أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

{الشرق الأوسط} تنشر شهادات عن حياة 400 ألف شخص شرق العاصمة السورية

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)
TT

أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)

«أحياء، لكننا أموات» عبارة يقولها أهالي الغوطة الشرقية لدمشق عن الوضع الإنساني المرير الذي وصلوا إليه، جراء الحصار المطبق الذي تفرضه قوات النظام منذ نحو أربع سنوات وقصفه المتواصل لهم.
أبو حسين، وهو أب لثلاثة أولاد، يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاقم معاناته بعد لجوئه إلى بلدة أخرى في الغوطة الشرقية، إثر سيطرة النظام قبل أكثر من عام على بلدته، ويقول: «منذ أن سيطر النظام على بلدتنا وتهجيرنا لم أستطع أن أعمل أي عمل بسبب عدم وجود فرص عمل في المنطقة، خاصة أن معظم الأراضي الزراعية حرمنا النظام منها، وكنا نعيش على بعض المساعدات التي كانت تقدمها لنا الجمعيات الإغاثية، ولكن الآن توقفت معظم هذه المساعدات بسبب تشديد الحصار علينا».
ألم ووجع أبو حسين، يزداد بسبب «بقاء أطفاله على وجبة واحدة خلال ثلاثة أيام، ونومه على صوت بكائهم من شدة الجوع»، ويؤكد: «معظم طعامهم هو الفجل والملفوف حتى ربطة الخبز أو الرز والبرغل والتي تعتبر من المواد الأساسية لا يستطع تأمينها بسبب الأسعار المرتفعة».
وتعتبر غوطة دمشق الشرقية من أوائل المناطق التي شهدت حراكا مناهضا للنظام قبل نحو سبع سنوات، وتشكلت فيها فصائل معارضة مسلحة أبرزها «جيش الإسلام»، وتمكنت من طرد قوات النظام منها بعد معارك عنيفة مستمرة حتى اليوم.
وفي مقابل عجزه عن استعادة السيطرة على المنطقة، عمد جيش النظام وميليشياته إلى استهدافها بشتى أنواع الأسلحة، وفرض حصار على نحو 400 ألف مدني يعيشون فيها منذ عام 2013 وعمد إلى تشديده مؤخرا في إطار سياسة «الجوع أو الركوع» التي يتبعها إزاء المناطق الخارجة عن سيطرته.
محمد، وهو ناشط في مجال الإغاثة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تشديد النظام للحصار المفروض على الغوطة الشرقية خلال المرحلة الماضية، ويوضح: «حتى المعبر الوحيد (معبر مخيم الوافدين) الذي كان النظام يسمح للتاجر المنفوش بإدخال مواد غذائية منه قام بإغلاقه»، قبل أن يلفت إلى أن النظام عندما سمح لشخص موال لدمشق بإدخال مواد غذائية من المعبر فرض إتاوة على تلك المواد التي يتم إدخالها تصل إلى 5 دولارات أميركية على الكيلوغرام الواحد، الأمر الذي أسهم تدريجيا برفع أسعار المواد الغذائية، ووصل سعر الكيلو الواحد من المواد الأساسية بين 7 - 8 دولارات، في حين لا يتجاوز دخل العائلة 75 دولارا شهريا، كما توجد عائلات لا يوجد لديها أي دخل شهري.
تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بسبب الحرب، ويصل حاليا إلى 470 ليرة، بعد أن كان نحو 50 ليرة قبل الحرب، بينما بقيت المرتبات الشهرية للموظفين تراوح مكانها ما بين 50 إلى 75 دولارا، على حين تحتاج الأسرة المؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 800 دولار لتعيش على الكفاف.
وما يزيد من طين مأساة الأهالي في الغوطة الشرقية بلة، بحسب محمد هو «إحجام وتوقف الجمعيات والمشاريع الإغاثية والداعمين عن دعم تلك المشاريع بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار»، ويوضح: «معظم الداعمين أو المتعاطفين مع القضية السورية أصبحوا يركزون على المناطق المحررة في جنوب وشمال البلاد كون الأسعار ما زالت على حالها وهي أقل بعشرة أضعاف عما هي عليه في الغوطة الشرقية».
ويبدو الفرق شاسعا بين الأسعار في مناطق سيطرة النظام وما هي عليه في الغوطة الشرقية، ذلك أن سعر الكيلوغرام الواحد من كل من الرز، السكر، البرغل في الأولى لا يتجاوز نصف دولار على حين يصل في الثانية إلى ما بين 7 إلى 8 دولارات.

