أمير فخراوار لـ {الشرق الأوسط}: الاحتجاجات دمّرت حلم روحاني

مؤلف كتاب «الرفيق آية الله» قال إن المظاهرات أظهرت محدودية دور الإصلاحيين داخل النظام الإيراني

أمير فخراوار
أمير فخراوار
TT

أمير فخراوار لـ {الشرق الأوسط}: الاحتجاجات دمّرت حلم روحاني

أمير فخراوار
أمير فخراوار

وصف الكونغرس الأميركي «المجلس الوطني الإيراني» بالفريق المعارض الأكثر تأثيراً. مؤسسه أمير فخراوار منذ كان طالباً هو من معارضي نظام الملالي في إيران. أدخل السجن 19 مرة وعانى من التعذيب وتكسير كل عظامه. عام 2006 استطاع الهرب إلى الولايات المتحدة، وبدأ اتصالاته مع أصحاب القرار هناك. يعترف بأن الرئيس السابق باراك أوباما خان الإيرانيين والشرق الأوسط والعالم، ولولاه لما بقي النظام الإيراني الحالي.
فخراوار مقرب من إدارة الرئيس دونالد ترمب، يقوم بزيارات متكررة إلى الكونغرس الأميركي لإطلاعهم على حقيقة ما يجري في الداخل الإيراني. في إيران أسس مع صديقه أرزانغ داودي «المجلس الإيراني الوطني»، داودي قضى سنوات في السجن منذ عام 2002... وعام 2014 حكم عليه بالموت. وضع عدة كتب، ونشر ت له كثير من المقالات.
في السادسة عشرة من عمره أدخل السجن لأنه تساءل في خطبة أمام الطلبة: لماذا لا يستفيد النظام من مواهب الجيل الجديد لإصلاح مشكلات البلاد؟ أمضى 8 أشهر في «الانفرادي». بعد الإفراج عنه دخل كلية الطب في شمال غربي إيران، وهناك سخر من المرشد الأعلى وقال: لا أعتقد بأن لدينا الحرية في هذه البلاد كما يقول السيد المرشد. وكان ثمن ذلك إدخاله إلى سجن أرومية شمال غربي إيران، حيث الجلادون من دون رحمة. في المرة الأخيرة حكم عليه بالسجن 8 سنوات بسبب رواية له نالت شهرة عالمية عام 1999. داخل السجن بدأ يدرس ولتقديم الامتحانات كانوا يأخذون المساجين ليومين خارج السجن، وفي إحدى المرات وبمساعدة أصدقاء من البنتاغون استطاع الهرب إلى أميركا. كتبه كانت ترسل إلى لوس أنجليس حيث ربح جائزة عن كتاب «الأرض الأكثر اخضراراً على الكوكب». ثم نشر كتاب «الرفيق آية الله».
لم تنقطع اتصالات فخراوار مع الداخل إطلاقاً. ومنذ ثورة الطلاب عام 1999 والنظام يتهمه بالتحريض.
وفي الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» يحكي فخراوار عن دور الاتحاد السوفياتي بالثورة الإيرانية، ويقول إن الملالي الإيرانيين ليسوا ممثلي الإمام الثاني عشر كما يدعون، إنهم فقط عملاء الـ«كي جي بي».
- ما قصة كتابك «الرفيق آية الله»؟ هل هي عن علاقة المرشد مع الاتحاد السوفياتي؟
- نعم، إنه عن دور الاتحاد السوفياتي في الثورة الإسلامية والإتيان بخامنئي إلى السلطة. بيع من هذا الكتاب داخل إيران، في السوق السوداء أكثر من 3 ملايين نسخة. وحتى الآن أقول إنه بسبب تأثير ذلك الكتاب، خرج الناس إلى الشوارع. في هذا الكتاب مئات الوثائق والمعلومات التي تكشف، أن الملالي الإيرانيين ليسوا ممثلي الإمام الثاني عشر كما يدعون. إنهم فقط عملاء «الاستخبارات السوفياتية المعروفة باسم الـ(كي جي بي)» الذين تم تدريبهم في موسكو في الستينات والسبعينات. تضمن الكتاب كل الوثائق والتفاصيل التي تثبت ذلك، حصلت على ذلك من أرشيف «الكاي جي بي»، وبعض الوثائق من الـ«سي آي إي» ومن «الموساد»، ومن أرشيف الاستخبارات الإيرانية نفسها. جمعتها كلها، لم أستعمل أي وثيقة من المعارضة الإيرانية.
