قمة بين مودي وروحاني لتوطيد العلاقات سياسياً واقتصادياً

في إطار سعي الحكومة الهندية لسياسة خارجية مستقلة في غرب آسيا

صورة نشرها موقع الرئيس الإيراني لدى وصوله إلى مدينة حيدر آباد الهندية أمس
صورة نشرها موقع الرئيس الإيراني لدى وصوله إلى مدينة حيدر آباد الهندية أمس
TT

قمة بين مودي وروحاني لتوطيد العلاقات سياسياً واقتصادياً

صورة نشرها موقع الرئيس الإيراني لدى وصوله إلى مدينة حيدر آباد الهندية أمس
صورة نشرها موقع الرئيس الإيراني لدى وصوله إلى مدينة حيدر آباد الهندية أمس

في أعقاب استضافة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارة الهند، الشهر الماضي، وزيارته إلى فلسطين، خلال الشهر الحالي، يلتقي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الرئيس الإيراني حسن روحاني، اليوم، مما يعد انعكاساً واضحاً للسياسة الخارجية المستقلة وذات الأهمية للمصالح الهندية الاستراتيجية، في تحد واضح للروابط التي تجمع إيران مع كثير من الدول الصديقة للهند.
ولقد وصل روحاني أمس في زيارته الأولى الرسمية للهند، التي تستغرق 3 أيام بعد انتخابه رئيساً لإيران عام 2013.
ويرى المحللون أن زيارة روحاني هي نتيجة للمناورات الهندية الجادة عبر مختلف التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، التي تضم نحو 7 ملايين من العمالة الهندية الوافدة، وتُعتبر مصدر التحويلات الأجنبية الرئيسية إلى شبه القارة الهندية.
وقال فيفيك كاتجو الدبلوماسي الأسبق في وزارة الخارجية الهندية: «تعكس زيارة روحاني النجاح الذي حققته دبلوماسية غرب آسيا الفعالة والناجحة لحكومة مودي، إذ يسعى لتوطيد الروابط مع إيران لخدمة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية الهندية. ولقد تعامل السيد مودي بصورة مستقلة مع كثير من البلدان بغية تعزيز المصالح الهندية، الاقتصادية الاستراتيجية على حد سواء، التي تُعتَبَر كبيرة للغاية في هذه المنطقة».
ولقد هبطت طائرة الرئاسة الإيرانية في مدينة حيدر آباد مباشرة، بدلاً من العاصمة الوطنية نيودلهي. وسوف يغادرها إلى العاصمة يوم السبت المقبل، حيث من المتوقَّع أن يوقع على مذكرة للتفاهم مع الحكومة الهندية.
وذكرت الخارجية الهندية أنه سوف يقام حفل استقبال رسمي للرئيس الإيراني يوم 17 فبراير (شباط).
ولقد صُممت مدينة حيدر آباد الهندية على غرار التخطيط المعماري لمدينة أصفهان الإيرانية الحالية منذ أكثر من 400 سنة، وكان المهندس المعماري الرئيسي للمدينة من أصول إيرانية. وللمرة الأولى خلال 325 عاماً، سوف يكون الرئيس روحاني أول رئيس دولة يلقي خطبة الجمعة في مسجد مكة الكبير بالمدينة، الذي تم بناؤه بالكامل في عام 1694 ميلاديّاً، أي بعد 74 عاماً من وضع حجر الأساس بواسطة قطب شاهي حاكم السلطان محمد على المدينة في عام 1616. وسوف تكون هذه الزيارة هي الثانية للسيد روحاني إلى حيدر آباد، وكانت الزيارة الأولى عندما كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في عام 2003.
وتأتي زيارة الرئيس الإيراني بعد زيارة مودي إلى طهران في عام 2016.
التحديات السياسية الحقيقية
وأكثر ما يميز زيارة الرئيس الإيراني للهند هو توقيت الزيارة - إذ تأتي هذه الزيارة في منعطف تتصاعد خلاله التوترات في خضم المواجهة الإيرانية الأميركية وغير ذلك من التطورات في منطقة غرب آسيا. أما بالنسبة إلى الهند، تُعتَبَر إسرائيل من الشركاء الرئيسيين في مبادرات مكافحة الإرهاب فضلاً عن الجهود المبذولة لجذب الابتكارات والتكنولوجيات المتطورة من أجل تعزيز قاعدة التصنيع التحويلي الهندية.
