هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

كليتشدار أوغلو يدخل ولايته الثالثة على رأس «الشعب الجمهوري» بشعار «إزاحة إردوغان»

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟
TT

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

هل ينجح «غاندي تركيا» في جعل «حزب أتاتورك» رمزاً حقيقياً للمعارضة؟

يرى كثير من المراقبين أن كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، قد يكون محقّاً في إشارته إلى أن تركيا تعيش «مناخاً من الخوف». ويسوق هؤلاء كأدلة الانتقادات المتتالية من الغرب وحلفاء تركيا والمنظمات الحقوقية الدولية والمنظمات المعنية بحرية الصحافة والتعبير لما تعيشه تركيا برئاسة رجب طيب إردوغان من تضييق منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) 2016 وحتى الآن. وكانت السلطات قد فرضت حالة الطوارئ بعد المحاولة الانقلابية مباشرة، وهي منذ ذلك الحين تشهد أوسع حملة إعادة تصميم وهيكلة لمؤسساتها بدءاً من الجيش والقضاء إلى المؤسسات الأمنية والإعلامية والتعليمية، وهذا فضلاً عن «حملة التطهير» التي أطلقتها الحكومة بحجة التخلص من أنصار الداعية فتح الله غولن. والمعروف أن السلطات تتهم غولن بتدبير محاولة الانقلاب، لكنها توسّعت لتشمل المعارضين لحكومة حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك حتى الآن، توقيف أكثر من 60 ألف شخص وإقالة أو إيقاف أكثر من 160 ألفاً آخرين عن العمل في مختلف هذه المؤسسات.
اختار حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي في تركيا زعيمه كمال كليتشدار أوغلو، وريث مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال (أتاتورك)، ليواصل رئاسته للحزب في فترة ثالثة حتى عام 2021. وجاء ذلك بعدما جدد انتخاب كليتشدار أوغلو رئيساً في الرابع من فبراير (شباط) الحالي خلال أعمال المؤتمر العام السادس والثلاثين للحزب، متغلباً على منافسه الوحيد و«التقليدي» النائب محرم إينجه بأصوات 790 عضواً مقابل 447 صوتاً لمنافسه الذي كان ترشح أمامه للمرة الثانية على التوالي. ولقد افتتح السياسي المخضرم، ولايته الثالثة على رأس حزب الشعب الجمهوري، بالتأكيد على «مواصلة النضال لحين إنهاء حكم الرئيس رجب طيب إردوغان» قائلاً: «اعتباراً من اليوم انطلقَتْ مسيرتنا للإطاحة بحكومة إردوغان».

