إسرائيل تصعد في الضفة وتعتقل العشرات بينهم رئيس «التشريعي»

نتنياهو يطلب مساعدة عباس لإيجاد الشبان المفقودين.. وحكومته تقرر ضرب بنية «حماس» التحتية

قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعد في الضفة وتعتقل العشرات بينهم رئيس «التشريعي»

قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
قوات للجيش الإسرائيلي تقوم بأعمال الدورية وسط الخليل في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) المساعدة في إعادة الشبان الإسرائيليين المفقودين منذ الخميس الماضي قرب مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، وتتهم إسرائيل حماس بخطفهم، في أول اتصال بينهما منذ بداية الأزمة.
وقال نتنياهو لعباس: «أتوقع منك أن تساعد في إعادة الشبان المخطوفين وفي إلقاء القبض على الخاطفين. لقد انطلق الخاطفون وهم ينتمون لحماس من منطقة تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية وهم عادوا إلى منطقة تخضع لسيطرتها. وهذا الحادث يكشف وجه الإرهاب الذي نحاربه».
وأضاف: «الإرهابيون يختطفون أطفالا إسرائيليين أبرياء بينما نحن نعالج في مستشفياتنا أطفالا فلسطينيين مرضى. هذا هو الفرق بين سياستنا الإنسانية والإرهاب القاتل الذي يعتدي علينا».
وأردف نتنياهو: «يجب عليك إدراك تداعيات الشراكة مع حماس، إنها سيئة لإسرائيل وللفلسطينيين وللمنطقة».
وجاء طلب نتنياهو من عباس بعد أن فشلت القوات الإسرائيلية في إيجاد طرف خيط يقود إلى الشبان الثلاثة المختفين على مدار الأيام القليلة الماضية.
وكان الجيش الإسرائيلي بدأ عملية واسعة في الضفة الغربية، سماها «إعادة الإخوة»، وشملت استدعاء مزيد من النخب العسكرية واستدعاء جنود احتياط، وفرض حصار محكم على جنوب الضفة الغربية، وإغلاق جميع معابر قطاع غزة، وتنفيذ حملة اعتقالات واسعة طالت نحو مائة وخمسين حتى الآن من عناصر الصف الأول والثاني والثالث في حماس في الضفة.
وقال رئيس الأركان الإسرائيلي بيني غانتس، أمس، بأن العملية العسكرية ستتواصل وتتوسع. وأضاف غانتس لضباط وقادة الجيش في اجتماع أمني «قوات جيش الدفاع توشك على خوض معركة ذات مغزى».
وأضاف: «العملية العسكرية التي تقوم بها قوات جيش الدفاع في الضفة الغربية هدفها واحد وهو العثور على الشبان المخطوفين الثلاثة وإعادتهم إلى أحضان عائلاتهم.. هذه العملية تهدف أيضا إلى المساس بشكل مباشر وخطير بحركة حماس».
ولأول مرة منذ عملية السور الواقي في 2002. يحتل الجنود الإسرائيليون مدنا وقرى كاملة في جنوب الضفة الغربية، ويشنون حملات تفتيش ضخمة في بيوت ومحلات وأحراش وجبال الفلسطينيين في الخليل وبيت لحم ومحيطهما.
ويركز الإسرائيليون في البحث عن شابين من الخليل ينتميان لحماس مختفيين منذ الخميس، لكن من دون التأكد من أنهما مسؤولان عن العملية، واعتقل الجيش بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» ذوي الشابين وحقق معهم ومن ثم أطلق سراحهم.
وقتلت إسرائيل أمس، الشاب «أحمد عرفات صماعدة» 21 عاما، من مخيم الجلزون القريب من رام الله، بعد مواجهات أثناء اقتحام المخيم من ضمن اقتحامات أخرى جرت في جميع مدن الضفة الغربية التي حول الجيش ليل الفلسطينيين فيها إلى جحيم جراء نصبه حواجز عسكرية داخل المدن وقيامه بتفتيش الأشخاص والسيارات ومداهمته عددا من المنازل وقيامه بحملة اعتقالات واسعة.
وطالت الاعتقالات الإسرائيلية خلال يومين فقط أكثر من 150 فلسطينيا، بينهم عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني وأعضاء آخرون من التشريعي، وناشطون وطلاب ينتمون لحماس والجهاد الإسلامي.
وبلغ عدد أعضاء التشريعي المعتقلين الأحد والاثنين 12 نائبا من حماس.
وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي افيخاي أدرعي: «قوات جيش الدفاع تواصل أعمال التمشيط في منطقة الخليل بحثا عن الشبان الإسرائيليين الثلاثة المخطوفين منذ ثلاثة أيام. وتم الليلة الماضية اعتقال نحو أربعين من نشطاء حماس وقادتها في أنحاء الضفة الغربية بما في ذلك مناطق نابلس وطوباس وبيت لحم وقرية الخضر». وأضاف: «قوات جيش الدفاع ستواصل تطويق منطقة الخليل وإجراء عمليات تفتيش واتخاذ إجراءات أخرى حتى إعادة الشبان الثلاثة».
