«داعش» يهدد إيران من «تورا بورا» الكردية

التعليم والمشكلات الاقتصادية تسهل مهمة التنظيم في تجنيد الشباب بمناطق الأكراد

عناصر من الأمن ينتشرون خلال هجوم تنظيم داعش على مقر البرلمان الإيراني بوسط طهران في 7 يونيو الماضي
عناصر من الأمن ينتشرون خلال هجوم تنظيم داعش على مقر البرلمان الإيراني بوسط طهران في 7 يونيو الماضي
TT

«داعش» يهدد إيران من «تورا بورا» الكردية

عناصر من الأمن ينتشرون خلال هجوم تنظيم داعش على مقر البرلمان الإيراني بوسط طهران في 7 يونيو الماضي
عناصر من الأمن ينتشرون خلال هجوم تنظيم داعش على مقر البرلمان الإيراني بوسط طهران في 7 يونيو الماضي

ربما يكون تنظيم داعش في سبيله إلى الانحسار بالعراق وسوريا، غير أن خطره لا يزال قويا في إيران، ويتركز في المجتمعات الكردية على امتداد الحدود العراقية - الإيرانية التي تحرك المتشددون انطلاقا منها في السنوات الأخيرة.
وقال مسؤول أمني عراقي كبير في المنطقة الحدودية إن السكان المحليين يطلقون على المنطقة اسم «تورا بورا» وهو اسم المخابئ الجبلية التي فر إليها أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعد أن غزت الولايات المتحدة أفغانستان في عام 2001، وفق تقرير نشرته وكالة «رويترز» أمس.
في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي سقط 3 من أفراد «الحرس الثوري» قتلى بمنطقة بامو في اشتباك مع 21 مسلحا، وزعم «الحرس الثوري» في بيان أنهم من عناصر «داعش» الذين تسللوا من العراق. وقال «الحرس الثوري» إن 3 من أعضاء التنظيم فجروا أحزمة ناسفة، ولقي اثنان آخران مصرعهما في الاشتباك.
وقبل ذلك بأيام عثرت وزارة المخابرات الإيرانية على مخبأ للأسلحة في مدينة مريوان على الجانب الإيراني من الحدود كانت فيه كميات من المتفجرات من مادتي «تي إن تي» و«سي4» ومفجرات إلكترونية وقنابل يدوية وشرائط ذخيرة لبنادق كلاشنيكوف وقاذفات صاروخية.
ويشير الاشتباك واكتشاف المخبأ إلى أن التنظيم لا تزال لديه القدرة على اختراق شبكة الأمن المحكمة في إيران. وقال حسين دهقان وزير الدفاع السابق الذي يعمل الآن مستشارا عسكريا للمرشد الإيراني علي خامنئي في مقابلة مؤخرا مع وكالة «تسنيم» شبه الرسمية للأنباء: «اليوم لا يسيطر تنظيم داعش على بلد... ولكي يؤكد وجوده، فربما ينفذ هجوما في أي يوم».
وحلبجة؛ أكبر المدن الواقعة على الجانب العراقي من الحدود، تعيد إلى الأذهان ذكرى ما شهدته من هجوم كيماوي أمر به صدام حسين في عام 1988 وسقط فيه آلاف القتلى.
وتنشط فصائل مسلحة تابعة لأحزاب كردية مناوئة للنظام الإيراني في الشريط الحدودي بين إقليم كردستان العراق والمناطق الكردية في 3 محافظات إيرانية غرب البلاد، وهي تشكل تحديا أمنيا لقوات «الحرس الثوري» منذ أكثر من 3 عقود.
وبحسب تقرير «رويترز»، فإن وجود متطرفين في المنطقة وحول المدينة ليس بالأمر الجديد، فعند مدخل المدينة علقت صور رجال أمن من أكراد العراق المعروفين باسم «البيشمركة» قتلوا في المعركة مع التنظيم.
وقال مسؤولون أمنيون عراقيون وقادة من البيشمركة مطلعون على الأمر، إن «كثيرين من أكراد العراق وإيران الذين يقاتلون الآن مع التنظيم يمثلون الجيل الثاني من المتطرفين الذين تأثروا بإرث الزرقاوي الدموي».
في هذا الشأن، قال هماي هاما سعيد، وهو أحد كبار قادة البيشمركة وعضو حزب الاتحاد الوطني الكردستاني العراقي، إن «أعضاء التنظيم من الأكراد يستغلون معرفتهم باللغة والمنطقة وصلاتهم القوية عبر الحدود». ويتابع أنه «من المؤكد أن هناك روابط بين المتطرفين الإيرانيين والعراقيين على جانبي الحدود»، مضيفا أن تلك الجماعات «تستغل هذه المنطقة لأنها جبلية وصعبة وكثيفة الأشجار».
