة، وسط تقديرات باكتساح واسع لسيد الكرملين يضمن له المحافظة على أصوات أكثر من ثلثي الناخبين الروس.
وأظهر استطلاع حديث للرأي، أن نحو 69 في المائة من الروس مستعدون للتصويت لبوتين، وهي النسبة التي تعكس معدلات تأييد ظلت ثابتة تقريبا لبوتين خلال السنوات الأخيرة رغم أنّها تعرضت إلى هزّات طفيفة في مراحل الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة التي عاشتها روسيا.
وحلّ مرشح الحزب الشيوعي بافل غرودينين في المركز الثاني بنسبة 7 في المائة من الأصوات، يليه المرشح القومي الأكثر إثارة للجدل عادة بسبب تصريحاته النارية فلاديمير جيرينوفسكي، وحل في المركز الثالث بنسبة تأييد بلغت 5 في المائة. وتقاسم المرشحون الخمسة الآخرون بقية النسب؛ إذ حصلت المرشحة المعارضة كسيتيا سوبتشاك على اثنين في المائة، بينما كان نصيب زعيم حزب «يابلوكو» اليميني الليبرالي غريغوري يافلينسكي، ومرشح حزب الاتحاد الشعبي القومي سيرغي بابورين، واحداً في المائة لكل منهما. وهي النسبة التي لم ينجح في تجاوزها كل من المرشحين الأخيرين بوريس تيتوف وماكسيم سورايكين اللذين منحتهما الاستطلاعات أقل من واحد في المائة من الأصوات.
ورأت مراكز استطلاعات ودراسات أن النسب التي عكسها الاستطلاع تكاد تكون متطابقة مع التوقعات النهائية للانتخابات، مما يعني أن بوتين يسير بثقة للتربع مجددا على كرسي الرئاسة في ولاية هي الثانية على التوالي، والرابعة منذ وصوله إلى المنصب في عام 2000.
في هذه الأجواء، شغلت التكهنات حول نسب الإقبال على صناديق الاقتراع الحيز الأكبر من الاهتمام بعدما وظف الكرملين إمكانات واسعة لتجنب عزوف الناخبين عن المشاركة. ولوحظ أن البلاد شهدت خلال الشهرين الماضيين أوسع حملة في تاريخها شاركت فيها أحزاب وقوى اجتماعية ونقابية وإعلاميون لحث الناخبين على الإقبال بقوة. وهي فعاليات أثارت في حالات عدة استياء لجنة الانتخابات المركزية التي رأت فيها انتهاكا لقوانين الدعاية الانتخابية وتوظيفا لمقدرات الدولة لدعم مرشح أوحد، كما حصل عندما سخر عمدة موسكو سيرغي سوبيانين مقدرات حكومة العاصمة لدعم بوتين، مما جعله يتلقى ملاحظة من جانب اللجنة.
والأمر ذاته انسحب على الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الذي أعلن أنه «لا منافسين جديين لبوتين على المنصب»، ما عد توظيفا لمنصبه لأغراض دعائية ودفعه في وقت لاحق إلى تقديم اعتذار رسمي. وفي محصلة الجهد الضخم لضمان إقبال واسع على الصناديق، أشارت استطلاعات حديثة إلى أن نحو 74 في المائة من الروس المستطلعة آراؤهم أعربوا عن ثقة بمشاركتهم في التصويت، فيما قال 9 في المائة إنهم سيشاركون على الأرجح.
وطغت الملفات الإقليمية والدولية للمرة الأولى في تاريخ روسيا على مجريات التحضير للانتخابات الرئاسية؛ إذ كانت «سوريا» حاضرة بقوة إلى جانب «التدخل الروسي في أوكرانيا» في حملات المرشحين، الذين أعلن بعضهم عزمه «سحب القوات فورا من سوريا وأوكرانيا» في حال حقق فوزا.
في المقابل، استخدم الرئيس الروسي إنجازاته الواسعة خلال عقدين كان فيهما صاحب القرار الأول في البلاد، في حملاته الإعلانية الواسعة التي برزت من خلال لقاءاته مع أنصاره وتأكيده على ضرورة «مواصلة خطط البناء والتحديث التي بدأت». وأكثر من ذلك، فقد بدا بوتين واثقا سلفا من النتائج عندما تعهد قبل نحو أسبوع بمواصلة «تحقيق الانتصارات في المجالات المختلفة لسنوات عشر مقبلة، ولقرن كامل».
لكن اللافت في الاستحقاق الانتخابي الحالي، أنه يمهد لمرحلة سياسية جديدة في البلاد، ليس بسبب الفوز السهل المتوقع لبوتين، بل لأن هذه الانتخابات هي الأخيرة التي يحق لبوتين خوضها وفقا للقوانين الروسية، ما يضعه خلال السنوات الست المقبلة أمام أحد خيارين: أولهما إدخال تعديلات دستورية تتيح له البقاء في المنصب لفترة أطول، وهو خيار يسعى بوتين إلى تجنبه وعدم تكرار المناورة التي حدثت في عام 2008 عندما اضطر لترشيح ديمتري ميدفيديف لفترة رئاسية بقي خلالها ممسكا بزمام الأمور في البلاد قبل عودته رئيسا في عام 2012.
والخيار الثاني هو إعداد خليفة له خلال السنوات المقبلة، مما يعني اضطراره إلى إجراء توافقات كبرى بين مراكز القوى والتأثير السياسي والاقتصادي في البلاد، وتحضير الوضع لتولي شخصيات مؤثرة مراكز مهمة في مطبخ صنع القرار. ورغم تعمد بوتين إبقاء الأمور غامضة حول قراراته التي ستلي الحملة الانتخابية، فإن تكهنات بدأت تنتشر حول احتمال عدم تمديد الثقة لرئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، وإجراء تغييرات واسعة في مؤسستي الخارجية والدفاع، وهما المؤسستان اللتان شكلتا العماد الرئيسي لسياساته خلال السنوات الأخيرة.
ومهما كانت الخطوات التي سيتخذها بوتين في بداية ولايته الجديدة، فهي ستحمل، كما يشير مقربون من الكرملين، تأثيرات مهمة على كل الملفات الساخنة التي تلعب فيها روسيا أدورا مهمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، مما يعني أن سياسة الكرملين ورغم أنها ستحافظ على استقرار وثبات في ملامحها العامة، ستشهد تغييرات تكتيكية كبرى في أكثر من ملف.