ولم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الضفة الغربية التي قطع الجنود الإسرائيليون أوصالها واحتلوا قرى كاملة فيها بحثا عن المفقودين الثلاثة، بل هاجمت الطائرات الإسرائيلية، أمس، أهدافا ومواقع في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
وتركز الهجوم الإسرائيلي على مدن غزة وخان يونس ودير البلح، وهو ما أدى إلى إصابة مواطنين، بجراح، وتدمير عدد من ممتلكات الفلسطينيين.
وفي هذه الأثناء، التقى الكابينت الإسرائيلي (المجلس الأمني والسياسي المصغر)، في اجتماع ترأسه نتنياهو لبحث سبل الرد على الفلسطينيين. وأعقب الاجتماع لقاء نتنياهو بقادة الأجهزة الأمنية في خطوة تشير إلى نية إسرائيل التصعيد. وقالت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الكابينت قرر ضرب البنية التحتية لحركة حماس في الضفة الغربية.
وتكتم المسؤولون الإسرائيليون على نتائج اجتماع الكابينت لكن مصادر أشارت إلى التوافق على توجيه ضربة قوية لحماس. ومن بين المسائل التي ناقشها الكابينت إبعاد أسرى من حماس إلى غزة وإغلاق مؤسسات تابعة للحركة وهدم منازل قياديين فيها.
من جانبه جدد نتنياهو تهديده لحركة حماس، وقال بأنها ستدفع ثمنا باهظا لاختطاف الشبان الإسرائيليين الثلاثة. وأضاف في مؤتمر صحافي مقتضب عقب اجتماعه مع قادة الجيش والأمن «نحن في حملة معقدة قد تمتد لأيام عدة، ونبذل كل جهودنا لإعادة المخطوفين الثلاثة»، وإن «هناك محاولات أخرى لفتح جبهة ثانية من قطاع غزة» مضيفا: «لقد قمنا بالرد المناسب على هذه المحاولات ومن يحاول المس بمواطني إسرائيل سنمس به مباشرة». وطلب من المجتمع الدولي استنكار عملية الخطف قائلا: إنه ينتظر مثل هذه الإدانة منذ البداية، مقدما لوزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي اتهم حماس بخطف الشبان الإسرائيليين الثلاثة. وردت حماس على اتهامات نتنياهو لها بقولها بأن الاتهامات شرف لا تدعيه.
من جهتها، دانت الرئاسة الفلسطينية سلسلة الأحداث التي جرت في الأسبوع الماضي: «ابتداء من خطف ثلاثة فتيان إسرائيليين وانتهاء بسلسلة الخروقات الإسرائيلية المتلاحقة، سواء فيما يتعلق بإضراب الأسرى أو الاقتحامات للبيوت الفلسطينية والاعتداءات التي يقوم بها المستوطنون وجيش الاحتلال والتي أدت إلى استشهاد شاب فلسطيني وملاحقة الكثير من الأبرياء».
وقالت الرئاسة في بيان أمس، إنها تؤكد مرة أخرى على «ضرورة عدم اللجوء إلى العنف من أي طرف كان، خاصة أن موقف الرئيس هو استمرار العمل المكثف على ضرورة إطلاق سراح الأسرى المتفق عليهم وجميع الأسرى في السجون عند توقيع أي اتفاق نهائي».
كما أشادت الرئاسة بالجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية الفلسطينية من أجل «الحفاظ على القانون والهدوء والاستقرار ومنع الانجرار الفلسطيني إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، ولمنع أي جهة كانت من استغلال الأوضاع لأهداف غير وطنية».
وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في عددها الصادر صباح أمس، أن مصر ممثلة برئيسها عبد الفتاح السيسي، تعهدت لحكومة إسرائيل، تقديم كل مساعدة للعثور على الشبان المختفين، ومنع أي محاولة لنقلهم إلى قطاع غزة أو شبه جزيرة سيناء، إن كانوا قد أُسروا على يد إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية.
وطالبت السلطات المصرية إسرائيل، أمس، بالتزام أقصى درجات ضبط النفس، وعدم مواصلة تصعيد الموقف في الأراضي المحتلة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، في تصريحات له، إن مصر تطالب إسرائيل بضبط النفس حتى يمكن احتواء التوتر المتزايد القائم بين الجانبين الفلسطيني الإسرائيلي، والحيلولة دون تفاقم الأوضاع بصورة يصعب السيطرة عليها لاحقا.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.