ويقول مسؤولو أمن عراقيون وقادة من البيشمركة إن «كثيرين من الشبان لم يتلقوا تعليما كافيا، ولا تتاح لهم فرص اقتصادية تذكر؛ الأمر الذي يتيح للمتطرفين نجاح مساعيهم في التجنيد».
وادعت السلطات الإيرانية إن مخبأ الأسلحة الذي عثرت عليه على الحدود كان سيستخدم في مهاجمة المدنيين في أماكن عامة بعد الهجوم المباغت على البرلمان في العاصمة طهران وضريح المرشد الإيراني الأول (الخميني) في يونيو (حزيران) الماضي، الذي أسفر عن مقتل 18 شخصا على الأقل وإصابة العشرات.
وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن ذلك الهجوم وهدد بشن المزيد. ورد الحرس الجمهوري عبر هجوم صاروخي على مواقع التنظيم في الرقة، كما ادعى إلقاء القبض على عشرات من المشتبه بهم في إيران.
وقالت وزارة المخابرات الإيرانية إن هجوم يونيو دبره متشدد عراقي يستخدم الاسم الحركي «أبو عائشة»، وهو قائد كبير في وحدة من وحدات التنظيم الذي يقاتل في العراق وسوريا، ومؤلفة من الأكراد بالكامل. وقالت إن منفذي هجوم طهران 4 إيرانيين شاركوا في القتال في الموصل والرقة وتدربوا خارج إيران.
وتظهر صور منشورة على الإنترنت «أبو عائشة» عضو «جماعة أنصار الإسلام» قبل انضمامه لـ«داعش»، وهو يقطع رؤوس جنود من البيشمركة مرتديا الزي التقليدي الكردي.
وفي خريف 2016 وصل عدد من مقاتلي «داعش» الأكراد بقيادة «أبو عائشة» إلى قرية حدودية عراقية قرب حلبجة لمحاولة إقامة قاعدة للعمليات يمكن أن ينفذوا منها هجمات في إيران والعراق، وذلك وفقا لما قاله مسؤولون أمنيون عراقيون مطلعون على هذا الأمر.
وقال المسؤولون الأمنيون العراقيون والناشط الكردي مختار هوشمند الذي سجن في إيران باتهامات تتعلق بالأمن الوطني في الفترة من 2010 إلى 2012 والتقى عشرات من المتطرفين خلف القضبان، إن قوات البيشمركة قتلت «أبو عائشة» في ديسمبر (كانون الأول) 2016. وأضاف عبر الهاتف من خارج إيران أن ما حدث بعد ذلك هو أن سيرياس صادقي، الذي كان يدير مخبزا على بعد نحو 15 كيلومترا من الحدود، أصبح المسؤول الأول عن التخطيط لهجمات طهران.
وكان صادقي يعرف «أبو عائشة» وعبر الحدود ذهابا وإيابا معه أكثر من مرة. وقال هوشمند: «كان صادقي لا يزال حريصا للغاية على أن تنفذ هذه العملية. لعب دورا كبيرا».
وخلال الهجوم على ضريح الخميني فجر صادقي سترة ناسفة، ما أطلق كرة من اللهب تم تصويرها بمقطع فيديو صوره أحد الهواة. وقتل المهاجمون الأربعة أيضا.
ويقول منتقدون للحكومة الإيرانية إن طهران تحصد ما زرعت في المنطقة؛ إذ تقاعست عن شن حملة في وقت سابق ضد المتشددين لأنهم كانوا قوة مضادة للجماعات العلمانية التي تعارض الحكومة المركزية.
ونشر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وهو جماعة إيرانية معارضة تسعى لمزيد من الحكم الذاتي للأكراد، تقريرا على الإنترنت في 2014 عن نشر المتشددين دعاية لتنظيم داعش ومحاولتهم تجنيد الشبان للتنظيم في إيران. وذكر الحزب اسم صادقي باعتباره فردا يمارس أنشطة التجنيد في باوة.
وقال محمد صالح قادري، وهو مندوب عن الحزب في أربيل: «كانوا في معظم المساجد في كردستان، وكانوا ينشرون الدعاية، لكن إيران لم تعتقل أحدا منهم».
وفشلت محاولات الوصول إلى مسؤولين من وزارة الداخلية الإيرانية للتعقيب، لكن وثائق تظهر أن السلطات الإيرانية كانت على علم بالخطر المتنامي.
وأشار تقرير أصدرته وزارة الداخلية الإيرانية في 2014 إلى أن «كثيرا من الأكراد الإيرانيين السلفيين أعلنوا استعدادهم للانضمام إلى تنظيم داعش في العراق. وسافر كثيرون منهم إلى سوريا».