وتُعتَبر دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من المصادر الحيوية للطاقة بالنسبة للهند، كما أنها تستضيف كذلك أعداداً كبيرة من العمالة الهندية الوافدة. وكانت الهند هي ضيف الشرف في مهرجان الجنادرية السعودي، الأسبوع الماضي، وكان السيد مودي هو المتحدث الرسمي في قمة الحكومة العالمية التي استضافتها دولة الإمارات في الآونة الأخيرة.
وذكرت وسائل الإعلام نقلا عن مصادر مطلعة لدى مكتب رئيس الوزراء الهندي أن الرئيس دونالد ترمب قد اتصل هاتفياً بالسيد مودي يوم 9 فبراير من أجل استعراض مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقبل أكثر من شهر مضى، أعلن ترمب عن استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2018، التي اعتبرت إيران أنها تشكل تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط. ومن المثير للاهتمام، أنه لم يصدر أي بيان رسمي من جانب الهند بشأن ما جرى بين السيد ترمب والسيد مودي في المحادثة الهاتفية الأخيرة.
في هذا الصدد، تقول الصحافية الهندية سوهاسيني حيدر إن «زيارة روحاني تأتي وسط تهديدات الرئيس الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي أبرم مع إيران عام 2015 بشأن برنامجها النووي المثير للجدل. وكانت استراتيجية الدفاع الهندية الإيرانية من نقاط الخلاف طويلة الأمد بالنسبة للولايات المتحدة، وظلت بارزة على رادار القوة العظمى طوال الوقت، وكانت واشنطن دائماً ما تدعو الهند إلى قطع علاقاتها الدفاعية مع إيران. مما يزيد من تعقيد الأمور بالنسبة للهند».
كانت الحدود المشتركة تجمع بين الهند وإيران حتى عام 1947، حيث أصبحت الحدود جزءاً لا يتجزأ من باكستان التي تشكلت بناء على تقسيم الهند الموحدة سابقا تحت الحكم البريطاني. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين الهند وإيران قد أقيمت في عام 1950.
بدوره قال الدبلوماسي الهندي إم كيه بهادراكومار: «إن التفاهم الهندي الإيراني المشترك قد بلغ حد النضج لدرجة أن كلا الجانبين لا يتقدم بمطالب تتعلق بالاستقلال الاستراتيجي للجانب الآخر. وتحظى الهند بالحرية في اختيار ما تشاء، إذ يمكنها المحافظة على العلاقات القوية مع دولة إسرائيل، وكذلك مع الدول الخليجية الغنية بالنفط، وبعض منها على خصومة واضحة مع النظام الإيراني. وعلى نحو مماثل، فإن العلاقات الإيرانية القوية مع الصين إلى جانب مصالحها الخاصة في تعزيز روابطها مع باكستان لا تثير أي قدر من الاستياء لدى نيودلهي. إذ بذلت الهند جهودا مضنية كي تنأى بنفسها عن الدوران المستمر في المدار الأميركي».
لقد جاءت زيارة روحاني إلى الهند على خلفية تحديات جادة وخطيرة في الداخل وفي المنطقة. مما انعكس سلباً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية والوقود فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة في إيران إلى اندلاع 10 أيام من الاحتجاجات العارمة في مختلف أنحاء البلاد منذ 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ولقد أسفرت تلك الاحتجاجات عن تراجع كبير في شعبية السيد روحاني، الذي زعم أن الاقتصاد الإيراني سوف يشهد نمواً كبيراً في أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي لعام 2015.
كيف يمكن للهند التعامل مع روحاني ومع إيران في هذه المرحلة؟
يقول كيه سي سينغ السفير الهندي الأسبق إلى إيران: «لدى إيران نظام حكم معقد مع كثير من مراكز القوى المتنافسة في كثير من الأحيان. وكانت الهند تتعامل بالأساس مع الحكومة المنتخبة هناك مع الحفاظ على قنواتها مفتوحة مع مراكز السلطة الأخرى.
