التعطش للدماء وصدمة الإصلاح

«تيتوس أندرونيكوس»... يعرضها مسرح شكسبير الملكي البريطاني

مشهد من المسرحية
مشهد من المسرحية
TT

التعطش للدماء وصدمة الإصلاح

مشهد من المسرحية
مشهد من المسرحية

يتغنى ماركوس، شقيق المحارب الروماني تيتوس أندرونيكوس، في مسرحية «تيتوس أندرونيكوس» المعروضة حالياً على مسرح شكسبير الملكي البريطاني: «واأسفاه، نهرٌ قرمزي من الدماء الدافئة كنافورة مزبدة تثيرها الرياح، يرتفع ويهبط بين شفتيك الورديتين، يذهب ويجيء بنَفَسك العسلي»؛ إنها أشد مسرحيات شكسبير دموية على الإطلاق: قطْع ألسنة، وبتْر أياد، وأكْل لحوم البشر، واغتصاب جماعي، وإحياء الموت بكل شعائره المروعة. وغالباً ما يقترن سفك الدماء بالفرار الروحي لشخصيات ضائعة، وليس بالضرورة تعبيراً عن أزماتها؛ يعترف آرون، عشيق ملكة القوطيين في المسرحية: «لقد ارتكبتُ ألف فعلة شنيعة عن طيب خاطر يخامرني عند قتل ذبابة، ولا شيء يحزن قلبي حقاً إلا عجزي عن ارتكاب ألف مثلها!».
وعلى الرغم من موقع المسرحية الروماني، لا تُخرج البريطانية بلانش ماكنتاير مسرحية تاريخية عن روما، وإنما عن أي عاصمة في منحنى سقوطها الأخلاقي والحضاري، وهي تستمد مصادرها من مزيج من الأساطير والخرافات القُرْوُسْطيّة. وفي تناقض صارخ مع تلك الاقتباسات الكلاسيكية، يلْعب الممثلون أدوارهم في ثياب معاصرة لا يبررها النص المنطوق.
يبدأ العمل بالعملاق المسرحي ديفيد تراوتون في دور تيتوس العائد إلى موطنه، تُتوجه هالة الانتصار بعد حرب ضد القوطيين دامت عشر سنوات. نبصر عرضاً راقصاً يعمه الصمت، ونخاله من فرط تجريبيته معدَّاً للقرن الواحد والعشرين. يرجع المقاتل ملهياً بعجرفته ويده الباطشة كبطل من أبطال الحرب، إلا أنه خلف قبل رحيله عصراً من التقشف أتى على الأخضر واليابس. تمتد حدود دولته الإمبريالية حتى بلاد القوطيين، بينما مواطنه يشتهي اللقمة الجافة. وما ينفع المواطن إن تشربت أمته بالروح العسكرية والبروباغندا القومية حتى الثمالة وهو لا يجد ما يسد به رمقه؟ وهل يبرر له جوعه اللجوء إلى العنف ضد السلطة؟
وهنا، يباغتنا العمل بتساؤل محير: هل يتولد عنف المواطن من قهر الدولة أم العكس؟ الدجاجة جاءت أولاً أم البيضة؟! تُناقش المخرجة هذه الدائرة الجهنمية المفْرغة في مشاهد تشي بفلسفة العرض، وتزودنا بمفاتيح استيعابه. والدائرة مفْرغة لأنها تخفق في طرح تحليل كامل للوضع، أو سلك سبيل لفك التلاحم. لا تحسم المسرحية النقاش، وإن تبدو كأنما تمتدح عنف رجل الشارع، وتختلق له الأعذار في عدة مواقف جدلية. تطيح قوات الشغب بالمتظاهرين يميناً ويساراً، بينما تنخرط الفرق المتصارعة في حرب شوارع مخيفة لإيمانها بـ«البربرية الفردية»، حسب وصف الناقد مايكل بيلينجتون في جريدة «ذا غارديان».
ووسط الجانبين، تندس ثلة من الفوضويين وناهبي الملكيات العامة، ويَبرز رجلٌ يحْمل لافتة عليها عبارة «التقشف يقتل». وثمة كاميرا ديجيتال ترْصد المظاهرات عند كل منعطف، لترمز إلى فعالية صحافة المواطن وشيوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المجال العام؛ إنها ملمح من ملامح «الثورة» في القرن الواحد والعشرين.