منافسو بوتين
- رغم ضعف تأثير منافسي بوتين على نتيجة الانتخابات الرئاسية الروسية، أو مجريات الأمور المتوقعة بعدها، فإن العرض التالي يوضح ملامح الحملات الخاصة بكل منهم:

بافيل غرودينين
مرشح «الحزب الشيوعي الروسي»، مهندس محترف ورئيس «التعاونيات الزراعية» التي تحمل اسم مؤسس الدولة السوفياتي؛ لينين. يركز برنامج غرودينين الانتخابي، الذي يحمل اسم «20 خطوة» على تغيير نهج البلاد الاقتصادي واستعادة سيادة روسيا الاقتصادية بغية ضمان رفاهية الشعب، وذلك عن طريق إجراء سلسلة إصلاحات اقتصادية واجتماعية.
وقد طالب بوتين بتقديم توضيحات عن عدد القوات الروسية في سوريا ومهامها وكشف تفاصيل عن خسائر روسيا الحقيقية في سوريا. وفي الملف الأوكراني، يدعم غرودينين سياسات الكرملين.

فلاديمير جيرينوفسكي
مرشح عن «الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي» الذي يتزعمه.
وتعهد جيرينوفسكي، إذا فاز في الانتخابات المقبلة، بإدخال إصلاحات اجتماعية وسياسية جذرية في مجالات مختلفة، خصوصا إلغاء العقوبة الجنائية بتهمة «التطرف» و«مخالفة قانون التظاهر» التي تحمل حسب رأيه صبغة سياسية.
ويقترح جيرينوفسكي أيضا حل مجلس الفيدرالية (الشيوخ) الروسي، وتسليم جميع صلاحياته إلى «الدوما» (مجلس النواب) ليصبح البرلمان الروسي أحادي الغرفة بغية تفعيل دوره السياسي. وبمشاركته في هذه الانتخابات، يحطم جيرينوفسكي الأرقام القياسية المسجلة في البلاد؛ إذ ستكون هذه حملته السادسة في الانتخابات الرئاسية الروسية.
وقد تجنب التطرق إلى ملف السياسات الخارجية في حملته، وهو داعم مهم لبوتين في هذا الملف.

سيرغي بابورين
مرشح عن حزب «الاتحاد الشعبي العام الروسي» القومي المحافظ، وهو حقوقي محترف وكبير الباحثين في «معهد الدراسات الاجتماعية السياسية» التابع لأكاديمية العلوم الروسية. يستند برنامج بابورين الانتخابي إلى النواحي الاجتماعية، حيث تعهد، في حال توليه السلطة، بإدخال تعديلات دستورية بغية إنشاء نظام قضائي مستقل، وجعل التعليم والخدمات الاجتماعية مجانا، وتعهد بإقرار سلسلة قوانين من أجل فك اعتماد اقتصاد البلاد على القطاع النفطي. وهو يعد من أكبر المؤيدين لبوتين في الحرب السورية، وقاد عدة رحلات لبرلمانيين وناشطين لتأييد رئيس النظام السوري بشار الأسد. ولديه موقف مماثل حيال سياسة الكرملين في أوكرانيا.

كسيتيا سوبتشاك
مذيعة تلفزيونية (36 عاما)، وهي تترشح لانتخابات الرئاسة في روسيا للمرة الأولى. وهي مرشحة عن حزب «المبادرة الاجتماعية» الليبرالي، ولديها مواقف معارضة لسياسات بوتين داخليا وخارجيا.
تسعى سوبتشاك التي تخوض الصراع الرئاسي تحت شعار «مرشحة ضد الجميع» إلى إدخال تغييرات ليبرالية في سياسات البلاد الداخلية والخارجية، مع تقليص نفوذ الكنيسة الأرثوذكسية في المجتمع، وإلغاء قانون حظر الترويج للتحول الجنسي، وإقامة علاقات شراكة مع الولايات المتحدة وأوكرانيا، وسحب القوات الروسية من سوريا، والإفراج عن «المعتقلين السياسيين».