مرحلة صعبة
قال كليتشدار أوغلو، الذي يلقبه أنصاره بـ«غاندي تركيا»، إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة عادية، وإن محازبيه سيناضلون في ظل أجواء صعبة. وأشار إلى أن تركيا تمر بأحد أصعب مراحلها، إذ «إن الخوف يعم المجتمع التركي في ظل الحكم القمعي»، متعهداً بأنه سيكسر هذا الخوف. وتجدر الإشارة إلى أن حزب الشعب الجمهوري، من منطلق وضعيته كأكبر أحزاب المعارضة في البرلمان التركي، يرى أن الحملة التي تلت المحاولة الانقلابية «اختلط فيها الحابل بالنابل»، وعمقت من حالة الاستقطاب التي تعيشها تركيا في السنوات الخمس الأخيرة. وهو يعتبر أنها لا تخلو من ظلم، ولذلك كرس جهوده لاستعادة «العدالة» وسيادة القانون اللتين يرى أنهما انتُهِكتا بشدة في هذه الأجواء المشحونة، فضلاً عن رفضه للسياسة الخارجية لحكومة «العدالة والتنمية»، التي يدعي أنها قادت البلاد إلى عزلة، وأضاعت هيبتها وقذفت بها إلى «بحار الفوضى في مستنقع الشرق الأوسط».
بالعودة إلى بداية صعود كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري، فإنها لم تكن بالبداية السهلة أيضاً. إذ إنه تقدم للمنصب بعد أكبر فضيحة سياسية عرفتها تركيا في مارس (آذار) عام 2010، وتمثلت بتسريب فيديو غير أخلاقي لرئيس السابق للحزب دنيز بايكال مع نائبة الحزب عن العاصمة أنقرة، نسرين بايتوك، نشره موقع صحيفة «وقت»، وانتشر بسرعة البرق على المواقع الإلكترونية.
في خضم هذه الأحداث تصدّى كليتشدار أوغلو لمهام قيادة حزبه الجريح، وهو الحزب الذي يقدم نفسه دوماً على أنه المدافع عن مبادئ أتاتورك. وزاد من صعوبة المهمة أن الفضيحة جاءت قبل 11 يوماً من الانتخابات العامة للحزب، وقبل موعد الانتخابات البرلمانية في يونيو (حزيران) 2011، وهو ما اعتبره بايكال تحدياً خطيراً يهدف للإطاحة به من الحزب الذي ظلَّ على رأسه منذ عام 1992. أما كليتشدار أوغلو فإنه بدأ حياته السياسية بعدما اختاره حزب الشّعب الجمهوري فعام 2002 ليكون مرشحه في الانتخابات العامة، لكنه لم ينجح. ثم ما لبث أن دخل البرلمان في عام 2007 عن الدائرة الثانية بإسطنبول، ثم ترشح في انتخابات المحليات عن بلدية إسطنبول الكبرى، وخسر المقعد لصالح مرشح حزب العدالة والتنمية قدير توباش، الذي استقال من منصبه العام الماضي بسبب شبهات علاقة مع حركة غولن.
ومن ثم، استطاع كليتشدار أوغلو أن يحافظ على قوام الحزب. ومع أنه لم يتمكن من أن يحقق تغييراً كبيراً في قاعدته، فإنه استطاع إعادة تشكيل صورة الحزب رافعاً عنه الانتقادات الشديدة في نظرته إلى التدين والحجاب، وهما من القضايا الجدلية التي لازمت الحزب منذ ظهوره وحتى عهد قريب، إذ شجع على ضمِّ محجبات إلى صفوف الحزب وأنشأ مسجداً بداخله كما أرسل بعثة للحج.

صعود وهبوط
«أتاتورك» أسس حزب الشعب الجمهوري في 9 سبتمبر (أيلول) 1923، وكان زعيمه الأول. وبعد وفاته عام 1938 انتخب صديقه وساعده الأيمن عصمت إينونو رئيساً للحزب. وحتى عام 1946 احتكر حزب الشعب الجمهوري عملياً الساحة السياسية، قبل أن تنتقل تركيا إلى نظام التعددية الحزبية، وفي ذلك العام أُجرِيت أول انتخابات نيابية عامة في تاريخ البلاد وفاز الحزب بالسلطة بأغلبية ساحقة، لكنه خسر الانتخابات أمام الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندرس عام 1950، فبقي في المعارضة من عام 1950 حتى عام 1960.
وفي عام 1972 انتخب بولنت (بلند) أجاويد رئيساً للحزب، فكان الزعيم الثالث في تاريخه، وشكل الحزب بعد انتخابات 1973 حكومة ائتلافية مع حزب السلامة الوطني الذي كان يتزعمه الزعيم الإسلامي الدكتور نجم الدين أربكان، وفي عام 1978 تسلم مقاليد الحكم في حكومة ائتلافية أخرى.
وبعد الانقلاب العسكري الذي وقع في 12 سبتمبر 1980، أغلق القادة العسكريون الحزب إلى جانب الأحزاب السياسية الأخرى، ثم أعيد فتحه بعد 12 سنة في عام 1992 بقيادة دنيز بايكال. وحصل الحزب في انتخابات 1995 على نسبة 11 في المائة من الأصوات مكنته من تحقيق 49 مقعداً في البرلمان. غير أنه فشل في انتخابات 1999 ولم يستطع أن يتجاوز الحاجز الانتخابي (10 في المائة من الأصوات) حين حصل على 8.7 في المائة فقط من الأصوات مع أنه كان الفائز بأغلبية واسعة في بعض المحافظات، ولذا فقد بقي خارج البرلمان.
حزب الشعب الجمهوري حزب يساري الاتجاه، ويُعدّ في الوقت الراهن الحزب المنافس الوحيد للإسلاميين في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) في ظل تراجع شعبية حزب اليسار الديمقراطي، خصوصاً بعدما أعلن أجاويد قراره اعتزال السياسة بعد الانتخابات، وتشتت الأحزاب اليسارية الأخرى. وحقاً، الساحة مفتوحة على مصراعيها أمام دنيز بايكال، لا سيما، بعدما التحق كمال درويش وزير الشؤون الاقتصادية السابق بالحزب، كما قام بايكال خلال السنوات الأخيرة بتليين خطابه السياسي ووعد باحتضان مختلف شرائح المجتمع مهما كانت أفكارها وتوجهاتها.

