الهند تحتفل بعيد الميلاد الـ220 لشاعرها الأسطوري غالب

لا يزال مؤثراً في الهند المعاصرة

شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي
شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي
TT

الهند تحتفل بعيد الميلاد الـ220 لشاعرها الأسطوري غالب

شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي
شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي

احتفت شركة «غوغل» مؤخراً، في إطار مواصلتها لتكريم بعض أفضل الشخصيات الهندية، بعيد الميلاد الـ220 للشاعر الأسطوري ميرزا أسد الله خان غالب، الذي كتب باللغة الأردية والفارسية وعاش في القرن التاسع عشر إبّان حكم إمبراطورية المغول. ولد ميرزا أسد الله خان غالب (1797 - 1869)، الذي ربما لم تقل إسهاماته في الأدب المكتوب باللغة الأردية في أهميتها عن إسهامات شكسبير في الأدب الإنجليزي، في مدينة أغرا لعائلة أرستقراطية ذات أصول تركية، لكنه هاجر فيما بعد إلى نيودلهي حيث عاش بقية حياته. تم تصوير غالب على شعار «غوغل» وهو يطل من نافذة ذات قوس في قصر ممسكاً بورقة وقلم وكأنه على وشك تدوين بعض أشعاره الخالدة، على خلفية من سماء زهرية اللون، ومآذن على الجانب الأيمن في مكان ما بمدينة دلهي، حيث عاش الشاعر أكثر سنوات حياته.
ويعد هذا الشاعر البارز، الذي كرمه المغول بمنحه لقبي دابر الملك، ونجم الدولة، حتى يومنا واحدا من أشهر الشعراء وأكثرهم تأثيراً في شبه القارة الهندية، حيث تم ترجمة أعماله إلى الكثير من اللغات الهندية والأجنبية.
ومن غير المفاجئ أن يعبر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، والذي يشتهر بمهاراته في الكومبيوتر على مستوى العالم، مؤخراً عن حبه لأشعار غالب. وصرح ناديلا، في برنامج مايكروسوفت الهند، الذي يحمل اسم «التكنولوجيا للأبد، أما الأفكار فللهند» قائلا: «هناك أمران أشعر بالشغف نحوهما قاداني إلى تحقيق أحلامي هما الشعر وعلوم الكومبيوتر». ثم بدأ خطابه مقتبساً شعر ميرزا غالب: «آلاف الآمال، يخطف كل أمل منها أنفاسك. كان لدي الكثير من الأحلام، لكنها مع ذلك لم تكن كافية».
- روح غالب المشرقة
بدأ غالب يكتب الشعر وهو في الحادية عشرة من العمر بالفارسية والتركية. في الوقت الذي كان الجميع يكتبون بالفارسية البسيطة، التي كانت لغة البلاط آنذاك، كان غالب هو من منح هذه اللغة عمقها وروحها اللامتناهيتين. رغم أن غالب كان بارعاً حتى في الشعر الفارسي، كانت أشعاره التي تمثل العمود الفقاري للغة الأردية هي ما جعلت منه أسطورة، لم تطمسها الأيام رغم مرور قرون على وفاته، مع أن أعماله المكتوبة باللغة الأردية كانت أقل كثيراً من أعماله المكتوبة باللغة الفارسية.
كان غالب شاعر البلاط خلال فترة حكم الإمبراطور المغولي بهادر شاه ظفر، والذي كان هو الآخر شاعراً معروفاً، نفاه البريطانيون إلى مدينة رانغون بعد سقوط إمبراطورية المغول.
لقد عاش ميرزا غالب في حقبة كانت لها النصيب الأكبر من الاضطرابات طوال التاريخ السياسي والاجتماعي الهندي. كانت أشعاره تعبر في بعض الأحيان عن الاضطراب السياسي خلال فترة حكم إمبراطورية المغول التي انهارت وفتحت الطريق أمام شركة «الهند الشرقية» البريطانية لاحتلال الهند في حياته.
خلال السنوات الأخيرة من حكم المغول، لم يكن غالب إحدى الشخصيات البارزة البلاط فحسب، بل أيضاً كان معلم الشعر للأمير لفخر الدين ميرزا، الابن الأكبر للإمبراطور. كذلك قام الإمبراطور بتعيينه مؤرخاً ملكياً في بلاط المغول. بعد سقوط إمبراطورية المغول عانى غالب كثيراً ليجني رزقه، حيث تجول وعاش في أزقة ضيقة في منطقة تشاندي تشوك، ورأى بعينيه الجنون والتخريب يسيطران على شوارع مدينته الحبيبة، وشهد الحصار، وقتل طريقة حياة كاملة.
- أشعاره جزء من مفرداته اليومية
