أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

استعاد لبنان معها أجواء الحرب... وتداعياتها ستنعكس على الحكومة

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية
TT

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

فتحت الأحداث الأمنية والسياسية التي عاشها اللبنانيون هذا الأسبوع، الباب على كل الاحتمالات، بما فيها عودة الحرب الأهلية، قبل أن يؤدي اتصال رئيس الجمهورية ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى احتواء الوضع، وتنفيس الأجواء في الشارع، من دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة السياسية في لبنان بشكل عام، وبين «حركة أمل» و«التيار الوطني الحر» (تيار عون) بشكل خاص.
وبين محاولة البعض التخفيف من وطأة ما حدث، وتحذير آخرين من تداعياتها، تبقى هناك حقيقة واحدة، هي أن «ما بعد مواجهة برّي ووزير الخارجية جبران باسيل ليس كما قبلها».
بل ستبقى التداعيات حاضرة داخل الحكومة الائتلافية الحالية إلى حين موعد الانتخابات النيابية المقررة في شهر مايو (أيار) المقبل، لتكون المواجهة الأكبر في انتخابات رئيس المجلس النيابي ومشاورات تشكيل الحكومة المقبلة التي ستشكّل ملعباً للاشتباك السياسي.

انفجرت المواجهة بين جبران باسيل وزير خارجية لبنان رئيس «التيار الوطني الحرّ» (التيار العوني) نهاية الأسبوع الماضي عند تسريب شريط فيديو يهاجم فيه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، واصفاً إياه بـ«البلطجي»، ومتوعّداً بـ«تكسير رأسه». ثم تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب افتراضية بين مناصري الطرفين، استعيدت عليها لغة الحرب الطائفية التي لم يغب عنها نواب ووزراء محسوبون أيضاً على «التيار الوطني الحر» (الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، حمو باسيل) و«حركة أمل» برئاسة برّي.
«أمل» طالبت باعتذار باسيل، وبينما ظل رئيس الجمهورية صامتاً طوال يوم الاثنين، الذي انتهى بإصدار «حزب الله» - الذي كان قد التزم الحياد في كل أزمات حليفيه السابقة - بياناً استنكر فيه كلام باسيل. إلا أن ما كان ينتظره «حزب الله» و«أمل» من عون ومناصريه بات مستحيلاً بعدما عمد مناصرو «أمل» إلى النزول إلى الشارع وإحراق الدواليب والاعتداء على مركز «التيار الوطني الحر»، فعندها كسر عون صمته ببيان اعتبر فيه «أن الخطأ الذي بُني على خطأ هو خطأ»، وطلب من الطرفين التسامح. وفي المقابل، لم يرَ «حزب الله» و«أمل» في بيان الرئيس إلا مساواة بين «القاتل» و«القتيل»، وصعّد وزراء «أمل» ونوابها مواقفهم مطالبين باسيل بالاستقالة، بينما آثر الأخير الصمت، واكتفى عبر بيان لاجتماع «تكتل التغيير والإصلاح» باعتبار «أن الملف قد انتهى».