بعد ضرباتها في سوريا... إسرائيل تفترض «السيناريو الأسوأ»

دبابات إسرائيلية تتنقل بين السياجين داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا (إ.ب.أ)
دبابات إسرائيلية تتنقل بين السياجين داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا (إ.ب.أ)
TT

بعد ضرباتها في سوريا... إسرائيل تفترض «السيناريو الأسوأ»

دبابات إسرائيلية تتنقل بين السياجين داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا (إ.ب.أ)
دبابات إسرائيلية تتنقل بين السياجين داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا (إ.ب.أ)

يرى محللون أن إسرائيل بتنفيذها ضربات واسعة على أهداف عسكرية سورية، وسيطرتها على المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة في مرتفعات الجولان، تسعى إلى «تجنّب الأسوأ» بعد سقوط حكم آل الأسد.

وقال يوسي ميكيلبرغ، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس في لندن، إن «الحكومة الإسرائيلية... تتصرف على أساس أسوأ السيناريوهات»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار محللون إلى أن بقاء بشار الأسد في السلطة كان أهون الشرور بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم تحالفه مع إيران، العدو اللدود للدولة العبرية، وحليفها «حزب الله» اللبناني، وذلك خوفاً من أن تؤدي إطاحته إلى فوضى.

وبُعيد سقوط الأسد، الأحد، شنّت إسرائيل خلال 48 ساعة مئات الضربات من الجو والبحر، قالت إنها طالت «أغلبية مخزونات الأسلحة الاستراتيجية في سوريا؛ خشية سقوطها بيد عناصر إرهابية».

واحتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية خلال حرب يونيو (حزيران) عام 1967. وبعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أُقيمت منطقة عازلة منزوعة السلاح تحت سيطرة الأمم المتحدة، عقب اتفاق لفض الاشتباك بين القوات الإسرائيلية والسورية عام 1974. وضمت إسرائيل القسم المحتل من الجولان عام 1981، في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي باستثناء الولايات المتحدة.

ومنذ اتفاق فض الاشتباك، لم تشهد جبهة الجولان أي تحرك عسكري من جانب سوريا.

والآن، يبدو أن القادة الإسرائيليين يخشون أن تكون الفوضى قد حلّت في سوريا أصلاً، ويتصّرفون وفقاً لذلك.

وفي يوم سقوط الأسد، أعلن نتنياهو أن اتفاق 1974 انهار، وأمر قواته بالسيطرة على المنطقة العازلة.

وقالت الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي للدولة العبرية، إن انتشار القوات الإسرائيلية في المنطقة العازلة يجب أن يكون «مؤقتاً»، بعدما قالت الأمم المتحدة إن إسرائيل تنتهك اتفاق الهدنة عام 1974.

ومذاك، شن الجيش الإسرائيلي مئات الضربات ضد أصول عسكرية سورية، مستهدفاً خصوصاً مخازن أسلحة كيميائية ودفاعات جوية تابعة للبحرية السورية؛ لإبعادها عن أيدي المقاتلين.

وقد دعا مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن إلى وقف فوري لعمليات القصف الإسرائيلية.

من جهته، قال المحلّل داني سيترينوفيتش، من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إنه يتوقع أن توسّع إسرائيل ضرباتها، موضحاً: «كل شيء استراتيجي في سوريا (...) الصواريخ والطائرات، وكذلك مركز البحوث العلمية (التابع لوزارة الدفاع)، كل شيء سيقصف».