وبالتالي، فإن زيارة روحاني توفر الفرصة السانحة للتركيز ليس فقط على قضايا التعاون الثنائي، كما هو الحال في مجال الطاقة والاتصالات، وإنما على الموقف الإقليمي كذلك.
وعلى نحو محدَّد، فإن كلا البلدين من أصحاب المصالح حيال أي مبادرة جدية للتوصل إلى تسوية حقيقية في أفغانستان. وقد يستغل السيد مودي الفرصة لتقدير تفكير السيد روحاني، في جملة من القضايا، وعلى الصعيد الأفغاني الذي حدث فيه تحول كامل في المواءمات. وتقدم إيران وروسيا إلى جانب باكستان الدعم حاليا لحركة طالبان، مما يزيد من تعنُّت وعناد الحركة ومعارضتها العنيفة للحكومة الأفغانية.
المصالح والحواجز الاقتصادية
وقبل وصول السيد روحاني إلى العاصمة الهندية، يجري وفد من الشركة الإيرانية الوطنية للنفط محادثات مع الجانب الهندي لاستطلاع آفاق التوصل إلى اتفاق بشأن تطوير حقل غاز فارزاد - ب الإيراني، الذي تحوَّل إلى نقطة من النقاط الحساسة في العلاقات الثنائية بين نيودلهي وطهران.
كما تعمل الهند على تطوير ميناء تشابهار الإيراني باستثمارات تبلغ نصف مليار دولار، وهو أول مشروع كبير للموانئ تقوم به الهند في الخارج، إذ تحاول الهند من خلاله عرض البدائل لمبادرة الحزام والطريق الصينية لبناء الروابط التجارية والنقل في جميع أرجاء آسيا، فضلاً عن أفغانستان من خلال تجاوز باكستان المنافسة.
ويبعد الميناء الإيراني نحو 72 كيلومتراً من ميناء غوادار الباكستاني، الذي تعمل الصين على تطويره من جانبها.
وتعتبر الهند وإيران وأفغانستان أيضاً أعضاء في الاتفاقية الثلاثية بشأن إنشاء ممرات النقل والعبور الدولي في ميناء تشابهار.
وفي ديسمبر، أرسلت الهند شحنة من القمح عبر ميناء تشابهار تمثل أول حالة استخدام للميناء في إرسال البضائع إلى لأفغانستان. وتهدف الخطة إلى قيام الهند بتجهيز وتشغيل رصيفين بحريين باستثمار رأسمالي يبلغ 85.21 مليون دولار على مدى عشر سنوات.
وتسعى الهند جاهدة للحصول على المعدات مثل الرافعات للميناء الإيراني، وذلك لأن المصارف الغربية غير مستعدة لتسهيل التحويلات المالية.
يقول أحد المصادر الهندية المطلعة ممن شاركوا في تطوير الميناء وغير مخول له الحديث إلى الإعلام: «إن المصالح المصرفية للبنوك في الولايات المتحدة أكثر أهمية، وبمجرد ذكر أن الوجهة هي إيران، تنأى البنوك بأنفسها عن العملية. إنهم لا يريدون إغضاب الولايات المتحدة».
ويناقش الجانبان الآن إمكانية تنفيذ آلية «الروبية - الريال»، بالإضافة إلى القناة الحالية عبر بنك يو سي أو للمدفوعات بالروبية الهندية. ومع ذلك، فقد رفضت البنوك الأوروبية دعم التجارة، لاعتبارات عدم اليقين بشأن حزمة جديدة من العقوبات من جانب الولايات المتحدة.
وقال المسؤولون الذين يتابعون زيارة الرئيس الإيراني: «تسعى إيران للحصول على دعم الهند خلال الاجتماع المقبل لفريق العمل المالي التابع للأمم المتحدة، حيث تأمل طهران في الخروج من القائمة السوداء الخاصة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب».
وفي حين أن آفاق التهديد بجولة أخرى من العقوبات التجارية من جانب الولايات المتحدة ضد إيران تلوح في الأفق، اتخذت الهند قرارها بأنها لن تنأى بنفسها عن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الكبرى في إيران النابع من رغبتها المستمرة في عزل باكستان عن جميع خطوط اتصالها مع العالم الخارجي. وخطط الاتصالات الهائلة التي تتصور الهند إقامتها مع إيران يكمن أن تكون بمثابة الاستجابة الهندية للموقف الصيني، كما أفادت به المصادر.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.