عاش الشاعر الفيلسوف، الذي طرح أسئلة عن الحياة، والدين، والمجتمع، الحياة بشروطه وطريقته وكتب كثيراً عن فلسفة الحياة والتصوف.
يركز الجانب الأكبر من أشعار غالب على مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم والثناء عليه، وهو ما يوضح أن غالب كان مسلماً مؤمناً. وكتب غالب قصيدة بعنوان «السحاب الذي يحمل الجواهر» تمجيداً وتكريماً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كتب قصيدة مكونة من 101 بيت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووصف غالب نفسه فيها كعاص ينبغي أن يقف صامتاً أمام النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهو غير جدير بمخاطبته.
اتسمت الكثير من أشعاره بالحزن النابع من تجارب الحياة الصعبة، فقد أصبح يتيماً في سن صغيرة، وعانى في طفولته كثيراً، ثم تزوج لكن تُوفي سبعة من أبنائه صغاراً. ساعدت بساطته وبصيرته في إقبال رجل الشارع العادي على شعره. الشاهد على ذلك لا يوجد في الأدب، بل في الطريقة التي جعل بها الرجل العادي أشعاره جزءا من مفرداته اليومية. يحبه الناس ويتذكرونه لأنه يمثل جزء من مشاعرهم، ويشكل وجدانهم، لا من أجل الظهور في هيئة المتعلمين المثقفين. حتى الطفل قادر على فهم أبياته، ويمكن للمرء العثور في الأزقة الضيقة بدلهي القديمة على مصلحي أحذية، وسائقي عربات ريكشا، يرددون أشعارا لغالب بحماس في تعاملهم مع الشوارع الغادرة، وأزمة الوجود الأفعوانية المتشابكة. لا عجب إذن من أن تمر القرون ولا يأتي أحد يستطيع أن يصل إلى مكانته، وأن تظل أشعاره تتردد كأقوال صادقة مثلما كانت منذ زمن مضى.
- لا يزال مؤثراً في الهند المعاصرة
بالنسبة إلى الذين لا يعرفون اللغة الأردية، تثير ترجمة أشعاره مزيجاً قوياً من الحب والجمال والنشوة واليأس. يقول دولان، طالب تاريخ بجامعة جواهر لال، يبلغ من العمر 25 عاماً: «تصدق أشعاره في أيامنا هذه وتلائم عصرنا هذا لأن تمرده يدفعنا نحو التساؤل عن الطبقية والتراتبية الاجتماعية». أما الذين يعرفون اللغة الأردية جيداً ينبهرون من قبضته القوية على اللغة التي تميزه. يقول المؤرخ رانا سافي: «يلمس غالب وترا في قلوب الجميع. من النادر ألا يشعر المرء بعد قراءة أبيات غالب الخالدة أنه قد لمس وجدانه».
لقد عاش ميرزا غارقاً في أحزانه، لكن ذلك لم يغيره، حتى عندما نفد ما معه من مال، وغرق في الديون، واصل العيش ببذخ.
بحسب أحد منشورات شركة «غوغل» كان غالب يعاني من مشكلات مالية، ولم يكن لديه يوماً ما وظيفة بدوام كامل، وكان يعيش بفضل رعاية أفراد من العائلة المالكة وأصدقائه الموسرين. لم يحظ إسهامه في الشعر والنثر بالتقدير الذي يستحقه في حياته، لكنه بدأ يجذب الانتباه حقاً بعد مماته. تم تحويل أعماله النثرية إلى أشعار غزل خالدة.
رغم كل الصعوبات المالية والاضطرابات العاطفية التي مر بها غالب، أبحر في حياته بذكاء وفكر وحب للحياة. وتُوفي عن عمر يناهز الواحدة والسبعين في منزل يقع في تشاندي تشوك في دلهي القديمة. تم تحويل المنزل، الذي يعد من مواقع التراث، إلى متحف ويجذب الكثير من الزوار القادمين من الهند وخارجها. يوجد داخل المتحف صور بالحجم الطبيعي لأشعار غالب باللغة الأردية مترجمة إلى الإنجليزية والهندية، وتمثال نصفي له، ونسخ من خطابات شهيرة مكتوبة بخط يده، وملابسه، وبعض الأواني النحاسية التي تعود إلى الزمن الذي عاش فيه الشاعر.
بالنسبة إلى المؤرخ سهيل هاشمي، يعد غالب أعظم شاعر في القرن الذي عاش فيه، ويستحق ما هو أكثر من ذلك. ويقول إن المأساة في خلوده، ومكانته الأدبية المرموقة، هي أن اللغة التي كتب بها، وهي الأردية، مرتبطة بديانة أو معتنقيها. يضيف قائلا: «لو كان قد كتب بالإنجليزية، لكان قد فاز بجائزة نوبل». الجدير بالذكر أنه تم إنتاج الكثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي تتناول قصة حياته.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.