أجواء الحرب
لكن «انتهاء الملف» بالنسبة إلى باسيل كان سبباً إضافياً للتصعيد في شارع «أمل» وصل مساء الأربعاء إلى مهاجمة ضاحية الحدث (ذات الغالبية المسيحية المارونية)، التي اعتبرت تقليدياً «خط تماس» بين المسيحيين والمسلمين، إبان الحرب (1975 - 1990)، وبذا علت لغة الحرب والتهديد على ما عداها من مواقف، قبل أن يستدرك المسؤولون في الطرفين، الأمر، ويدعون إلى التهدئة والمحافظة على السلم الأهلي، وكان لـ«حزب الله» الدور الأبرز في هذا الإطار.
ولاحقاً في بيان لها، بعد ثلاثة أيام على الأزمة، دعت «أمل» للتوقّف عن أي تحرك في الشارع قطعاً للطريق على من يريد حَرف النظر عن الموضوع الأساسي، وضرب علاقات اللبنانيين مع بعضهم. وطلبت من «جميع الحركيين على اختلاف مستوياتهم المساعدة على تطبيق هذا الأمر».
وتوجّت كل الجهود السياسية، التي لعب خلالها «حزب الله» - حليف الطرفين - دور «رأس الحربة»، باتصال أجراه الرئيس عون ببرّي سبقه لقاء بين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية. وأعلنت بعده رئاسة الجمهورية عن الاتصال الذي أكد خلاله عون «أن الظروف الراهنة والتحديات تتطلب طي صفحة ما جرى أخيراً، والعمل يداً واحدة لمصلحة لبنان»، وهو ما رأت فيه حركة أمل خطوة إيجابية، ووصف برّي الاتصال بــ«الجيد جداً».
هذه الأزمة، التي كان كلام باسيل وهجومه على برّي بوصفه «البلطجي» كفيلاً بتفجيرها، لم تكن «رمّانة بل قلوباً ملآنة» - وفق المثل الشعبي اللبناني -. ذلك أن هناك تاريخاً من المواقف والمواجهات السياسية بين الجانبين منذ عشرات السنين، مروراً بالانتخابات الرئاسية التي رفض برّي خلالها التصويت لصالح عون، وما لحقها من أزمات بين الطرفين، أبرزها في الفترة الأخيرة حول ما بات يعرف بـ«أزمة المرسوم» التي لا تزال عالقة، ووصلت إلى حد المواجهة السياسية الأكبر بينهما.
«الكيمياء المفقودة» بين الرجلين (برّي - عون) واستطراداً إلى باسيل، صهر عون ورئيس «تياره»، لن تقتصر على الطرفين، بل يتوقع أن تترك تداعياتها على المعادلة السياسية اللبنانية ضاربة عرض الحائط بـ«التسوية» التي أدّت إلى انتخاب عون وتشكيل الحكومة الحريرية الحالية، والفرز السياسي عبر ما يعتبره البعض انفراداً بالسلطة من قبل «التيار العوني» و«تيار المستقبل» بغطاء من «حزب الله».
وفي هذا الإطار، يحمّل مصدر في «8 آذار» باسيل - ومن خلفه رئيس الجمهورية - المسؤولية بالقول: «لو عمد عون إلى الاتصال برئيس مجلس النواب من اليوم الأول كان الموضوع حلّ في لحظة، لكن على العكس من ذلك، بيان عون ساوى خطأ باسيل بخطأ شباب متحمسين». وأضاف أن الأمر نفسه يصدق على «مرسوم أقدمية الضباط» الذي كان في طريقه إلى الحل من خلال المبادرة التي قدّمها برّي، وتبناها رئيس الحكومة سعد الحريري، «قبل أن يؤدّي اتصال من جهة إلى إيقافها». وتابع المصدر: «كل ذلك يدل على أنهم (أي تيار عون) مصرّون على نهجهم وهو ما لن نسكت عنه».

