ترمب يحث الأوروبيين على معالجة «ثغرات» الاتفاق النووي الإيراني

هدد بالانسحاب منه وفرض عقوبات على 14 فرداً وكياناً إيرانياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى اعلانه استراتيجية لمواجهة إيران في منتصف أكتوبر الماضي
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى اعلانه استراتيجية لمواجهة إيران في منتصف أكتوبر الماضي
TT

ترمب يحث الأوروبيين على معالجة «ثغرات» الاتفاق النووي الإيراني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى اعلانه استراتيجية لمواجهة إيران في منتصف أكتوبر الماضي
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى اعلانه استراتيجية لمواجهة إيران في منتصف أكتوبر الماضي

مدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق العقوبات المفروضة على إيران، وأعلن استمرار العمل بالاتفاق النووي «للمرة الأخيرة»، فيما فرضت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على 14 فرداً وكياناً، أبرزهم صادق لاريجاني رئيس السلطة القضائية بإيران.
وطالب ترمب أمس بـ«اتفاق» مع الأوروبيين لـ«معالجة الثغرات الرهيبة» الموجودة في اتفاق عام 2015 حول النووي الإيراني، وإلا فإن بلاده ستنسحب منه. وحذّر ترمب في بيان قائلاً: «إنها الفرصة الأخيرة. وفي غياب مثل هذا الاتفاق، فإن الولايات المتحدة لن تجدد تعليق العقوبات» التي تم رفعها منذ عام 2015 «من أجل البقاء في الاتفاق النووي الإيراني». وتابع: «إذا شعرت في أي وقت أن مثل هذا الاتفاق ليس في متناول اليد، فسأنسحب» من اتفاق 2015 «على الفور».
في المقابل، رد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بالقول إن أحدث قرار أصدره الرئيس الأميركي بشأن الاتفاق النووي يرقى إلى حد محاولة يائسة لتقويض اتفاق قوي متعدد الأطراف. وتابع ظريف في حسابه على «تويتر» أن «سياسة ترمب وإعلان اليوم (أمس) يرقى إلى حد محاولة يائسة لتقويض اتفاق قوي متعدد الأطراف وينتهك بخبث البنود 26 و28 و29 من الاتفاق النووي... الاتفاق غير قابل لإعادة التفاوض». وتابع: «بدلاً من تكرار التصريحات العقيمة ذاتها، على الولايات المتحدة أن تلتزم بالكامل بالاتفاق مثل إيران».
بدوره، قال رئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي، إن بلاده «لن تتنازل قيد أنملة من سياساتها في مجال الصواريخ الباليستية». وأضاف بروجردي تعليقاً على إدراج العقوبات الأميركية الجديدة، أن الخطوة الأميركية «غير منطقية»، مضيفاً أنها «انتهاك للاتفاق النووي»، بحسب ما نقلت عنه وكالة «إيسنا» الحكومية.
واعتبر بيان للبيت الأبيض منسوب للرئيس ترمب أن إيران هي «الدولة الأولى الراعية للإرهاب، بدعمها حزب الله وحماس وكثيراً من الإرهابيين، وتمويلها وتدريب أكثر من مائة ألف مقاتل لنشر الدمار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ودعمها نظام بشار الأسد ومساعدته في ذبح شعبه». وانتقد البيان الصواريخ الإيرانية «المدمرة التي تهدد البلدان المجاورة، وقيام الحرس الثوري الإيراني باعتقالات جماعية وتعذيب وقمع لإسكات الشعب الإيراني».
وأضاف البيان أن استراتيجية الرئيس ترمب التي أعلنها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تهدف إلى مواجهة هذه الأنشطة المدمرة ووقف تدفق الأموال للنظام الإيراني التي يدعم بها الإرهابيين. وأشار إلى أن الإدارة الأميركية فرضت عقوبات على ما يقارب 100 فرد وكيان منخرطين في برنامج الصواريخ الباليستية وغيرها من الأنشطة غير المشروعة، فضلاً عن 14 كياناً جديداً أضيفت أمس إلى قائمة العقوبات.
وألقى الرئيس ترمب باللوم على إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما لغضه النظر عن أنشطة إيران، خصوصاً المتعلقة بالبرنامج الصاروخي وتصدير الإرهاب. وقال البيان إن الإدارة السابقة «أعطت إيران كثيراً في مقابل القليل جداً، بما في ذلك 1.8 مليار دولار نقداً استخدمها النظام لشراء الأسلحة وتصدير الإرهاب بدلاً من تحسن حياة الشعب الإيراني».
وتابع الرئيس في البيان أنه «على الرغم من ميلي القوي للتخلص من الاتفاق، فإن الولايات المتحدة لن تنسحب بعد من الاتفاق النووي الإيراني، وبدلاً من ذلك حددت طريقين للمضي قدماً؛ إما إصلاح عيوب الاتفاق أو الانسحاب منه. وأنا منفتح للعمل مع الكونغرس حول التشريعات المتعلقة بإيران».
وجدد ترمب دعوته للحلفاء الأوروبيين باتخاذ خطوات أقوى مع الولايات المتحدة لمواجهة أنشطة إيران الخبيثة، مطالباً الحلفاء بقطع تمويل الحرس الثوري الإيراني ووكلائه، وأي شخص يسهم في دعم إيران للإرهاب. كما طالب الأوروبيين بإدراج حزب الله منظمة إرهابية، وتقييد قدرات إيران في تطوير الصواريخ الباليستية ووقف إطلاقها خصوصاً في اليمن، ومواجهة التهديدات الإلكترونية الإيرانية والضغط على النظام لوقف انتهاكات حقوق الإنسان لمواطنيه.