الصدام القوي
بدأت مرحلة الصدام القوي بين كليتشدار أوغلو والرئيس رجب طيب إردوغان منذ عام 2013، الذي شهدت نهايته فضائح فساد ورشوة طالت وزراء في الحكومة التي كان يرأسها إردوغان ومقربون منها. وكانت تلك فرصة لحزب الشعب الجمهوري للضغط على حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وفي الانتخابات الرئاسية عام 2014 سعى كليتشدار أوغلو إلى توحيد المعارضة في مواجهة إردوغان، فاتفق مع حزب الحركة القومية وعدد من الأحزاب الأخرى على مرشح واحد للرئاسة هو الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو، الرئيس الأسبق لمنظمة التعاون الإسلامي والنائب عن حزب الحركة القومية.
وأعيد انتخاب كليتشدار أوغلو عام 2014 رئيساً لحزب الشعب الجمهوري وفي الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015 خاض حزبه الانتخابات بشعارات تُهدِّد بالإطاحة بالحزب الحاكم وانتزاع السلطة منه، إلا أن الانتخابات لم تؤهِّل أي حزب لتشكيل حكومة بشكل منفرد وكانت تلك هي المرة الأولى التي يخفق فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم في أن يشكل حكومة بمفرده منذ ظهوره على الساحة السياسية عام 2002.
بعدها، رفض كليتشدار أوغلو انضمام حزبه إلى حكومة ائتلافية بقيادة أحمد داود أوغلو، وهو ما دفع إلى الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في أول نوفمبر (تشربن الثاني) 2015، وحصل فيها الحزب كالمعتاد على المرتبة الثانية. عقب إخفاق حزبه عن الحصول على نسبة معقولة وجَّه له الصحافيون سؤالاً «هل ستقدم استقالتك؟»، إلا أنه أجاب «أنا مسرور بنتائج الانتخابات ولن أستقيل».