باسيل مستفيد انتخابياً
من ناحية أخرى، رغم تأكيد مختلف الأطراف على أن الانتخابات النيابية «خط أحمر»، ترى مصادر عدّة أن ما حصل يخفي في طياته نية لتأجيل هذا الاستحقاق الذي تشير المعطيات الراهنة إلى أنه يسير في طريقه الصحيح ما لم تحصل أي مفاجآت. وليس بعيداً عن هذه الأجواء، يقول مصدر في «فريق 8 آذار» أن «ما يقال فوق الطاولة غير ما يقال تحتها... بعيداً عن الإعلام».
وبعد كلام برّي بأن هناك محاولات لتأجيل الاستحقاق كان وزير المال علي حسن خليل، ممثل «أمل» في الحكومة، واضحاً في هذا الإطار، إذ قال: «إذا كان الهدف من وراء ما حصل هو تعطيل الانتخابات، فنطمئنكم أنها حاصلة بموعدها». وهذا ما شدّدت عليه أيضاً جهات مطّلعة على موقف «حزب الله»، مؤكدة على ثوابته الثلاثة: «الاستحقاق الانتخابي، وبقاء الحكومة، والوضع الأمني الذي يجب أن يبقى مستقراً، بينما لن يتجاوز الخطاب السياسي حدود السقف الذي وصل إليه». وحسب هذه الجهات، فإن «التسوية الرئاسية، كذلك، لم تسقط رغم أن الأمور صعبة ولبنان يعيش على التسويات التي تأتي دائماً بعد خلاف معيّن» قبل أن تستدرك «لكن، لا شك، في أن الفرز السياسي سيتغيّر وملامحه واضحة منذ الآن».
جدير بالذكر، أنه منذ اللحظة الأولى لتسريب «فيديو باسيل» لم تخل الاتهامات من «أهداف انتخابية» لصالح باسيل، الذي يرفع دائماً «شعار استعادة حقوق المسيحيين»، وهو الذي كان قد خاض دورتين انتخابيتين، ولم ينجح بالفوز بمقعد نيابي. وهو يعوّل اليوم على الفوز بعد تعديل قانون الانتخابات. في المقابل، وإن كان الأمر سينعكس أيضاً إيجاباً على برّي و«حركة أمل»، فهذه الاستفادة لن يكون لها التأثير الكبير في الأرقام انطلاقاً من تحالفاته الانتخابية، خصوصاً ضمن «تحالف الثنائي الشيعي» الاستراتيجي مع «حزب الله».
خبراء بالشأن الانتخابي واستطلاعات الرأي يرجّحون ارتفاع شعبية وزير الخارجية في الشارع المسيحي المتشدد على خلفية الأزمة الأخيرة، ووفق الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، فإن «القراءة الأولية تفيد بأن ما حصل رفع من شعبية باسيل، بعد ردّة فعل مناصري الرئيس نبيه برّي، بوصولهم إلى منطقة مسيحية، والاستياء الكبير الذي ولّده في الأوساط السياسية المسيحية حتى المتضامنة مع برّي».