بعد نشر الكتاب، اتصل بي الكثير من مؤيدي خامنئي، والباسيج والحرس الثوري وحتى الملالي الشباب، وشكروني لأنني فتحت أعينهم، «لأننا كنا نصدق أنه نظام مقدس».
- قادة إيران يقولون الآن إن النظام قوي جداً وليس باستطاعة أحد تغييره، من يستطيع التغيير وماذا سيحدث إذا سقط؟
- إذا كان النظام مستقراً كما يدعون، فكيف يخرج الناس بمجرد دعوة من منظمتنا «المجلس الإيراني»، نشرناها يوم السبت في 23 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، نشرناها ودعونا الطلاب إلى التظاهر أمام منزل المرشد الأعلى، وبعد ذلك تجاوب الملايين وصاروا في الشوارع في أكثر من 100 مدينة، ولأكثر من أسبوعين، ولا يزال الحراك مستمراً. وأؤكد لك، ما ظنه الناس إشاعة، وهو أن خامنئي وعائلته هربوا إلى روسيا، ورد مسؤولون روس أن خامنئي وعائلته هم في تركيا.
- هل أنت جاد بقولك إن خامنئي هرب إلى روسيا؟
- نعم، انتظر هناك تطور الأوضاع قبل أن يعود إلى البلاد.
- هل أنت متأكد؟
- مائة في المائة، إضافة إلى ذلك أن المئات من كبار المسؤولين الإيرانيين هربوا إلى خارج البلاد وهرّبوا أموالهم وذهبهم. إذن كيف لنظام مستقر جداً أن يتزعزع من مجرد دعوة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي وخرج الناس يدعون «الموت لخامنئي»، «الموت للنظام» «نريد الحرية». كيف يجرؤ كل هؤلاء على التحدي هذا، إذا كان النظام على هذا الاستقرار.
ليس النظام بمستقر، والحكومة مهتزة.
- ألهذا السبب قلت في «فوكس نيوز»، إنكم ساعدتم على تنظيم المظاهرات وخططتم لها؟
- نعم. إننا نعمل منذ سنوات منذ ما بعد الحركة الخضراء عام 2009. لا بل قبل ذلك، عام 1999 ثورة الطلاب، لكن النظام كانت قبضته حديدية. وفي الحالتين أشار النظام إلى اسمي وأسماء بعض زعماء الطلاب. وقالوا إن من زعماء الحركة الخضراء أمير فخراوار وهو نفسه قاد مظاهرات الطلاب عام 1999. هذه المرة نجحنا في استعمال كل علاقاتنا داخل وخارج البلاد لتحريك الشارع. بعض الذين في إيران حذرونا بأن علينا ألا نتكلم عن ذلك لأننا خارج إيران. لم نقف عند هذا لأنه خارج أو داخل إيران، نحن إيرانيون. وخططنا لهذا وسنخطط. واسأل: أين كان خميني عندما بدأ ثورته، لم يكن داخل إيران، كان في فرنسا، كيف كان الأمر مقبولاً وجيداً في ذلك الحين، واليوم تتهموننا بأننا خارج إيران ولا يحق لنا ذلك. أنا أقول للجيل المخضرم من المعارضة أن يصمتوا. واتركوا الجيل الجديد يقوم بمهمته.