ماكسيم سورايكين
مرشح عن حزب «شيوعيو روسيا» الذي يترأسه، ويحمل درجة الدكتوراه في علم التاريخ. وقد أطلق على برنامجه الانتخابي اسم «عشر ضربات ستالينية إلى الرأسمالية»، ويسعى إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات المطلوبة لـ«استعادة الاقتصاد الاشتراكي». يحرص سورايكين في حال توليه الرئاسة على تأميم المؤسسات الكبرى في مجال الدفاع والنفط والغاز، بغية مضاعفة ميزانية البلاد مرتين وزيادة رواتب المواطنين. وقد تجنب التطرق إلى السياسة الخارجية في حملته.

بوريس تيتوف
مرشح عن «حزب النمو» الذي يتزعمه، وهو رجل أعمال أحرز نجاحا في مجال زراعة العنب، وهو مفوض حقوق رجال الأعمال لدى الرئيس الروسي.
يستند برنامج تيتوف الانتخابي على توفير الحريات الاقتصادية الأوسع عن طريق الحد من اعتماد الاقتصاد على قطاع السلع الأساسية وتطوير مجال الأعمال والتجارة والتشجيع على المنافسة في السوق. ويرى أنه من الضروري إعادة بناء الثقة مع الغرب، خصوصا مع أوروبا، عبر البوابة الاقتصادية. ولعب دورا في محاولة إقرار عفو اقتصادي عن حيتان المال الروس الذين لوحقوا في روسيا، واضطروا إلى الفرار إلى الغرب مع ثرواتهم الضخمة.

غريغوري يافلينسكي
مرشح عن حزب «يابلوكو» (التفاحة) الديمقراطي، وهو حزب يميني ليبرالي معارض يطالب بإدخال إصلاحات كبرى على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، والتقارب مع الغرب.
يترشح يافلينسكي لانتخابات الرئاسة للمرة الرابعة، وتعهد في حال توليه الحكم بتطوير اقتصاد البلاد من جانب؛ والتنحي عن «المغامرات الجيوسياسية» من جانب آخر، في إشارة إلى العملية العسكرية في سوريا. ووعد يافلينسكي بتطبيع العلاقات مع الغرب، والاعتراف بعدم شرعية انضمام القرم إلى روسيا في عام 2014، وعقد مؤتمر دولي لتحديد الوضع القانوني لشبه جزيرة القرم، وسحب القوات الروسية من سوريا، و«التوقف عن جميع أنواع الدعم للانفصاليين في أوكرانيا».



الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.


روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالبة المتمردين بانسحابها من مالي

جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)
جنود ماليون خلال دورية عقب الهجوم على قاعدة كاتي العسكرية الرئيسية في مالي خارج العاصمة باماكو يوم 26 أبريل 2026 (رويترز)

أكدت روسيا، الخميس، أن قواتها ستبقى في مالي، رافضة دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها، بعدما شنّ الانفصاليون ومتطرفون أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري.

وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الذي تُعدّ بلاده داعماً رئيساً للحكومة المالية، إن وجود روسيا في مالي «مرتبط بالضرورة التي أعلنتها السلطات». وأضاف: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت وحدة «فيلق أفريقيا»، شبه العسكرية التابعة لموسكو، قد انسحبت نهاية الأسبوع الماضي من بلدة رئيسة في شمال البلاد، في أعقاب هجمات للمتمرّدين الطوارق استهدفت أيضاً العاصمة باماكو وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع.

وقال متحدث باسم متمرّدي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، خلال زيارة إلى باريس الأربعاء، إن «النظام سيسقط، عاجلاً أم آجلاً»، داعياً روسيا إلى الانسحاب من كامل البلاد.

وكان من المقرّر أن تُقيم مالي الخميس جنازة لوزير الدفاع ساديو كامارا، الذي يُنظر إليه على أنه مهندس تحوّل المجلس العسكري نحو روسيا.

ومنذ عام 2012، تواجه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا أزمة أمنية متعددة الأوجه تغذّيها خصوصاً أعمال عنف تشنّها جماعات مرتبطة بتنظيمَي «القاعدة» و«داعش»، فضلاً عن عصابات إجرامية محلية ومجموعات تطالب بالانفصال.

وقد قطع المجلس العسكري الحاكم في مالي، على غرار نظيرَيه في النيجر وبوركينا فاسو، العلاقات مع القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، متجهاً نحو تعزيز التقارب السياسي والعسكري مع موسكو.

ويخضع «فيلق أفريقيا» لإشراف وزارة الدفاع الروسية، وقد خلف مجموعة «فاغنر» شبه العسكرية الروسية التي انتشرت لسنوات في عدة دول أفريقية.

ولقي مؤسس فاغنر»، يفغيني بريغوجين، مصرعه في عام 2023 إثر تحطّم طائرة كان يستقلها في روسيا، وذلك بعد شهرين من قيادته تمرّداً عسكرياً في روسيا.