رسالة برّي للحليف
في سياق ثانٍ، فإن «ربط نزاع» خلاف برّي - عون بجهود من «حليفي» الطرفين، وأبرزهم «حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري، لا يعني أن الوضع في لبنان سيعود إلى طبيعته، خصوصاً بعد اهتزاز «التسوية» التي أدت إلى انتخاب عون رئيساً، ونجحت في تشكيل حكومة برئاسة الحريري. وقد تكون الإجابة الفاترة للنائب علي بزّي (كتلة برّي) عند سؤاله، خلال «مصالحة الحدث» عما إذا كانت طويت الصفحة «ماشي الحال»، خير دليل على هذا الأمر.
وبالفعل، قواعد المعادلة السياسية بدأت تتغيّر، بما في ذلك فرز التحالفات. وأهمها، بحسب ما يرى الوزير السابق الدكتور سليم الصايغ، نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، «عدم تفرّد الثنائي (التيار الوطني الحر) و(المستقبل)، بالقرار اللبناني بغطاء من (حزب الله)، تنفيذاً لما أفرزته التسوية». ويوضح الصايغ: «ردة فعل برّي ليست رسالة فقط إلى باسيل، بل إلى أصحاب التسوية مجتمعين بمن فيهم حليفه (حزب الله) بعدما عمدوا إلى التفرّد بالسلطة والقرارات. وعبّر برّي عن هذا الواقع بصراحة بعد اتصال عون به، بالقول للصحافيين عند سؤاله عن مسألة فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي: هذه عند رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وليس بالضرورة أن تحصل بالتشاور معي... هما عادة لا يتشاوران معي في الأشياء التي هي من صلاحياتي، فكيف بالدورة التي هي من صلاحياتهما؟».
ولا ينفي الصايغ أن المستفيد الأكبر من مواجهة «برّي - باسيل» هو الأخير «الذي يحاول الظهور بأنه يواجه السلاح الشيعي، وهو أمر غير حقيقي». ويضيف: «عاش لبنان أزمة وطنية هي الثانية والأكبر من نوعها خلال عهد الرئيس عون، بعد أزمة استقالة الحريري والعودة عنها، وهذا يدل على هشاشة المعادلة السياسية التي أتت بالتسوية الرئاسية». ويرى نائب رئيس الكتائب أن سلوك باسيل في هذه الأزمة الممتدة من «التوقيع على مرسوم الضباط» هو «محاولة لتظهيره بأن هناك مشكلة كبيرة بين ما يسمى الفريق الشيعي والتيار الوطني الحر... وذلك لتقديم أوراق اعتماده إلى جهات غربية وإبعاد تهمة تغطية سلاح (حزب الله) عنه».
ولا تبتعد قراءة مصدر في «أمل» كثيراً عن رأي الصايغ، إذ اعتبر أن «ما حصل ليس قضية خطأ ارتكب، وكلام لا شكّ أنه كبير بحق رئيس مجلس النواب، ما يعكس نوعاً من الاستبداد والتسلط والهيمنة من شخص اعتاد منذ فترة على هذا السلوك... هذا لم ولن نقبل به بعد الآن، وسنكون له بالمواجهة على طاولة الحكومة التي لا نزال متمسكين باستمرارها».
في المقابل، ترى جهات في «التيار الوطني الحر» أن التسوية «ما زالت مستمرة بدليل حرص الجميع على بقاء الحكومة وإجراء الانتخابات»، داعية إلى انتظار نتائجها، خصوصاً فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. مع الإشارة إلى أن المواجهة الأبرز في تلك المرحلة ستكون، وفق التقديرات، في حرص برّي على تكريس «التوقيع الشيعي» على المراسيم عبر التمسك بوزارة المال كي تكون من حصة الطائفة الشيعية.
المصدر في «أمل» يؤكد من جهته «أكثر من الخطأ والاعتذار نحن أمام نهج يعتمده فريق باسيل ومشروع لم يبن ولن يبني وطناً... بل يعود بنا إلى خطاب الحرب والطائفية، وهو ما لم نرض ولن نرضى به». ثم يتساءل: «هل المطلوب ضرب (اتفاق الطائف) والدستور؟ هناك من يريد أن يطبّق الدستور وهناك من يعمل لضربه، و(مرسوم الضباط) الذي تم القفز به فوق الدستور عبر تجاهل توقيع وزير المال خير دليل على هذا الأمر». ويستطرد: «من هنا معركتنا ستكون على طاولة الحكومة، وليس خارجها، في مواجهة كل الصفقات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعملون على تمريرها... ومن الآن فصاعداً سنكون لهم بالمرصاد». وكان برّي نفسه قد قال بعد المصالحة الشفهية: «في الحكومة نحن مستمرون والانتخابات حاصلة، ولكننا أيضاً مستمرون على مواقفنا من الملفات المعروفة، ومنها الكهرباء»، وهو ما سبق أن أكد عليه وزير المال علي حسن خليل بالقول: «الوضع لن يكون سهلاً والوضع السياسي ليس مريحاً... أما على الأرض فنحن طلبنا الخروج من الشارع».