- خططت لهذا، لكن ماذا تريدون تحقيقه طالما أن الإيرانيين غاضبون، لكنهم يخافون من الحرس الثوري، ومن الباسيج الذين يتحركون بينهم مثل الغستابو على عجلاتهم في الشوارع؟
- في الحقيقة، لم نفكر أن المظاهرات ستكون بهذه الضخامة هذه المرة. أردنا أن نعرف احتمال هذه الحركة داخل إيران، لأننا نعرف أن هناك الكثير من الأمل، لأن الإدارة الأميركية تغيرت والرئيس السابق باراك أوباما خان حركة 2009، عندما رأى كيف هزم النظام الشعب. لكن الرئيس دونالد ترمب قال في تغريدة إنه سيدعم الشعب إذا خرج الناس ثانيةً. اتصلت بالإدارة الأميركية وقلت لهم إننا سنحمل الناس على الخروج الآن، ونريد من الرئيس أن يدعم الناس ويمنع النظام من ارتكاب حمام دم. ثم جاءتنا كلمة الرئيس ترمب بأنه سيدعم، وعندما خرج الناس اتصلت ثانية بالإدارة وقلت لهم حان الوقت نريد دعمكم. كانت فترة عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة، وافقوا واتصلوا بالرئيس وكتب تغريدة، وهي ساعدت الشعب الذي تأكد أن هذه المرة الأمر مختلف.
بسبب هذا الوضع في إيران، وما حصل للناس، وأؤكد أن كتابي «الرفيق آية الله» الذي كشف لهم ما يجري وراء الستارة، فإن الكثير من الحرس الثوري والباسيج لم يقبلوا النزول إلى الشارع وقتل الناس. هناك الكثير من الحرس الثوري مزقوا بطاقاتهم من دون خوف.
قبل عشر سنوات كانوا يعتقدون بأنهم إذا قتلوا الناس وقُتلوا سيكونون في الجنة كجنود للإمام الثاني عشر، لأنهم كانوا ينظرون إلى خامنئي على أنه الممثل الحقيقي للإمام. هذه المرة اختلف الأمر، عرفوا أن خامنئي هو عميل لـ«كي جي بي»، وكل هذه الثورة صممها الاتحاد السوفياتي. لم يريدوا أن يذهبوا ويقتلوا أو يُقتلون.
- لكن هل تعتقد الآن أن روسيا ستسمح باهتزاز النظام الإيراني أو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ستخيفه هذه المظاهرات التي قد تقع في روسيا نفسها في مارس (آذار) المقبل موعد الانتخابات الرئاسية؟
- الآن بوتين في السلطة، لست متأكداً من سيأتي بعده. لكن بوتين يتبع خطة يوري أندروبوف. حتى في خطبه في اللغة الروسية، وأشرت إلى اثنين في كتابي، يستعمل كلمة «السوفيات» بدل «الفيدرالية الروسية»، حلمه أن يستعيد الاتحاد السوفياتي. هو يساعد الكتلة السوفياتية، وبالتأكيد سيساعد النظام الإيراني على البقاء في الحكم، وتلاحظين أنه في كل اجتماعات مجلس الأمن، وأثناء المفاوضات على الاتفاق النووي، ساهمت روسيا بتحقيق كل ما يدعم النظام. هذه المرة كان الناس يرددون «السفارة الروسية مقر الجواسيس».
في السابق كانت الهتافات ضد السفارة الأميركية. هذه المرة عرفوا القصة الحقيقية وراء الثورة ووراء النظام. روسيا والصين سيدعمان النظام حتى النهاية ولن يتركا بلادنا بحالها. صراعنا في إيران من أجل الديمقراطية والحرية أننا ضد الملالي وضد حاميهم روسيا.