مواقف ثابتة
ورغم معارضة الحكومة والانتقاد المتكرر لسياسات إردوغان يحافظ كليتشدار أوغلو على ثوابت تنبع من مبادئ أتاتورك ويقدم مصلحة تركيا على الخلافات الحزبية. ولذا وقف حزبه منذ البداية في صف رفض محاولة الانقلاب الفاشلة التي هزت تركيا يوم 15 يوليو 2016، كما أيد مواقف الحكومة وفرض حالة الطوارئ. لكنه تمسك بالرجوع للبرلمان، وعاد بعد ذلك ليطالب بضبط حملة التطهير التي أطلقتها الحكومة في ظل حالة الطوارئ، معتبرا أن إردوغان يستخدم محاولة الانقلاب الفاشلة كذريعة للقضاء على الديمقراطية ودولة القانون.
وإبان فترة إعداد التعديلات الدستورية للانتقال إلى النظام الرئاسي، أبدى حزب الشعب الجمهوري موقفاً صلباً بعدما تحوّل حزب الحركة القومية المعارض إلى صف حزب العدالة والتنمية الحاكم وأيده في حملة تغيير النظام البرلماني إلى رئاسي. وبعدها، خاض إردوغان خلال فترة حملة الاستفتاء على التعديلات الدستورية معارك مع خصومه في الداخل مُركِّزاً حملته بصفة أساسية على حزب الشعب الجمهوري، مستخدماً في ذلك أسلوب الطعن في كفاءة كليتشدار أوغلو تارة واتهامه بدعم المحاولة الانقلابية التي وقعت في منتصف يوليو 2016 ومنفذيها تارة أخرى. وهذا على الرغم من موقف حزب الشعب الجمهوري الصريح ضدها.
ولاحقاً، شكل حزب الشعب الجمهوري تكتلاً مع حزب الشعوب الديمقراطي (المؤيد للأكراد) إلى جانب مجموعات مدافعة عن حقوق الإنسان وحركات ديمقراطية في حملة للتصويت ضد التعديلات، وهو ما أدى إلى أن تخرج نتيجة استفتاء 16 أبريل (نيسان) 2017 على تعديل الدستور متقاربة بين المعسكرين. إذ صوّت بـ«نعم» 51.4 في المائة مقابل 48.6 في المائة صوتوا بـ«لا». وقاد حزب الشعب الجمهوري حملة رفض نتائج الاستفتاء بسبب التقارب الشديد في الأصوات واعترض، ومعه مراقبون أوروبيون على قرار اللجنة العليا للانتخابات بقبول أوراق تصويت غير مختومة، وهو ما أزال ضمانة مهمة ضد التزوير.
وشهد كليتشدار أوغلو، حملةً من الضغط المكثَّف بعد تصاعد الأصوات داخل الحزب تطالبه بالاستقالة من منصبه إذا لم يكن ينوي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية عام 2019. كذلك أشعل رئيس الحزب السابق بيكال حالة من الغضب بطرحه أسماء لمن يمكنهم قيادة الحملة القادمة للفوز بالانتخابات البرلمانية في 2019، طارحاً اسم الرئيس التركي السابق عبد الله غل - أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم - وميرال إكشنار نائبة رئيس حزب الحركة القومية السابقة التي فُصلت من الحزب بعد قيادة جبهة معارضة ضد رئيس الحزب دولت بهشلي والتي أطلقت لاحقا في 26 أكتوبر (تشرين الأول) حزباً جديداً برئاستها باسم «الحزب الجيد».

من أجل الديمقراطية
لقد قرر حزب الشعب الجمهوري تكريس جهوده بعد الاستفتاء على تعديل الدستور للمطالبة بالديمقراطية وعودة سيادة القانون من خلال الضغط على الرئيس إردوغان، واستغلال الفارق الضئيل بين معسكري «نعم» و«لا» ورفض تحويل الجمهورية التركية عن مسارها ونظامها الذي وضعه مؤسسها «أتاتورك». وأطلق الحزب مسيرة من أنقرة إلى إسطنبول في منتصف يونيو 2017 تحت شعار «العدالة» بعد صدور حكم بسجن النائب عن حزب الشعب الجمهوري أنيس بربرأوغلو لمدة 25 سنة، لإدانته بكشف أسرار دولة وتسليمه صحيفة «جمهوريت» صوراً لنقل أجهزة الاستخبارات التركية أسلحة لمسلحين في سوريا. وحققت المسيرة إقبالاً وتجاوباً شعبياً فاق توقّعات كيلتشدار أوغلو نفسه الذي أقرّ بأنه اتخذ قراره بالسير على طريقة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، من دون أن يفكّر في الخطوة التالية ولا ترتيب أمور الرحلة.
في المقابل، فشلت تهديدات إردوغان، الذي اعتبر المشاركين في المسيرة داعمين للإرهاب وللانقلابيين، في دفع المواطنين إلى الامتناع عن المشاركة فيها، إذ بلغت المشاركة في أيام 30 ألفاً. وساهم في المشاركة الشعبية الامتناع عن رفع شعارات حزبية. ولقد اعتبر كليتشدار أوغلو أن العدالة واستقلال القضاء باتا مطلباً لكل الأطياف في تركيا، حتى لدى الحزب الحاكم، بعدما تحوّلت المحاكم إلى «عصا تأديب وعقاب في يد إردوغان».
وكانت المفاجأة الحقيقية ليست فقط في نجاح «غاندي تركيا» في إنهاء مسيرة طويلة مشابهة لحراك «مسيرة الملح» الشهيرة التي نظمها غاندي في الهند عام 1930 ضد الاستعمار البريطاني، بل في ختامها في 9 يوليو، بعد 25 يوماً قطع والمشاركون فيها أكثر من 450 كلم سيراً على الأقدام، بتجمع مليوني. وخلال التجمع قرأ بياناً من 10 نقاط حددها كاستراتيجية لحزبه في المرحلة المقبلة، ودعا الأتراك لتبنّيها والدفاع عنها وكان أهمها إلغاء حالة الطوارئ، ودعم استقلالية القضاء، والإفراج عن الصحافيين المعتقلين، وضمان حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير في الجامعات، وعدم الاعتراف بالتعديلات الدستورية التي أُقِرّت في الاستفتاء الأخير بطريقة غير مشروعة وبقاء النظام البرلماني.
وفي هذا السياق، يواصل حزب الشعب الجمهوري ضغطه على إردوغان بملف استقلال القضاء وانتهاك الحقوق والحريات، منتقداً صمت الرئيس عن رجل الأعمال رضا ضراب الذي يُحاكَم في نيويورك، والذي كان قد ادعى تورط الرئيس التركي بغسل أموال لصالح إيران. وردّاً على هجوم من قبل إردوغان اتهمه فيه بأنه يستهدف رجال الأعمال، قال كليتشدار أوغلو: «لا أنا ولا الدائرة القريبة مني أسسنا شركة في جزيرة مان أو مالطة للتهرب من الضرائب في تركيا».

