ترمب يؤكد لقادة العالم التزامه بنظام تجاري «حر وعادل»

قال إن «أميركا أولاً» لا تعني «أميركا وحدها» وشجع على الاستثمار في بلاده

ترمب: أميركا مفتوحة للأعمال... استثمروا في اقتصادنا (أ.ف.ب)
ترمب: أميركا مفتوحة للأعمال... استثمروا في اقتصادنا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يؤكد لقادة العالم التزامه بنظام تجاري «حر وعادل»

ترمب: أميركا مفتوحة للأعمال... استثمروا في اقتصادنا (أ.ف.ب)
ترمب: أميركا مفتوحة للأعمال... استثمروا في اقتصادنا (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقادة العالم، في خطابه الختامي لأعمال المنتدى الاقتصادي العالمي أمس، التزامه بنظام تجاري «حر وعادل»، واستعرض نجاحات إدارته مشجعا المستثمرين على ضخ ملايين الدولارات في الاقتصاد الأميركي.
وحمل خطاب الرئيس الأميركي الذي تلقى ترحيبا حارا من مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب وكبار رجال الأعمال، رسالة واضحة مفادها: «أميركا مفتوحة للأعمال. استثمروا في اقتصادنا». وبدت شخصية رجل الأعمال مهيمنة على الخطاب الذي ختم أربعة أيام من الفعاليات المكثفة بـ«دافوس»، مع استعراضه لإنجازاته الاقتصادية، وقال: «منذ انتخابي، وبعد سنوات من الركود الاقتصادي، حققت سوق الأسهم مستويات قياسية واحدة تلو الأخرى، وأضافت سبع تريليونات» إلى الاقتصاد الأميركي، لافتا إلى أن مستويات ثقة المستهلكين والمستثمرين والصناعات هي الأعلى منذ عقود». وتابع: «منذ انتخابي، خلقنا 4.2 مليون وظيفة، وانخفضت معدلات البطالة إلى مستويات هي الأضعف منذ نحو نصف قرن». واستنتج الرئيس أن «العالم يشهد عودة أميركا قوية ومزدهرة».
وفي محاولته لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى بلاده، قال ترمب: «أنا هنا لتسليم رسالة بسيطة: لا يوجد وقت أنسب من اليوم للتوظيف والبناء والنمو في الولايات المتحدة. أميركا مفتوحة للأعمال، وأصبحنا منافسين من جديد». وسلط الرئيس الأميركي الضوء عدة مرات خلال خطابه على الإصلاحات الضريبية الأخيرة التي صادق عليها الكونغرس. وقال: «خفضنا نسبة الضريبة على الشركات من 35 في المائة إلى 21 في المائة. وتلقّى ملايين الموظفين علاوات نتيجة لذلك، بلغت 3 آلاف دولار». وأعلن ترمب في هذا الإطار أن إجمالي استثمارات شركة «آبل» في الاقتصاد الأميركي خلال السنوات الخمس المقبلة سيصل إلى 350 مليار دولار.
وفي كلمة متوازنة تحلّت بالكثير من الدبلوماسية، طمأن ترمب حلفاءه مؤكدا التزامه بنظام تجاري حر وعادل، يتيح لدول سيادية التعاون فيما بينها لمواجهة التحديات. وقال: «سأطرح دائما شعار أميركا أولا، كما يتعين على قادة البلدان الأخرى أن يفعلوا أيضا. لكن أميركا أولا لا تعني أميركا وحدها». وقال ترمب: «لا يمكن الحفاظ على تجارة حرة إذا استغلت بعض الدول هذا النظام على حساب أخرى. ندعم التجارة الحرة، لكن يجب أن تكون عادلة ومتبادلة»، مضيفا أن «تجارة غير عادلة تضرنا جميعا». وتابع أن «الولايات المتحدة لن تغضّ النظر عن السياسات الاقتصادية غير العادلة، والتي تشمل سرقة الملكية الفكرية والتخطيط الاقتصادي الذي تقوده الدولة، والدعم الصناعي». ولم يغب عن خطاب ترمب التذكير بضرورة الاستثمار في «الأشخاص»، قائلا إنه «نسيان» الناس يقود إلى عالم متصدع. ولم يقتصر خطاب ترمب على الإصلاحات الاقتصادية، وشدد على أهمية الاستثمار في الجيش الأميركي، داعيا «أصدقاءنا وحلفاءنا إلى الاستثمار في دفاعهم ودفع التزاماتهم المالية». كما لفت الرئيس الأميركي إلى أن إدارته تقود جهودا تاريخية في مجلس الأمن وعبر العالم لممارسة أقصى الضغوط على كوريا الشمالية ومواجهة دعم إيران للإرهابيين وعرقلت طريقها لامتلاك السلاح النووي. كما أعلن ترمب أن قوات التحالف بقيادة واشنطن استعادت 100 في المائة تقريبا من الأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش في سوريا والعراق، محذرا من أن «معارك» أخرى ما زال يتعين خوضها «لترسيخ» هذا التقدم. وقال: «نحن عاقدو العزم على ألا تعود أفغانستان ملجأ للإرهابيين».
وشهد خطاب ترمب إقبالا استثنائيا هو الأعلى في منتدى دافوس هذا العام، وربما منذ سنوات، كما كانت الإجراءات الأمنية مشددة للغاية في القاعة التي تسع نحو 1500 شخص. وبدا أن ترمب التزم بخطابه ولم يرتجل كعادته، لكنه لم يفوت الفرصة لانتقاد الإعلام «الكاذب والشرير».
وفي الساعات التي سبقت كلمته، أجرى الرئيس عددا من المقابلات الصحافية في دافوس، نفى خلالها أنباء نشرتها وسائل إعلام زعمت بأن قرر العام الماضي إقالة المدعي الخاص روبرت مولر المكلف التحقيق باحتمال حصول تدخل روسي في الانتخابات الرئاسية، قبل أن يتراجع تحت الضغوط.
وفي مقابلة مع قناة «آي تي في» البريطانية للصحافي بيرس مورغان، صرح الرئيس الأميركي بأنه مستعد للاعتذار عن إعادته نشر تغريدات تتضمن تسجيلات مناهضة للمسلمين للمجموعة البريطانية اليمينية المتطرفة «بريطانيا أولا»، ما آثار جدلا في المملكة المتحدة. وقال: «إذا كنت تقول إنهم أشخاص سيئون وعنصريون، فسأعتذر بالتأكيد إذا رغبتم في ذلك».
وفي مقابلة أخرى مع شبكة «سي إن بي سي»، أكد ترمب أنه يود أن يرى «دولارا قويا»، معتبرا أن تصريحات وزير الخزانة ستيفن منوتشين أخرجت من سياقها. وساهمت تصريحات ترمب في انتعاش طفيف في أسواق المال بعد وصول سعر صرف العملة الخضراء هذا الأسبوع أدنى مستوى لها مقابل اليورو في ثلاث سنوات، كما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.
إلى ذلك، عقد ترمب لقاء ثنائيا مع نظيره الرواندي بول كاغامي، هو الثالث بعد رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي ونظيرها الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وطلب ترمب من كاغامي الذي يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي أن ينقل «تحيات حارة» إلى القادة الأفارقة، الذين استنكروا بشدة التصريحات «المهينة» بحق دولهم والمنسوبة إلى الرئيس الأميركي، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وهنأ الرئيس الأميركي كاغامي بتوليه الرئاسة الدورية للكتلة التي تضم 55 دولة، والتي قال ترمب إنها «شرف عظيم». وكان الاتحاد الأفريقي الذي يعقد قمة في 28 و29 يناير (كانون الثاني) في أديس أبابا، ندد منتصف الشهر الحالي بتصريحات ترمب عن «الدول الحثالة» في القارة الأفريقية.
يذكر أن ترمب اجتمع مساء أول من أمس مع الرئيس التنفيذي لـ«سيمنز» جو كايزر، ومارك تاكر رئيس مجلس إدارة بنك «إتش إس بي سي»، والكثير من نخبة قطاع الأعمال الأوروبيين. وفي كلماتهم الافتتاحية، شدد كل منهم على حجم قوة أعمالهم في الولايات المتحدة وعلى المليارات الكثيرة التي تدفقت داخل أميركا أو لامتداح اقتطاعاته الضريبية. وبدا ترمب مبتسما وامتدح براعة ضيوفه في إدارة الأعمال.

> قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه لم يكن يقصد أي إساءة لبريطانيا بإعادة نشر مقاطع فيديو مناهضة للمسلمين كانت قد نشرتها قيادية في جماعة يمينية متطرفة في بريطانيا وإنه سيعتذر إذا كان هؤلاء الأشخاص عنصريين.
وفي حديث لبرنامج (غود مورنينغ بريتن) على قناة (آي تي في) التلفزيونية البريطانية قال ترمب إنه لم يكن يعلم شيئا عن هذه الجماعة لكنه «أقل شخص عنصري يمكن مقابلته» وإن إعادة نشر المقاطع في حسابه على «تويتر» لم تكن نوعا من التأييد. وأثار ترمب غضبا في بريطانيا في نوفمبر (تشرين الثاني) عندما أعاد نشر مقاطع فيديو معادية للمسلمين ودخل في جدل علني مع رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي التي انتقدته بسبب ما فعله. وعند سؤاله إن كان سيعتذر عن إعادة نشر المقاطع قال ترمب إنه إذا كانت الجماعة عنصرية فإنه سيعتذر. وقال: «إذا كنتم تقولون لي إن هؤلاء أشخاص مروعون وعنصريون فسأعتذر حتما إن كنتم تودون مني فعل ذلك».
لكن العلاقات بين البلدين التي وصفها ترمب بأنها «علاقة مميزة» واجهت سلسلة من العثرات ليس فقط بسبب انتقاد ترمب لماي لكن بسبب خلافاته مع رئيس بلدية لندن صادق خان وتصريحاته بشأن هجمات متشددة في بريطانيا.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...