- قلت إن الأميركيين وعدوا بالمساعدة، لكن بعدما أغلقت الحكومة الإيرانية الإنترنت، لم يقدم الأميركيون مساعدات للتواصل حتى يسمحوا للمتظاهرين الإيرانيين بإيصال ما يجري إلى العالم الخارجي؟
- إننا نتفاوض مع الحكومة الأميركية وطلبنا منهم الحصول على الساتلايت الذي بحوزة الجيش الأميركي في أفغانستان كي يغطي لنا ما يجري. تلقينا وعوداً أنه إذا أغلق النظام بشكل محكم الإنترنت وكل وسائل التواصل الاجتماعي عندها سيأمرون الجيش الأميركي في المنطقة ليعطي تغطية بالساتلايت عما يجري داخل إيران، وهكذا بعد يومين من إغلاق النظام للإنترنت بلغه هذا الأمر، وقرر أن يسمح ببعض النوافذ وجعل الإنترنت بطيئاً جداً، إنما غير محكم الإغلاق. تلقينا وعوداً ببرامج جديدة للإيرانيين ليستعملوها عبر وسائل يتم إنزالها حيث يستطيع الإيرانيون استعمالها بسهولة ولا يمكن للنظام بمراقبتها أو قطع ما يريدون منها، وسيكون هذا البرنامج جاهزاً في شهر مارس المقبل، ولن يستطيع النظام قطع تواصل الإيرانيين في الداخل بالعالم الخارجي. حتى الآن لا يستطيع فعل ذلك.
- لكن هل توقفت المظاهرات الآن؟
- إننا نسمي ما جرى «ثورة دستورية»، وضعنا الدستور الجديد لإيران، أرسلناه إلى الكونغرس الأميركي وقدمناه للإدارة الأميركية، أعجبوا به جداً. نحن نريد أن نؤكد لهم أن إيران بعد الجمهورية الإسلامية، لن تكون راعية الإرهاب في العالم أو تحاول أن تكون إمبراطورية تسيطر على دول أخرى. كلا. إطلاقاً. نحن نريد الحرية والديمقراطية ونريد أن نكون الجيرة الحسنة في المنطقة، وعضواً جيداً في المجموعة الدولية.
المرحلة المقبلة، طلبنا من مؤيدينا في إيران الذهاب إلى كتابة الشعارات على الجدران في كل مكان، على الأبنية والمؤسسات والمدارس والجامعات نريدهم أن يقوموا بهذا لمدة أسبوع. سيحطمون الكاميرات السرية التي نشرها النظام للسيطرة على المجتمع. هذا ما طلبناه منهم. تدمير كل الكاميرات وكتابة الشعارات ضد خامنئي في كل مكان في البلاد، وقد بدأ هذا يحدث. المظاهرات لم تتوقف، إنها مستمرة في بلوشستان، في أذربيجان، في لورستان، كردستان وخوزستان، ولا يزال الناس في المناطق الحدودية يقاتلون. لديهم الأسلحة ويواجهون جماعة النظام.
- هل هم مسلحون ضد النظام؟
- نعم. الآن لديهم الرشاشات. من السهل في المناطق الحدودية جلب الأسلحة. هم الآن ليس لديهم الكثير من الأسلحة، لكن إذا ما قرر النظام الهجوم وأن يبقى في السلطة بغض النظر عن أي شيء، والتهديد بحمامات من الدماء، عندها وبكل تأكيد ستكون المرحلة اللاحقة القتال ضد النظام في كل البلاد.
- كان والدك في سلاح الطيران خلال عهد الشاه هل تعتقد أن الجيش النظامي الآن هو مع الشعب؟
- نعم، ثم أن والدي لم يكن فقط في سلاح الطيران أيام الشاه، ظل حتى عام 2002 كضابط في الطيران. وعشنا في عدة مدن وأعرف بكل تأكيد أن النظام عجز عن الحصول على دعم الجيش النظامي في إيران. لذلك أنشأ الحرس الثوري. لم يستطع النظام الحصول على دعم الجيش. إذا راجعت الثورة الروسية كان هناك «الجيش الأبيض»، ثم أوجدوا «الجيش الأحمر». الجيش النظامي في إيران هو مثل «الجيش الأبيض»، والثوار لم يستطيعوا التحكم به، لهذا أوجدوا «الحرس الثوري» على نسق «الجيش الأحمر» السوفياتي. ولم يستطع «الحرس الثوري» تدمير الجيش النظامي. وطوال سنوات الثورة ظل الجيش إلى جانب الشعب، لم يضرب الجيش الشعب. وكل مرة، فمثلاً خلال 1999 ثورة الطلاب أتى الحرس الثوري إلى الشوارع بالدبابات، لكن الجيش النظامي حذرهم، بأنه قد ينزل إلى الشوارع لمقاتلتهم.