مواقف تجاه المنطقة العربية
على صعيد السياسة الخارجية، أظهر حزب الشعب الجمهوري معارضة قوية لسياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم التي تدير ظهر تركيا للغرب وتتجه شرقاً. ويعتبر حزب الشعب الجمهوري أن سياسة تركيا الخارجية «عاجزة تماماً في سوريا العراق» و«جرت تركيا إلى مستنقع الشرق الأوسط بعد الربيع العربي»، وهو يرفض تدخلات إردوغان في شؤون الدول الأخرى كما فعل في مصر والعراق وسوريا.
وبالنسبة للأزمة السورية، بالذات، فإن حزب الشعب الجمهوري وعلى الرغم من تأييده لعمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون» العسكريتين في شمال سوريا، فإنه يرفض تعاون تركيا مع «الجيش السوري الحر» بزعم أنه يحوي فصائل تتبع تنظيم القاعدة وداعش. وبالعكس، يطالب بالتعامل مع نظام بشار الأسد «إذا كانت تركيا ترغب في حماية حدودها والقضاء على خطر الإرهاب القادم من سوريا». وحقاً، يوصف كليتشدار أوغلو بأنه صديق للنظام السوري بسبب خلفيته الطائفية العلوية الشيعية، وكون حزبه محسوباً، عموماً، على هذه الطائفة، كما تجمعه علاقة قوية بنظامي الحكم في العراق وإيران.
أكثر من هذا، يرى الحزب أن السياسة التركية الخارجية إجمالاً «فاشلة»، وأدت إلى «عزلة تركيا» وانقطاع الصلة مع محيطها ومع بعض الدول المهمة في المنطقة مثل مصر، بسبب تأييد إردوغان لجماعة الإخوان المسلمين. وكان وفد من الحزب قد زار مصر، كما فعل مع العراق، وأعلن أخيراً أنه سيرسل وفداً إلى سوريا.
ختاماً، يرى كثيرون من المراقبين على أن مهمة كيليشدار أوغلو تبدو مستحيلة في المرحلة المقبلة. إذ عليه إبقاء المعارضة موحدة وتجهيزها لمعركة الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية في 2019 بوجه حزب العدالة والتنمية الذي بات يحظى بدعم حزب الحركة القومية اليميني. ولكن يرى البعض أنه مع ذلك نجح إلى حد بعيد في إيصال رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن تركيا ليست عبارة عن حزب واحد أو رجل واحد.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.