وعلى الرغم من أن تيتوس يُعبِّر عن نموذج النبيل المحارب الجسور، فإنه لا يؤمن بحتمية التجديد أو العصرنة، ويعبد شعائره عبادته لآلهته. وسرعان ما يفقد ثقة مواطنيه، وتئن عاصمته تحت ثقل القسر وغياب القانون. وعلى النقيض منه، كان الإمبراطور الشاب ساتورنينوس، الوحشي في قراراته المتحيِّن لكل فرصة للانفراد بالسلطة، لا يخاطب أحداً إلا عبر ميكروفون. وبقدر وقوعه في قبضة جنون الارتياب، يبْلغ التفسخ الأخلاقي لدولته العصرية المستحَلَّة بأدوات التواصل الاجتماعي أوجه.
لم يكن ساتورنينوس عدو تيتوس الأوحد؛ تأمر ملكةُ القوطيين المهزومة ابنيها باغتصاب لافينيا ابنة تيتوس. يتعهدها الرجلان بالحب والرعاية قبل اغتصابها، ثم يشوهانها لحد يعْجزها عن النطق باسم الجناة، وسوف يستوقفنا المغتصبان وهما يعدِّدان أطرافها المبتورة على نحو تشريحي. ويقال إن الخواطر الفَتَشيّة المتعلقة بتقطيع النساء إرباً في الأدبيات التالية تحيل القراء في الغالب إلى حادثة اغتصاب لافينيا.
وفي بؤرة الفعلة ذاتها، يند تعاطفٌ «نرجسي بطريركي» عن ماركوس الذي ينهي إلى أخيه تيتوس بلسان بارد: «إنها ابنتك»، فيجيبه بثبات جندي لا تهزه المهالك: «إنها هي إذن!». يقتل تيتوس الرجلين انتقاماً، ويخبزهما في فطيرة، ثم يقدِّمهما في مأدبة تحْضرها أمهما تامورا: «واجعلهم يدركون ما يجعل ملكة تركع في الشوارع، وتلتمس عبثاً الرحمة». ينسال مجرى آخر من الدماء حين يقتل تيتوس ابنته لافينيا رحمةً بها، ثم يصارح تامورا بأنها التهمت لتوها ابنيها. وينحرها فتهتف: «أواه! أيتها التقوى القاسية المارقة». وبعدها، يقتل الإمبراطور تيتوس في حمام من الدماء القرمزية تقطر على خشبة المسرح، ثم يقتل لوسيوس الإمبراطور. وعلى ضفة الدماء السائلة أنهاراً، يصير لوسيوس أخيراً إمبراطوراً!
الحق أن إنجلترا لم تكن تعيش ثقافةً تتكل على الانتقام وقت كتابة هذه المسرحية، لا انتقام السلطة من المواطن ولا العكس. وعليه، تطلب إضفاءُ الوحشية على الدراما بتلك البقاع الأجنبية كإيطاليا درجة ساخرة من الانفصال والتباعد. ومثل ذلك الانعزال بين البنى الاجتماعية والشكل الدراماتورجي كان يهدف إلى السماح للمسرح الإليزابيثي بأن يتحدث عن شيء آخر عبر شتى ضروب الإيحاءات والتلميحات.
ولكن غاية شكسبير الحقيقية كانت التركيز على قضايا اجتماعية ملحة نجَمت عن صدمة الإصلاح الإليزابيثي وقهره العنيف للماضي، وهو ما تمثَّل في عزوفه عن المشاركة في مشروع ثقافي أعم رمى وقتذاك إلى إيجاد تشريع تاريخي للإمبراطورية الإمبريالية. لقد صعد شكسبير بعاصمة على شفا التفسخ الثقافي إلى منطقة الضوء الدرامي، وسهام تيتوس المسددة لأعدائه كانت مسددة في الواقع إلى الملكة إليزابيث الأولى، ومثلها تصوِّب مخرجة مسرحيتها المعاصرة سهامها إلى حزب إنجلترا الحاكم.
وبالمثل، كان الاغتصاب حدثاً آيديولوجياً في حبكة شكسبير: «أواه يا لوسيوس الأحمق، ألا تفطن إلى أن روما ما هي إلا برية من النمور؟»، وتدهور لافينيا الجسدي صار يعكس حالةَ الدولة عقب محاولة الإصلاح الاقتصادي والسياسي حينذاك، مستحضراً فوضى تعيشهما الأمة البريطانية في عام 2017، عقب قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي. إن لافينيا ذات اليدين المقطوعتين واللسان الأبتر، التي «ينبغي أن تكون ميتة غير أنها ليست ميتة بعد»، تُطِّوع رؤية شكسبير التراجيدية للتعطش إلى الحكم الأوحد، وتبعات التهور السياسي حتى في أعتى الديمقراطيات الغربية، مؤيدةً رأي الناقد البريطاني جوناثان بيت؛ إنها «مسرحية خليقة بعصرنا».



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».