فتات... وموت بطيء وسريع
بلهجة غلب عليها السخرية، يصف محمد المساعدات الأممية التي تدخل بين فترات متباعدة وبكميات قليلة إلى الغوطة الشرقية، بأنها «مجرد فتات». ويضيف: «لم تؤثر على الوضع المعيشي للعائلات كونها لا تصل إلى حد جزء بسيط من حجم اسم الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية»، ويلفت إلى أنه «في الغوطة يوجد 75 ألف عائلة محاصرة، بينما يتم إدخال مساعدات أممية لا تتجاوز الخمسة آلاف سلة في كل عملية دخول أممي للغوطة».
بدوره عبد الله، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «استنفاد العائلات لمخزونها النقدي جراء الحصار والمعاناة الكبيرة جدا التي تمر بها لتأمين الدخل مع الازدياد الكبير للمصاريف وفشل المشاريع التنموية في تحقيق أي أرباح وانعدام أي فرص عمل بسبب فقدان المواد الأولية وارتفاع أسعارها جراء الحصار».
وبحسب عبد الله، فإن «كل هذا الحال يبدو مجرد كلمات تعجز عن توصيف الواقع كما هو»، مؤكدا أن ما يجري هو «إبادة ممنهجة يتبعها النظام بحق الأهالي في الغوطة الشرقية»، ويعتبر أن «من يعيشون في داخل الغوطة أحياء في الشكل ولكنهم في الحقيقة أموات».
ومع مواصلة النظام وحلفائه استهداف الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة، فقدت الكثير من الأسر معيلها، ليأخذ هذا الدور الأطفال والنساء، فالطفل دياب شادي جمال الدين ابن العشرة أعوام متسرب من الدراسة بسبب الفقر وانعدام الإمكانيات وهو الأخ التوأم لعبد الرحمن المتسرب من المدرسة أيضاً والشقيق الحنون للطفلة هويدا التي لا يتجاوز عمرها السبع سنوات. ورغم صغر سن دياب، بات معيلا لأسرته إلى جانب أمه، ذلك أنه يضطر في معظم الأحيان رغم مرضه للعمل كأجير لدى أحد الباعة من أجل مساعدة والدته بتأمين معيشة الأسرة بعد أن قضى والده في بداية الحرب، ويبدو أن شدة المعاناة أطلقت لسانه بعبارات يعجز الكبار عنها، ويقول: «أمي باتت تهيم على وجهها مع لهاثها المتواصل لجلب الدواء وفي معظم الأحيان لا تتمكن من ذلك، لأن الأهم تأمين وجبة الطعام البسيطة والوحيدة في اليوم والتي حصرت موعدها بالساعة الرابعة مساءً وغالبا ما تكون من الأصناف المتوفرة بالسوق الشعبية مثل الملفوف المسلوق أو القرنبيط وبعيدة كل البعد عن الرز والبرغل» اللذين من الاستحالة تأمينهما في ظل الغلاء الفاحش، بينما توضح والدته أن دخل العائلة الوحيد هو ما تتقاضاه من كفالة الأيتام وهو غير قابل للزيادة ويبلغ 75 دولارا موزعة على الأطفال الثلاثة لكل منهم 25، لا تكاد تكفي ثمن الدواء الذي يتعاطونه بشكل مستمر.
ويعاني دياب من فشل كلوي منذ ولادته وخاصة كليته اليسرى، وهو بحاجة لرعاية طبية خاصة وتناول الدواء بشكل مستمر وتصل تكلفته ما يقارب 20 دولارا شهرياً، كما يحتاج إلى تغذية مستمرة من قبيل تناول الحليب والبيض والفواكه والبروتينات الحيوانية مثل اللحوم، الأمر الذي تقدر تكلفته بـ200 دولار شهريا ليصبح المجموع 220 شهريا، في حين كفالته الشهرية الحالية لا تتعدى 25 دولارا ما يدفع العائلة إلى العمل والتسول للحفاظ على حياتها بأقل الإمكانيات المتاحة.
شقيقته هويدا وهي من مواليد 2011 وبالصف الأول ومتفوقة بدراستها، ورغم صغر سنها إلا أنها تعاني من مرض السكري الذي أصيبت به منذ عامها الأول نتيجة الخوف الشديد الذي تعرضت له بسبب رمي عمها لها على الأرض أثناء هروبه من إحدى المداهمات التي كانت تشنها قوات النظام، وهي أيضا مثل أخيها بحاجة لتعاطي الدواء بشكل مستمر وهو عبارة عن إبرة أنسولين كل خمسة عشر يوماً.