- بالنسبة إلى المعتقلين، سمعنا من النظام أن 5 انتحروا في السجون، هل تعتقد بأن المعتقلين الألف الباقين سينتحرون أيضاً، أو بالأحرى سيُقتلون داخل السجون؟
- كلا. لا يستطيع النظام فعل ذلك، لقد عذبوا الخمسة حتى الموت، ورأوا ردود فعل المجتمع الدولي. والآن سيتوقفون عن قتل المتظاهرين، إنما سيستمرون بإزعاجهم. ثم إن النظام اعتقل مؤخراً 15 ألف متظاهر، النظام يستعمل الأسلوب الروسي، اعتقال قدر ما يستطيع خلال المظاهرات، وسجنهم لفترة من الزمن، وبعدها يطلقون سراحهم ثم يلاحقهم رجال الاستخبارات ويزعجون أهاليهم. سيتم استدعاؤهم كل يوم إلى المحاكم الثورية.
- هل ما زلت تعتقد بأن هؤلاء المتظاهرين، إذا نجحوا يمكن أن يغيروا الشرق الأوسط والعالم؟
- بكل تأكيد. بعد البحث الذي أجريته لكتابي «الرفيق آية الله»، اكتشفت أن مجموعة صغيرة من الملالي الشيعة المتعصبين جاءوا بتغطية الاتحاد السوفياتي. إنهم ليسوا بالقوة التي يتصورها العالم. وليسوا بذكاء الجيل الإيراني الجديد والشاب. وإذا نحن الجيل الجديد استطعنا تغيير النظام عندها وبكل تأكيد سيتغير كل الشرق الأوسط والعالم، لأنه لن يبقى هناك من يرعى الإرهاب، وينشئ المنظمات الإرهابية التي عاشت على «البترو دولار» الإيراني، مثل «حزب الله»، إذا تغير النظام فإن أغلب المنظمات الإرهابية الإيرانية لن تقوى على البقاء من دون الدعم المالي الإيراني.
- يقول البعض إنه بعد المظاهرات الأخيرة، لن يبقى الوضع في إيران كما كان. لأن الكثير من الإيرانيين تثيرهم الجمهورية الإسلامية، ويواجه النظام صراعات داخلية لأن زعامة خامنئي تقترب من النهاية. ماذا سيحصل إذا اختفى خامنئي اليوم؟
- بعدما جاء محمد خاتمي إلى السلطة كانت هناك حركة إصلاحية قوية، وكان هناك الكثير من الأمل. أنا صوتت مرتين لخاتمي، وكنت ما زلت طالباً. قلت لا معارضة حقيقية لدينا، ونحتاج أن نغير النظام خطوة خطوة، وإننا نحن الطلاب النشطاء قررنا دعم طرف من النظام، أي الإصلاحيين. قالوا سيغيرون النظام من الداخل، لكنني أغلب وقت خاتمي أمضيته في السجن. كان الإصلاحيون أقوياء حتى ثلاثة أسابيع مضت. لأنه خلال المظاهرات لم تسمعي صوتاً يدعم الإصلاحيين. في السابق كان الأمر مختلفاً. حتى لم يأت أحد على ذكر مير موسوي أو كروبي. هذه المظاهرات كشفت أنه لا حظ للإصلاحيين داخل النظام إطلاقاً. زمن خاتمي كنا نعتقد أن خامنئي سيذهب، وسيأتي خاتمي وستتجه البلاد اتجاهاً أفضل. لكن هذه المظاهرات أسقطت كل الإصلاحيين ومصداقيتهم. لقد انتهت قصة المتشددين والإصلاحيين معاً. أظهرت المظاهرات أنه لا دور للإصلاحيين داخل البلاد إطلاقاً. إذا توفي خامنئي أو حدث له شيء، لن يبقى النظام في الحكم، ستكون هناك حرب أهلية بين مسؤولي النظام. لكننا نأمل بأنه حتى ذلك الوقت، نستطيع أن نسّير البلاد نحو الاستفتاء في اتجاه دستور جديد بمساعدة المجموعة الدولية.