وأضاف: «لا نعرف من سيتصدى لنا من الجانب السوري، سواء كان تنظيم (القاعدة) أو (داعش) أو أي تنظيم آخر، لذلك علينا أن نكون مستعدين لحماية مدنيينا».

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إنه مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أصدر تعليمات للجيش «بإقامة منطقة خالية تماماً من السلاح والتهديدات الإرهابية في جنوب سوريا من دون وجود إسرائيلي دائم».

وقال أفيف أوريغ، المحلل في مركز المعلومات مئير عميت، إن مصدر القلق الرئيسي على المدى القصير بالنسبة إلى إسرائيل هو المخزونات المتبقية من الأسلحة الكيميائية، وغيرها من الأسلحة الاستراتيجية.

وذكّر بالماضي الجهادي لبعض فصائل المعارضة السورية، موضحاً: «إذا وقعت هذه الأسلحة بين أيديهم فمن يدري ماذا سيفعلون بها؟».

لكنّ ميكلبرغ رأى أن تلك الطريقة «ليست الأفضل لبناء الجسور مع الحكومة الجديدة»، لافتاً إلى كثافة الضربات الإسرائيلية وحجمها.

الأكراد والدروز

وفي وقت يسود فيه تفاؤل في سوريا بشأن مستقبل البلاد، يتوقع بعض المحللين الإسرائيليين أن تكون البلاد مجزأة.

وقال إيال بينكو، وهو ضابط بحري متقاعد وخبير أمني، إنه يتوقع أن تنقسم سوريا إلى مجموعات إثنية - دينية، موضحاً: «أعتقد أنه لن تعود هناك سوريا».

من هذا المنطلق، يمكن لإسرائيل أن تختار مجموعات دون أخرى للعمل معها.

والاثنين، قال وزير الخارجية جدعون ساعر إن أكراد سوريا الذين وصفهم بأنهم «قوة الاستقرار»، يجب أن يتمتعوا بحماية المجتمع الدولي، فيما تحدث سابقاً عن العمل مع الأكراد في شمال شرقي البلاد والدروز في الجنوب.

وقال بينكو: «لا أعتقد أنهم سيحكمون سوريا... لكن إسرائيل ستحاول الدخول في سلام مع من يرغب فيه».

من جهته، رأى ميكيلبرغ أن العمل العسكري في الجولان، وتفضيل مجموعات على أخرى، سيشكلان خطأ من شأنه أن يضر بأي علاقة مستقبلية.

محادثات نووية

على مدى عقود، كانت سوريا حليفاً وثيقاً لطهران، والركيزة الأساسية للجسر البري الذي كانت تصل عبره الأسلحة الإيرانية إلى «حزب الله».

وبعدما تضرر بشدّة خلال حربه الأخيرة مع إسرائيل، قد يجد «حزب الله» الآن صعوبة في إعادة تسليحه دون روابط بسوريا.

وقال سيترينوفيتش إن سوريا «أساسية» بالنسبة إلى «حزب الله»، «وأنا أقول إنه دون سوريا تحت تأثير إيران، فلن يكون هناك في الواقع محور مقاومة».

وأيّده بينكو في ذلك قائلاً: «الخطر المرتبط بالمحور، (حزب الله) وسوريا وإيران والميليشيات العراقية أيضاً، أقل بكثير» الآن.

لكن السؤال الأهم هو: كيف يمكن لإيران أن ترد بينما أصبح موقفها أضعف؟ وقال سيترينوفيتش إن طهران قد «تسارع لإنتاج قنبلة (نووية)».

وهو ما قاله أيضاً أوريغ، مشيراً إلى أن ذلك يشكّل مصدر القلق الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل؛ «لأنه عندما تتعامل مع إيران مسلّحة نووياً، فإن الأمر سيكون مختلفاً تماماً».

إذا بدأت إيران تصنيع أسلحة ذرية، فقد تقرر إسرائيل القيام بعمل عسكري كما يتوقع البعض، لكنّ آخرين قدموا فرضية بديلة، وهي أنه يمكن جعل إيران تتفاوض بعدما أُضعفت الآن.