هياكل عظمية
وتسبب منع قوات النظام دخول المواد الإغاثية والطبية إلى الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها 104 كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 10 كيلومترات فقط، عن مركز العاصمة دمشق، في قائمة لا تنتهي من الأمراض والآفات، وضحاياها غالبا من الأطفال والعجزة.
الطبيب أيمن يعمل في أحد المراكز الطبية يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحصار أثر سلبا بشكل كبير على الخدمات الطبية المقدمة للأهالي، وأدى إلى فقدان معظم الأدوية الطبية وخاصة أدوية الأمراض المستعصية مثل السرطان والسكري وبعض الإصابات الذي سببها القصف الهمجي على الغوطة. ويقول: «تسوق بعض المنظمات الأممية إلى ضرورة إخلاء بعض الحالات الطبية الحرجة بينما في حقيقة الأمر نحتاج إلى فك الحصار وإدخال المواد الطبية باستمرار»، ويؤكد أنه «حتى عندما تقوم الأمم المتحدة بإدخال مساعدات للغوطة فالمواد الطبية التي تدخلها لا تكفي لبضعة أيام وتكون خاضعة لشروط النظام بمنع بعض الأنواع من الدخول».
ويضيف أيمن: «إننا أحيانا نقف عاجزين على فعل أي شيء أمام بعض الحالات الحرجة، كما أن قسما كبيرا من أطفال الغوطة يعانون من سوء التغذية وخاصة عند الأطفال حديثي الولادة حيث إن كثيرا من الأمهات هن في الأساس يعانين من سوء التغذية بسبب الحصار».
ولعل صورة الطفلة روان التي تزن 8 كيلوغرامات وهي في الثامنة من العمر وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وموت الرضيعة سحر وهي في شهرها الأول، دليل واضح على معاناة أطفال الغوطة.
وحذرت منظمة «يونيسيف» التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من أن هناك نحو 1200 طفل في الغوطة الشرقية يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أعلى مستوى سجل في سوريا منذ بدء الحرب. وتداول ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة رضيعة بدت أشبه بهيكل عظمي وقالوا إن «صحتها تدهورت كثيرا ما استدعى نقلها إلى العناية المشددة لكنها فارقت الحياة بسبب سوء التغذية».
هذه الأوضاع دفعت الناشطين في المنطقة إلى إطلاق حملة «الأسد يحاصر الغوطة» على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام المختلفة وذلك في أكتوبر الماضي. وتهدف هذه الحملة إلى نقل معاناة الغوطة وانعكاسات الحصار والتأكيد أن العالم يجب أن يقف أمام مسؤولياته تجاه نظام الأسد الذي يحاصر المدنيين.