- لكن لاحظنا أن الأوروبيين هم مع النظام وليسوا مع الشعب الإيراني؟
- لأنهم يتلقون الشيكات من النظام، وأيضاً هناك اتفاقيات نفطية وقعت مع الأوروبيين وكلها لمصلحتهم. لهذا يدعم الأوروبيون النظام حتى النهاية. نحن لا نعتمد على أي دولة أوروبية. لأنهم يعرفون أن هؤلاء الملالي مجرمون، وقرر الأوروبيون دعمهم ولا تهمهم دماء الشعب الإيراني.
- لكن شركة «بوينغ» الأميركية وقعت اتفاقاً مع هذا النظام؟
- حتى الآن لم تحصل على دعم الكونغرس، وهناك مشكلات كثيرة بالنسبة إلى هذا الاتفاق.
- بعد فترة صمت وجه المرشد أصابع الاتهام إلى أميركا والسعودية وإسرائيل. نعرف أن عليه قول هذا، لكن ألا يعني هذا أن النظام مخترق؟
- عندما كنت طالباً نشطاً في السادسة عشرة، قالوا لي في التحقيق أنت من «الموساد»، ولم أكن أعرف ماذا يعني «الموساد» أو «سي آي إي». النظام يحتاج إلى من يلقي اللوم عليه، ولا يقبل الاعتراف بالنقص لديه أو بالمشكلات. وبقوله هذا، يعني أن النظام وضعه سيء. ثم إن الشعب الإيراني يحب الولايات المتحدة. وليسوا مثل الماركسيين، والثوار خلال ثورة 1979 الذين كانوا يكرهون أميركا. الجيل الجديد يحترم أميركا ويحترم المملكة العربية السعودية. وكل ما يقوله النظام يفعل الشعب عكسه. إذا قال النظام يجب أن نكره المملكة العربية السعودية فإن الشعب يقول إذن يجب أن نحبها.
- إذا نجحتم في وقت قصير، هل تعتقد أن إيران ستكون مستقرة أو سيكون هناك فوضى وحرب أهلية؟
- لن تكون هناك حرب أهلية، ربما بعض الذين يقفون مع الجمهورية الإسلامية سيقومون بأعمال ضد المجتمع الديمقراطي. أنا أعرف أن الكثيرين من المسؤولين الحاليين يعتقدون بالمال أكثر من اعتقادهم بالإمام الثاني عشر. وإذا توفرت لهم الفرص سترين قسماً كبيراً منهم يغيرون مواقفهم، وينضمون إلى المجتمع الجديد. خلال زمن الشاه كثيرون تغيروا، وربوا لحاهم وصاروا مع الثورة. هؤلاء الناس سيتغيرون ثانية. لا أرى إطلاقاً إمكانية اندلاع حرب أهلية في إيران.
- اعترف أحد مستشاري روحاني، بأنه في حال جرى استفتاء الآن فإن أكثر من 70 في المائة من الإيرانيين سيصوتون ضد الثورة الإسلامية. أي نوع من النظام يمكن أن تتفق عليه أغلبية الإيرانيين؟
- أعتقد أن 90 في المائة من الناس ضد الجمهورية الإسلامية. ويريدون ملكية دستورية.
