جون سوليفان: «داعش» سيظل مشكلة... وقلقون من جهود إيران لتقويض سيادة العراق

نائب وزير الخارجية الأميركي يتحدث عن تقارب بين حكومتي أربيل وبغداد

نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان («الشرق الأوسط»)
نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان («الشرق الأوسط»)
TT

جون سوليفان: «داعش» سيظل مشكلة... وقلقون من جهود إيران لتقويض سيادة العراق

نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان («الشرق الأوسط»)
نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان («الشرق الأوسط»)

قال نائب وزير الخارجية الأميركي جون سوليفان، إنه خلال زيارته بغداد وأربيل في الأسبوع الماضي، حث الطرفين على التوصل إلى اتفاق حول القضايا الخلافية التي تتعلق بإعادة فتح المطارات في كردستان العراق أمام الرحلات الدولية ودفع الرواتب ومواصلة العمل بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية.
ورأس سوليفان - الذي يعد الرجل الثاني في وزارة الخارجية الأميركية - الوفد الأميركي المشارك في الاجتماع الخامس للجنة التنسيق العليا الأميركية - العراقية التي تأسست بموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة في ديسمبر (كانون الأول) 2008. وفي الرحلة نفسها التي زار فيها بغداد وأربيل، زار نائب وزير الخارجية الأميركي العاصمة الأفغانية كابل، والتقى الرئيس أشرف غني وعدداً من المسؤولين الأفغان، وحث على تحسين العلاقات بين أفغانستان وباكستان ومواصلة الضغط على حركة طالبان لدفعها إلى مائدة المفاوضات، مشدداً على أن موقف إدارة الرئيس ترمب يركز على التوصل إلى حلول من خلال عملية مفاوضات تقودها الحكومة الأفغانية. لكنه أشار إلى أنه في أعقاب سلسلة هجمات دامية في أفغانستان، فإن الظروف ليست مواتية لعقد المفاوضات.
وقال سوليفان، في لقاء مع مجموعة صغيرة من الصحافيين الأجانب شاركت فيه «الشرق الأوسط»، أول من أمس، إنه عقد اجتماعات مثمرة مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وعدد من رجال الأعمال العراقيين لمناقشة العلاقات التجارية ومناقشة سبل التنمية الاقتصادية مع العراق، وأيضاً ترتيبات عقد مؤتمر الاستثمار في الكويت بنهاية الشهر الحالي، كما التقى في أربيل مع رئيس الوزراء في إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، ونائب رئيس الوزراء قوباد طالباني، وناقش معهما كيفية إحراز تقدم في المحادثات بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية في بغداد.
وفي سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول تقييمه للوضع الحالي بين أربيل وبغداد، وما يتعلق بترتيبات تصدير النفط من كركوك على وجه الخصوص، وما ستقدمه الحكومة الأميركية خلال مؤتمر المانحين لإعادة إعمار العراق نهاية الشهر الحالي في الكويت، قال نائب وزير الخارجية: «في مناقشتي مع رئيس الوزراء حيدر العبادي في بغداد ومع رئيس الوزراء بارزاني في أربيل، أشرت إلى ضرورة حل بعض المشكلات التي نعتبر أنه يمكن حلها بسرعة قبل الانتخابات التي تجري في 12 مايو (أيار)، مثل إعادة فتح المطارات في كردستان العراق للرحلات الدولية ودفع مرتبات موظفي بعض الوزارات في حكومة كردستان. وفيما يتعلق بقضايا النفط كان تركيزي على محاولة بناء الثقة بين الحكومتين، وقد قام رئيس الوزراء بارزاني بزيارة إلى بغداد أخيراً ونتوقع مزيداً من الحوارات بين الحكومتين بما في ذلك اللقاءات وجهاً لوجه، ونعتقد أنه من المهم اتخاذ خطوات تدريجية لبناء الثقة ونعتقد أن إعادة فتح المطارات والتوصل إلى اتفاق بشأن دفع المرتبات ستكون خطوة مهمة من شأنها أن تؤدي إلى مناقشات بشأن قضايا أوسع نطاقاً مثل النفط وتصديره ونقاط التفتيش الحدودية، وهي قضايا سيكون حلها أصعب قبل الانتخابات البرلمانية في 12 مايو، لكن ينبغي حلها في نهاية المطاف والمسألة هنا هي تحديد الأولويات والتوقيت».
وسألت «الشرق الأوسط» سوليفان عن القلق من تصاعد دور الميليشيات الشيعية في العراق بعد هزيمة «داعش»، فأجاب: «لقد أعلن رئيس الوزراء العبادي في أول ديسمبر القضاء على ما يسمى (خلافة داعش) الزائفة في العراق، لكن هذا لا يعني أن (داعش) لا يشكّل مشكلة. فستظل فلول (داعش) مشكلة مستمرة، ولا يمكننا أن نغفل عنها ولا يمكننا أن نكرر الأخطاء التي ارتكبناها في الماضي عندما قللنا من التنبه، وتم سحب القوات الأميركية بالكامل من العراق ورأينا ما حدث (ظهور داعش) في خلال فترة زمنية قصيرة، فـ(داعش) انبثق من بقايا تنظيم القاعدة في العراق». وأضاف: «الحكومتان الأميركية والعراقية تركزان على التهديدات الأمنية التي يشكلها تنظيم داعش في العراق، وناقشنا مسألة قوات الحشد الشعبي مع الحكومة العراقية. أعلم أنّ رئيس الوزراء، وكجزء من تركيزه على مراجعة وإصلاح جميع العناصر الأمنية العراقية، يركز كثيراً على تنظيم عملية إنشاء وحدات عسكرية ويعيدها إلى سيطرة الحكومة في بغداد. هذه عملية نقوم فيها بتقديم المشورة والمساعدة، وسنواصل القيام بذلك».