وجبات النفايات
وأكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقرير له، أن سكان الغوطة الشرقية المحاصرين يعانون من نقص شديد في الغذاء لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويجبرون أطفالهم على التناوب في تناول الطعام. وأشار البرنامج إلى أن السكان تناولوا طعاما منتهي الصلاحية إضافة إلى علف الحيوانات والنفايات، وبقوا أياما من دون طعام وقاموا بأنشطة شديدة الخطورة للحصول عليه.
ولفت إلى حدوث الكثير من حالات الإغماء بين طلاب المدارس والمدرسين جراء الجوع، متوقعا أن يزداد الوضع سوءا خلال الأيام المقبلة مع نفاد الغذاء وتقلص استراتيجيات التكيف. وقال: إنه منذ سبتمبر (أيلول) الماضي اضطر نحو 175 ألف شخص في مدينة دوما على اتباع استراتيجيات للتكيف مع الوضع الطارئ، ويشمل ذلك البقاء لأيام دون غذاء، منوها إلى أنه رغم أن المنطقة زراعية، فإن الأراضي التي تصلح للزراعة على مشارف الغوطة الشرقية إما على خطوط القتال أو مستهدفة من قناصة قوات النظام والميليشيات الداعمة له. وأضاف التقرير أن 4 أشخاص على الأقل لقوا حتفهم من الجوع بما في ذلك طفل في دوما انتحر بسبب شح الطعام.
وما يفاقم من معاناة الأهالي حلول فصل الشتاء، بالتزامن مع سوء الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وصعوبة الحصول على مصادر تدفئة، رغم بحث الأهالي عنها مع تواصل قصف قوات النظام للمنطقة بشكل يومي. ويقول نشطاء معارضون من المنطقة إن «الحالة المعيشية للمدنيين في الغوطة الشرقية زادت سوءاً مع قدوم فصل الشتاء، حيث تسبب القصف بدمار أجزاء كبيرة من الأحياء السكنية، وفقدت عشرات الأسر مأواها، كما لا يمكن للمدنيين البحث عن مصادر بديلة للتدفئة من قمامة أو بلاستك أو حطب، خوفاً من عمليات القصف والقنص المتكررة التي تنفذها قوات النظام». وتوضح مصادر، أن ارتفاع أسعار المحروقات ومصادر التدفئة في الغوطة، يمنع المدنيين من شرائها، ما دفع الكثير منهم إلى إحراق أثاث منازلهم ومقتنياتهم للحصول على القليل من الدفء الذي لا يكفي لعدة أيام.