- هل يريدون جمهورية إيرانية أم ملكية دستورية؟
- نعم، ثم إن الدستور الذي وضعناه يمكن أن يكون لواحد من هذين الطرحين. ولن نحتاج لتغييره.
- هل أنت على اتصال مع الأمير رضا بهلوي؟
- منذ زمن طويل. منذ كنت في السجن. ثم هناك قربى بيننا. أنا من داعمي الجمهورية الإيرانية. حصل بيننا بعض اختلاف في الرأي وقررنا السير كل منا في طريق مختلف. لكن بعد هذه المظاهرات عادت علاقتنا، رغم أنه لم يكن هو من دعا إلى هذه المظاهرات، لكن الكثير في إيران يحبونه. كنا أصدقاء، ثم أصبحنا متنافسين يحترم كل منا الآخر. الآن قررنا وضع كل خلافاتنا جانباً ونعود معاً، ونعمل الآن معاً.
- هناك من يقول إن النظام لا يهتم حتى لو جاع كل الإيرانيين، طالما أنه يسعى لتحقيق استراتيجيته بالسيطرة على الشرق الأوسط؟
- هذا صحيح، فالنظام غير مهتم بالشعب الإيراني، الناس مقتنعون بأن النظام مهتم بالسيطرة على الشرق الأوسط وحتى العالم. إنه يعمل على بناء نسخة إسبانية عن «حزب الله» في أميركا الجنوبية. هذه ليست خطة الملالي، وكما أشرت في كتابي «الرفيق آية الله»، إنها خطة روسية، لأن روسيا تريد أن تكون لها كتلتها في الشرق الأوسط، والملالي هم اللاعبون المنفذون. إذا راجعت دور «حزب الله»، وكتبت هذا في كتابي، تم تدريبهم من قبل ضباط سوفيات في جنوب لبنان، وفي سوريا زمن حافظ الأسد، وفي ليبيا بمساعدة معمر القذافي، كانت عقيدة يوري أندروبوف تقوم على تدريب ميليشيات من العالم الإسلامي، واستعمالها كجيش ضد الديمقراطية الغربية. كان يقول: لماذا نقاتل نحن الغرب، ندرب نحو المليون مسلم ونرسلهم ليقاتلوا من أجلنا. وقد نقلت في كتابي «الرفيق آية الله» عن «أيون ميهاي باسيباي» الذي كان على رأس الاستخبارات الرومانية ومساعداً للديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو قبل أن يهرب إلى الولايات المتحدة عام 1978، قال في كتابه «تشويه المعلومات»، إنه في ظل أندروبوف ساهمت «الكاي جي بي» بزرع بذور الكراهية للأميركيين وإسرائيل في العالمين العربي والإسلامي. وأندروبوف ترأس الجهاز منذ 1967 حتى 1982 عندما أصبح الزعيم السوفياتي. وباسيباي تحادث مع أندروبوف الذي أكد له أن هذه خطتنا ونجحنا فيها. في النهاية فإن الملالي بيادق في يد الروس والسيطرة التي يتحدثون عنها إنما هي السيطرة الروسية.
- سمعت من بعض الإيرانيين أن خامنئي إذا شعر بأنه لا حل لمشكلة الاقتصاد الإيراني سيعلن الحرب على المملكة العربية السعودية؟
- لا يستطيع. إذا أراد إعلان الحرب فإنه في حاجة إلى المال، والنظام مفلس الآن. ربما الصواريخ، وبعضها من روسيا ومن كوريا الشمالية، يمكن أن يحاول إطلاق بعضها، أو أنه أرسل بعضها إلى اليمن لقصف السعودية، هذا ما قد يلجأ إليه النظام في أي وقت، إنما الذهاب إلى الحرب مع السعودية فإنه لا قدرة للنظام الإيراني على ذلك، ولا يملك المال. قد يلجأ إلى الصواريخ لكنه غير قادر على الحرب.