تباين... أم توزيع أدوار؟
للمرة الأولى منذ بدء الخلافات بين «أمل» و«التيار الوطني الحرّ»، أخذ «حزب الله» موقفاً علنياً إلى جانب برّي، بعدما كان «عتب» الأخير على حليفه الشيعي قد وصل إلى مرحلة متقدمة. وفي هذه الأثناء، حاول الحريري المساواة بين الجانبين عبر استنكار كلام باسيل من جهة، ورفض اللجوء إلى الشارع من جهة أخرى.
عتب «أمل» على «حزب الله» لا ينفيه مصدر نيابي في كتلة «التنمية والتحرير» (كتلة «أمل») عندما يجيب على سؤال على رأيه بمدى صمود اتفاق «الحزب» و«التيار»، بالقول: «نحن موقفنا واضح ويجب توجيه السؤال لهم»، إلا أنه في الوقت عينه على مواقف الأطراف الأخرى.
وفي بيانه كان «حزب الله» رفض رفضاً قاطعاً الكلام الذي أساء إلى برّي شكلاً ومضموناً، معتبراً «أن هذه اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح، بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرّق الصف وتمزّق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها». لكن استياء «حزب الله» من كلام حليفه المسيحي، ثم الانحياز إلى حليفه الشيعي، لا يعني سقوط «ورقة التفاهم» التي وقعها مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، بحسب ما يؤكد الطرفان، ويرى فيه الوزير السابق سليم الصايغ أمراً صعباً.
ووفق مراقب مطلّع على موقف «الحزب،» فـ«إن حلفاء (الحزب) في (التيار الوطني الحر) يعرفون أن ما يربط (الحزب) و(أمل) تحالف وجودي، وهما جسدان بروح واحدة، وما يسيء للحركة لن يُقبل به ولا مجال للسكوت عنه». في حين يؤكد القيادي «العوني» الوزير السابق الدكتور ماريو عون أن «التحالف مع (الحزب) استراتيجي وصلب». وأردف «أما المواقف الأخيرة فتستوجب بعض الإيضاحات في الوقت المناسب»، مضيفاً: «موقف (الحزب) لم يكن موجّهاً ضد (التيار)، بل مؤيداً لشريكه الثاني (الشيعي)، وبالتالي، لم يكن هناك أي تجنٍ على (التيار)... وهو ما لن يؤثر على التفاهم الاستراتيجي بينهما».
الصايغ يذهب أبعد في هذه المجال فيقول: «ما يحصل لا يعدو كونه توزيع أدوار بين هذه الأفرقاء، و(حزب الله) لا يمكنه الخروج من اتفاقه مع (التيار)، والعكس صحيح، لأسباب عدة أهمها أن (الوطني الحر) يشكّل الغطاء المسيحي لسلاح (الحزب )من جهة ويستفيد منه باسيل، رئيس (التيار) من جهة أخرى عبر فرض سلطته على الدولة». ويضيف «كل ما يحصل اليوم ليس إلا شراء وقت للأزمة المفتوحة... بينما لا تزال المشكلة الأساس في الدولة وتركيبتها، والحل كان ولا يزال، إيجاد حل لسلاح (حزب الله) الذي يحكم لبنان واستكمال تطبيق اتفاق الطائف أو تعديل ما يجب تعديله».
وعلى خط الأفرقاء السياسيين الآخرين، بين حلفاء وخصوم الطرفين، كان موقف الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، حليف برّي، والمتضرّر من التسوية الرئاسية وتداعياتها السياسية في السلطة، صريحاً إلى جانب برّي. وفي الاتجاه نفسه قال سليمان فرنجية القيادي في «تيار المردة»، وخصم باسيل، وحليف «الوطني الحر السابق» أن «الوطن يغلي و(العهد) يترنّح ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل يحصي الأصوات»، (في إشارة إلى الانتخابات النيابية).
بعكس جنبلاط وفرنجية، كان موقف «القوات اللبنانية» الذي صدر على لسان رئيسه الدكتور سمير جعجع بعد ردة فعل مناصري «أمل» في الشارع، والاعتداء على مركز «التيار»، ميالاً إلى باسيل، رغم «الاختلافات» بينهما. وقال ما معناه إنه بغض النظر عن رأي «القوات» أو تقييمها لما قاله وزير الخارجية، وبغض النظر عن علاقتها وتقديرها للرئيس برّي، لا يستطيع أن يقبل ما حصل في الشارع «لأنه انتهاك صريح لمنطق الدولة ووجودها».
في المقابل، كان حزب الكتائب المعارض، الذي اتّهم بتسريب فيديو باسيل، عبر مناصرة «كتائبية» كانت موجودة في لقاء قرية محمَرْش البترونية، واضحاً في استنكار كلام باسيل، لا سيما أن الحزب لم يسلم من اتهامات في الفيديو المسرّب لكلامه، ليعود بعدها ويستنكر كل ردود الفعل التي حصلت في الشارع، مؤكداً على أن «الكلمة يرد عليها بكلمة أو بالقضاء».



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.