خفض توتر شكلي
وفي مايو (أيار) الماضي دخلت الغوطة الشرقية ضمن اتفاق «خفض التوتر»، لتكون واحدة من أربع مناطق يفترض أن تتوقف فيها المعارك وتفتح إليها المعابر الإنسانية لإدخال المواد الغذائية والطبية وإخراج الحالات التي تحتاج إلى العلاج، وذلك وفق اتفاق ثلاثي أبرم بين روسيا وتركيا وإيران. غير أن ستة أشهر مضت والوضع في الغوطة الشرقية على ما هو عليه، بل ربما أسوأ، فالأهالي يهددهم الجوع والمرض نتيجة إطباق فكي حصار النظام على بلداتهم وقراهم.
أبو محمد، وهو قائد عسكري يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن دخول الغوطة ضمن مناطق «خفض التوتر» لم ينعكس إيجابا على الوضع الأمني فيها، حيث لم يلتزم النظام بالاتفاق وارتكبت قواته وحلفاؤها عدة مجازر منذ بدء سريان الاتفاق. ويضيف: «حتى الطائرات الروسية شاركت بالقصف الذي طال الغوطة رغم أن روسيا كانت الضامن لهذا الاتفاق، كما استخدم النظام وحلفاؤه أسلحة محرمة دوليا في القصف منها القنابل العنقودية والقنابل الارتجاجية والتي أدت إلى موت العشرات لا بل المئات من المدنيين، وقد لاحق القصف المدنيين ضمن الأقبية والملاجئ»، ليختم بالقول: «خفض التصعيد كان فرصة ليستغلها النظام من أجل التقدم على الأرض وليحقق مكاسب سياسية بتقدمه».
ولم يتوقف النظام وحلفاؤه عن قصف الأهالي في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة منذ بداية الأحداث، وأقدم على قصف المنطقة بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس (آب) عام 2013، ما أودى بحياة ألف شخص و400 شخص.
وتحول الرضيع كريم عبد الله الذي فقد عينه جراء قصف جوي لقوات النظام في أكتوبر الماضي لبلدة حمورية، إلى رمز لمعاناة سكان الغوطة الشرقية، بعد انطلاق حملة تضامنية معه على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر خلالها كثيرون صورهم وهم يغطون عينهم في إشارة إلى إصابته. ووصلت الحملة إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، حيث نشر سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت صورة له على موقع «تويتر» وهو يغطي عينه بيده. وعلق رايكروفت على الصورة بقوله: «حين نجتمع في مجلس الأمن ونحذر من أن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال... فهذا هو ما نعنيه»، مضيفا: «يجب إنهاء قصف وحصار الغوطة الشرقية».
ونشر متضامنون مع كريم صوراً لهم ولأطفال يغطون أعينهم. وشارك في الحملة متطوعون من الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في مناطق المعارضة، فضلاً عن عاملين في منظمات دولية وناشطين وصحافيين بينهم فريق التحرير في جريدة «بيلد» الألمانية اليومية.
وبحسب تقارير ونشطاء ومصادر طبية بريف دمشق، فإنّ 527 رضيعاً فقدوا حياتهم منذ عام 2014 بسبب المجاعة ونقص الأدوية الناجمة عن الحصار. وذكرت المصادر الطبية أنّ عدد الوفيات بسبب المجاعة قبل عام 2015 كانت 15 حالة، بينما وصل عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب الجوع خلال الأشهر العشرة الأولى من 2017 إلى 227 حالة وفاة. وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن 16 شخصاً على الأقل قضوا أثناء انتظارهم عمليات إخلاء طبي من منطقة الغوطة الشرقية. وقال يان إيغلاند، رئيس مجموعة العمل الإنساني التابعة للأمم المتحدة في سوريا إن «لائحة وُضِعَت قبل أشهر عدة تتضمن نحو 500 شخص في حاجة ماسَّة إلى إجلاء، يتقلص عددها بسرعة». وتابع: «الرقم ينخفض، ليس لأننا نقوم بإخلاء الناس، بل لأنهم يموتون»، وأضاف: «لدينا تأكيدات بوفاة 16 شخصاً من تلك اللوائح منذ إعادة تقديمها في نوفمبر (تشرين الثاني)، وربما يكون العدد أعلى»، مسلِّطاً الضوء على وفاة طفل في 14 من الشهر الماضي وسط فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف. وقال: «أخشى أن يكون هناك المزيد. خلال فترة أعياد الميلاد هذه، سيكون هناك المزيد من الوفيات ما لم نبدأ عمليات الإخلاء». ومنطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق أحد آخر معاقل الفصائل المسلحة التي تحاصرها قوات الرئيس بشار الأسد.
وقال إيغلاند إن «عمليات الإجلاء والجهود لإدخال مساعدات إلى المنطقة متوقفة لعدم الحصول على موافقة السلطات السورية»، وأكد: «هذا يجب أن يتوقف». وقال: «كيف نشعر بالأمان والسلام في أعياد الميلاد... في حين أكثر الناس براءة في هذا النزاع يموتون؟!». وتابع أنهم «يموتون ليس لعدم وجود مواد إغاثة، أو لأنه لا أحد يرغب في التوجه إلى هناك... بل لأنهم جزء من لعبة نفوذ».
ولم تستثنِ قوات النظام في غاراتها المرافق الحيوية والخدمية بالغوطة، حيث استهدف المدارس والمراكز الصحية، واضطر الطلاب إلى التوقف عن الذهاب إلى مدارسهم اعتباراً من نوفمبر الماضي. وأدّت غارة نفذتها مقاتلات النظام في 31 أكتوبر الماضي، على مدرسة في بلدة جسرين، إلى مقتل 5 مدنيين بينهم 3 طلاب، وبعدها في 25 نوفمبر استهدف حديقة لدار أيتام.



السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.


إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.


اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.