وحول نفوذ إيران وتأثير الميليشيات الشيعية خصوصاً «الحشد الشعبي»، قال سوليفان لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا مخاوف بشأن تأثير إيران الخبيث في المنطقة وفي العراق بشكل خاص. إيران جارة للعراق. نتوقع أن تكون للعراق علاقة مستقرة ومحترمة مع إيران، ونحن قلقون بشأن الجهود الإيرانية لتقويض السيادة العراقية».
وحول مؤتمر إعادة أعمال العراق، قال سوليفان: «سيشارك وزير الخارجية ريكس تيلرسون في هذا المؤتمر الذي كان موضوع مناقشاتنا مع المسؤولين العراقيين، ونحن نشجع الشركات الأميركية على الحضور لتعزيز الاستثمار وتطوير علاقة تجارية بين العراق والولايات المتحدة. ولسوء الحظ ظهر تنظيم داعش في الفترة من 2014 إلى أواخر 2017، كان تركيزنا على إعادة إرساء الأمن، وحان الوقت الآن لاستئناف تركيزنا على علاقة اقتصادية وتجارية أكثر استقراراً بين الولايات المتحدة والعراق».
وعن رحلته إلى أفغانستان وفحوى لقاءاته مع المسؤولين الأفغان، قال سوليفان: «نقلت للحكومة الأفغانية رسالة مفادها أن ما يحدث لن يردعنا عن مواصلة الشراكة مع الحكومة الأفغانية، وقلت إن الهجمات (التي شهدتها كابل) مروعة، وتشير إلى أن بعض العناصر في حركة طالبان لا يتفقون مع فكرة الانخراط في مفاوضات سلام الآن». وأضاف: «لا يوحد أي تغيير في سياستنا في جنوب آسيا. وتستند هذه السياسة إلى الظروف وليس التوقيت، وهي مصممة لالتزام طويل الأجل من قبل الولايات المتحدة. حالياً لا تبدو الظروف مناسبة لمفاوضات السلام في ضوء ما حدث في الأسابيع القليلة الماضية، ولكننا ملتزمون بهذه السياسة، ونتوقع ونخطط مع الحكومة الأفغانية لممارسة ضغوط على حركة طالبان على المستوى الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والعسكري لدفعها في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات».
وسئل عن تورط باكستان المزعوم في دعم الهجمات في أفغانستان وعما إذا كانت هناك مؤشرات حول تغيير موقفها بعد تحذيرات الرئيس ترمب، فأجاب سوليفان: «إننا نتوقع الحصول على الدعم من باكستان في مكافحة جميع الجماعات الإرهابية لا سيما داخل حدود باكستان، وقد نقلنا هذه التوقعات إلى الحكومة الباكستانية جنباً إلى جنب مع تعليق بعض المساعدات الأمنية لتوصيل رسالة حول خطورة الوضع. وهذا هو جوهر رسالتي؛ إننا ملتزمون بهذه السياسة التي اعتمدها الرئيس في الصيف الماضي وإنها تقوم على أساس الظروف وليس على أساس الوقت، وما حدث من حوادث إرهابية مروعة على مدى الأسبوعين الماضيين في كابل يشير إلى أن الظروف ليست جيدة للجلوس بشكل فوري إلى طاولة المفاوضات، لكن هدفنا النهائي هو التوصل إلى تسوية سلمية عن طريق التفاوض مع حركة طالبان، ويبدو أن بعض عناصر حركة طالبان يحتاجون إلى أن يقتنعوا بأننا جادون في أهدافنا وأن الرئيس ترمب جاد في تحقيق سياسته وأهدافه».
وفي سؤال حول تصريحات باكستان بأنها طردت جميع أعضاء «شبكة حقاني» وحركة طالبان وأنه ينبغي على الحكومة الأفغانية التحدث مباشرة مع المتمردين، شدد نائب وزير الخارجية الأميركي على أنه عندما تكون الظروف مناسبة ستبدأ المفاوضات. وقال: «نحن لا نسعى إلى إنشاء مؤسسة عسكرية أميركية دائمة في أفغانستان. وستتخذ الولايات المتحدة الخطوات المناسبة لسحب وجودنا العسكري رهناً بإجراء مزيد من المفاوضات مع الحكومة الأفغانية. إذن التركيز هو على الظروف في أفغانستان. الظروف على مدى الأسبوعين الماضيين لا توحي بأنه ينبغي أن تبدأ المحادثات عما قريب».
وفسّر سوليفان الظروف المناسبة لإجراء المفاوضات بتوقف الهجمات الإرهابية والتمييز بين المنظمات الإرهابية الأخرى مثل «داعش» و«القاعدة» التي قد تكون مسؤولة عن بعض الهجمات الإرهابية. وقال: «نريد مؤشراً إلى أن لدينا طرفاً يريد المشاركة بجدية في تحقيق الاستقرار والأمن في أفغانستان ويؤكد الالتزام بالدستور الأفغاني ويقطع علاقته بالإرهاب، وهذا هو الوضع النهائي الذي نريده». وأضاف: «فيما يتعلق بباكستان، فقد أوضحنا للحكومة الباكستانية أننا ننتظر منهم طرد الإرهابيين الذين يقوّضون الأمن في أفغانستان أو في أي مكان آخر، وعدم توفير ملاذ لهم في باكستان ومناقشتنا جارية وتتوقع الولايات المتحدة من الحكومة الباكستانية أن تطرد الإرهابيين داخل حدودها وتتخذ إجراءات ضدهم».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.