- هل تعتقد أن سلسلة السيطرة على بعض الدول العربية، ستبدأ بالتفكك؟
- نعم. استطاعوا فعل كل هذا بسبب امتلاكهم «البترو دولار». لكن إذا توقف ضخ المال تتغير المعادلة. عام 2012 عندما كانت المقاطعة على النفط الإيراني، واجه النظام الكثير من المشكلات، ثم إن المسؤولين الكبار سرقوا الكثير من المال ولا يرغبون في التخلي عنه.
- ما قصة العلاقات العميقة الآن بين طهران وأنقره؟
- الرئيس رجب طيب إردوغان هو تحت تأثير الرئيس الروسي بوتين، وروسيا توسع الآن منطقة نفوذها حتى تركيا. وبعد الانقلاب ساعدت الاستخبارات الروسية إردوغان على معرفة ذلك الانقلاب، بعدها قرر إردوغان أن يكون أكثر صداقة وقرباً من روسيا بدل الولايات المتحدة. والصداقة بين أنقره وطهران قائمة برعاية موسكو.
- هل سوريا ستكون مستنقع هذا النظام؟
- إنها مشكلة يعاني منها النظام. الشعارات التي انطلقت هذه المرة كشفت كراهية الشعب للتدخل في سوريا ودعم «حزب الله» والحوثيين.
- هل تعتقد أن روحاني يحلم بأن يكون المرشد الأعلى بعد خامنئي ويجمع مناصب الرئيس، والقائد الأعلى للجيش بين يديه. هل لديه القدرة وهل لديه الوقت؟
- كلا. حتى الشهر الماضي كان باستطاعته فعل ذلك. لكن بعد إعلانه عن الميزانية التي كشفت الأموال التي تذهب إلى آية الله والنافذين. كان روحاني يخطط لهذا، لكن المظاهرات الأخيرة دمرت هذا الحلم. في السنتين الأخيرتين فكر خامنئي بتعديل النظام أن يختار البرلمان والحكومة المرشد الأعلى، كنوع جديد من الملكية، لكنه خاف أن يمس دستور الجمهورية الإسلامية، لأنه كان يعرف أن الناس ينتظرون المس بالدستور للانقلاب عليه. روحاني رأى الآن بعينيه نهاية الخط له، وللإصلاحيين والمتشددين.
- هل تعتقد أنه يجب التخلص من الاتفاق النووي؟
- الاتفاق كان كارثة. منذ 2006 كنا نطالب بمقاطعة النفط الإيراني، التقيت أكثر من 200 من رجال الكونغرس، وتحدثت في البرلمان الكندي وأغلب البرلمانات الأوروبية وحتى في إسرائيل، لأن النظام يحصل على 90 في المائة من أمواله من بيع النفط. طلبنا إلغاء كل المقاطعات الأخرى والتركيز على النفط. بعض الشيوخ الأميركيين اقتنعوا. ثم عام 2012 تمت مقاطعة النفط لكن جاء أوباما وساعد النظام بالاتفاق، وخان العالم كله ومهما حدث فإن النظام سيصنع النووي. لهذا يجب إلغاؤه. الرئيس ترمب أعطى 120 يوماً كإنذار لأوروبا. النظام لن يتغير، والأوروبيون لن يستطيعوا فعل شيء.
أملي أن نرى تغييراً في أوروبا، لأن من يقود المفاوضات مع إيران فيديريكا موغيريني (منحازة إلى إيران) هي عضو في الحزب الشيوعي الإيطالي، غيروا اسم الحزب مرتين، أولاً: الحزب الديمقراطي اليساري، واليوم الحزب الديمقراطي الإيطالي. وسمعت من أصدقائي الإيطاليين أن هذا الحزب يفقد من قوته وستجري انتخابات بعد أشهر، ونأمل أن تذهب موغيريني، ويأتي آخر غير شيوعي ليقود المفاوضات الأوروبية مع إيران.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.