وشملت قائمة العقوبات الأميركية التي أعلنتها وزارة الخزانة أمس، رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني لانتهاكه حقوق الإنسان، وهو من بين أرفع المسؤولين الذين ينصبهم المرشد الإيراني علي خامنئي مباشرة، إضافة إلى مدير سجن رجائي شهر، غلام رضا ضيائي، ومرتضى رضوي رئيس شركة «موج سبز وفناموج»، التابعة لبحرية للحرس الثوري، وشركة صناعة الطيران (هسا) التابعة لمؤسسة الصناعات الجوية الإيرانية، وشركة دعم وتحديث المروحيات الإيرانية، والمركز القومي الإيراني للإنترنت، واللجنة العليا المشرفة على الإنترنت وشركة «بردازان سيستم نماد آرمان» التابعة للحرس الثوري.
من جانبهم، شدد مسؤولون بالإدارة الأميركية على أن التصديق على مواصلة العمل بالاتفاق سيكون الأخير، داعين الحلفاء الأوروبيين والكونغرس لتعديل العيوب الواردة في الاتفاق، وتضمين برنامج الصواريخ الباليستية في الاتفاق.
وكان أمس (الجمعة) هو موعد تحديد الإدارة الأميركية ما إذا كانت ستعيد فرض عقوبات اقتصادية على إيران، وهي التي تم رفعها بموجب الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015 أم لا. واعتبر ترمب في أكتوبر الماضي أن الاتفاق النووي الإيراني ليس في مصلحة الأمن القومي الأميركي، وأنه أسوأ صفقة على الإطلاق، مطالباً الكونغرس بسن تشريع لتعديل الاتفاق ومعالجة العناصر السيئة في الاتفاق. ومن بين التعديلات التي يطالب بها ترمب؛ منح مفتشي الوكالة القدرة على تفتيش جميع المنشآت النووي في إيران، وتعديل «بند الغروب» الذي يتيح لطهران استئناف البرنامج النووي بعد 10 سنوات من بداية تنفيذ الاتفاق.
وقال مسؤولون كبار بالبيت الأبيض للصحافيين أمس، إن قرار الرئيس ترمب بفرض عقوبات على 14 شركة وأفراد (ليست لها علاقة بالاتفاق النووي الإيراني) يرسل رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لن تصمت عما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان داخل إيران وفرض الرقابة على وسائل الإعلام، وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
بدوره، قال مسؤول رفيع آخر بالإدارة الأميركية إن القرار الذي أعلن عنه الرئيس ترمب يمثل الخطوة التالية بعد قراره في أكتوبر الماضي، لافتاً إلى أن الإدارة الأميركية ستعمل مع الحلفاء الأوروبيين والكونغرس الأميركي، وليس النظام الإيراني، لتعديل الاتفاق.
وتشمل التعديلات التي يطالب بها ترمب 4 عناصر. الأول هو مطالبة إيران بجدول زمني يسمح لمفتشي وكالة الطاقة الذرية بدخول جميع المواقع الإيرانية. الثاني يعتمد على التأكد من أن إيران لن تحصل على سلاح نووي في أي وقت على الإطلاق. والثالث يقوم على عدم السماح لإيران باستئناف برنامجها النووي بعد 10 سنوات أو 15 عاماً. أما الرابع فهو مرتبط بالتشريع المتوقع صدروه من الكونغرس حول رفض برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأنه لا يمكن فصل هذا البرنامج عن الاتفاق النووي، وأن أي محاولة لإطلاق صواريخ باليستية ستواجه بعقوبات شديدة.
وهذه هي المرة الثالثة التي يصدق فيها الرئيس ترمب على استمرار العمل بالاتفاق النووي الإيراني على الرغم من تصريحاته السابقة بأنه أسوأ صفقة على الإطلاق، وتهديداته بوقف العمل به. ووفقاً لمصدر مسؤول بالبيت الأبيض، كان ترمب يتجه لإعلان إلغاء الاتفاق، خصوصاً بعد الاحتجاجات الإيرانية التي لقي فيها أكثر من 21 إيرانياً مصرعه وتم اعتقال الآلاف من المتظاهرين، إلا أن كبار المساعدين بالبيت الأبيض، فضلاً عن وزيري الخارجية والدفاع أقنعوا الرئيس بعدم المضي في هذا الاتجاه. كما لعبت الضغوط الأوروبية دوراً في هذا القرار، إذ اعتبروا أن إيران لا تزال تلتزم بشروط الصفقة، وأن خرق الاتفاق سيؤدي إلى زيادة نفوذ المتشددين في إيران وإلى استئناف البرنامج النووي الإيراني.
وحذرت عدة دوائر أميركية وأوروبية من إلغاء الاتفاق، مشيرة إلى أنه سيفضي إلى أزمة دبلوماسية مع الحلفاء الأوروبيين، كما سيؤدي إلى اضطرابات في سوق النفط. وأرسل 52 خبيراً للأمن القومي وأعضاء كونغرس حاليين وسابقين خطاباً للبيت الأبيض يطالبون ترمب بعدم المخاطرة بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.
يذكر أن الاتفاق النووي أدى إلى رفع العقوبات المفروضة على قطاع النفط والغاز الإيراني الذي يمثل شريان الحياة الاقتصادي في هذا البلد، مقابل فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني والسماح للمفتشين بمراقبة المنشآت الإيرانية.
وخلال الأيام الماضية كانت أسواق الطاقة تنتظر قرار إدارة ترمب بشأن الاتفاق النووي الإيراني وخطواته المقبلة، حيث سعى كثير من شركات النفط والغاز الأوروبية للدخول في اتفاقات لاستخراج النفط والغاز الإيراني في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.