الجزائر: إنجازات وتحولات... وثوابت

هكذا عاشت عام 2017

عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
TT

الجزائر: إنجازات وتحولات... وثوابت

عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري
عز الدين ميهوبي وزير الثقافة الجزائري

كلّما تعلّق الأمرُ بنهاية سنة وبداية أخرى، أجدُني بين وضعين مختلفين متخالفين، وبينَ حالين متميّزين متمايزين، وضعِ مغادرٍ مدبر، وحالِ حائلٍ مقبل، أغلق خزانة السنة القديمة وأفتح خزانة السنة الجديدة... فحين تغادرك اللحظة ويهرب منك الحاضرُ ليسكن الماضي، فهذا لا يعني أنّ تلك اللحظة قد امّحت واختفت، إنّها حيّة موجودة في الزمان... إنّنا في النهاية نقصدُ أحداثاً ونغادر أخرى، وحين تهربُ منّا الأحداث وتنفلتُ لتصبح جزءاً من الماضي فإنّها بالتأكيد تتقاطعُ مع الأحداث التي تسكن الآتي ولم تحدث بعد، الحدثُ في النهاية إمّا واقعٌ أو متوّقعٌ... إمّا وقع وانتهى وإمّا لم يقع بعدُ... فلا يمكنُ أن أتحدث عن نهاية سنة دونَ أنْ أتحدّث عن فلسفة الزمان المرعبة والتي وجب التعامل معها بكثير من الوعي والإدراك.
لعلّ أهمّ حدثين مرّا على الجزائر خلال سنة 2017، هما تعزيزُ التقدّم الديمقراطي وترتيبُ البيت السياسي باستحقاقين انتخابيين، الانتخابات التشريعية 04 مايو (أيار) والانتخابات المحليّة 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهما الحدثان اللّذان ترتّب عنهما تشكيل مجلس شعبي وطني جديد (برلمان)، ومجالس بلديّة وولائيّة جديدة.
وللجزائر تجربة عميقة وراسخة في تسيير العملية الانتخابية بدأتْ منذُ تسعينات القرن الماضي، فالصّرحُ الديمقراطي التعدّدي ما فتئ يتدعّم في البلاد بلبناتٍ واثقة ومؤسسة على الشفافية والنزاهة والحريّة، ولعلَّ الشعب الجزائري من خلال هذين الحدثين تمكّن من اختيار ممثليه في مختلفِ الهيئات والمؤسسات التي تُعنى بتشريع قوانينه وتسيير حياته اليومية.
الأكيدُ أنّ عملية التحوّل الديمقراطي التي اعتمدتها الجزائر لم تكن سهلة تماماً؛ إذ تخللتها مكابدات سياسية وأمنية معقّدة، ولم تكن «فاتورتها» زهيدة، بل كثيرٌ من التضحيات والندوب التي تركتها أزمة التسعينات في جسد المجتمع الجزائري الذي تخطّى حقل الألغام وتعافى من ذلك بعد عمل سياسي وقانوني وثقافي شاق، تمّ استباقه بتشريح للأزمة - المأساة، وبتفكيك للواقع الاجتماعي بمخطط أرسى دعامته الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من خلال اعتماء مصالحة وطنية وإصلاحات شاملة؛ إذ أدرك الجزائريون في النهاية، أنّهم شركاء في تسيير مرحلة ما بعد الإرهاب، وتكريس شرعية المؤسسات، والمساهمة في إدارة الشأن السياسي للبلاد ضمن التنوّع السياسي والحزبي، سلطة ومعارضة، ومنطلق هذا، الوعي الجماعي للفرد الجزائري الذي صار العالم أمامه مفتوحاً على خبرات وتجارب سياسية أخرى قد تكون ناجحة أو فاشلة.
ومن أجل هذا فقد تعزّزت المنظومة التي تسيّر الاقتصاد الجزائري بجملة من الترتيبات والقوانين، أهمّها مراجعة قانون القرض والنقد، وهو ما سيساعدُ على تدعيم اقتصاد وطني حيوي ونشيط يعتمدُ على الطاقات البديلة والاستثمار الحقيقي في شتّى المجالات، ولا سيما في الصناعة والزراعة مع تدعيم تجربة المؤسّسات المصغرة والمتوسّطة لتكونَ رهاناً حقيقياً سيأتي بثماره بعد سنوات قليلة إن شاء الله، وإنّ رغبة الحكومة في تحقيق هذه الخيارات بعد تحديدها ستثمر حسب توقعات المختصين والخبراء بمنظومة اقتصادية قويّة تكون بديلاً حقيقيّاً لصادرات النفط الحالية، ومن هذا الموقع لا بدّ من التذكير بدعوة الحكومة لكلّ المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في العالم إلى اكتشاف البيئة الاقتصادية في الجزائر، بعد تشريع كثير من التسهيلات للراغبين في الاستثمار.
لكنَّنا في النهاية مجبرون على حماية هذه القوانين وحماية تطوّر عملية النموّ الاقتصادي في البلاد بتعزيز شبكات الأمن المختلفة، سواء تعلّق الأمر بمكافحة الاتّجار غير الشرعي لمختلف المنتجات وإيقاف تهريبها خارج الحدود، أو بمكافحة آفة المخدّرات التي تتسلل إلى شبابنا أيضاً من الحدود أو بمكافحة الإرهاب والتطرّف المتسلل إلينا من الحدود الشرقيّة والجنوبية، وفي هذا الصدد فقد لعبت خبرة المؤسسة العسكرية بمختلف قواتها دوراً قوياً في القضاء على أي بادرة لعودة مثل هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة التي يبدو أنّ كثيراً منها حفظ درس تيقنتورين (2013)، فالجيش الوطني الشعبي تمكّن في السنوات الماضية ـ رغم خطورة الوضع في دول الجوار ـ ولا سيما سنة 2017 من وضع حدّ لتقدم خطر الموت والدمار، فكانت حدودنا الشرقيّة مقبرة حقيقيّة للإرهابيين الدمويين.
في هذه السنة، انتخب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة نائباً لرئيس الاتحاد الأفريقي، ويعلم الجميعُ أنَّ البعد الأفريقي في السياسة الجزائريّة على قدرٍ كبير من الأهميّة؛ ذلكَ أنّ الجزائرَ بلدُ التنوّع والاختلاف، والأبعاد الكثيرة التي تشكّل الهوية والانتماء الجزائريين هي في الحقيقة مصدر ثراء ثقافي وسياسي وفكري كبير.
وشهدت الجزائر زيارة عديد من الزعماء، شكّلت فيها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاستثناء؛ لطبيعة العلاقات التاريخية وثقل الملفات وحساسية بعضها، ورغم أنّ الجانب الاقتصادي أضحى يأخذ حيّزاً مهماً بين البلدين، فإنّ ملف الذاكرة يبقى حاضراً باستمرار، مع تسجيل تطوّر نوعي في معالجة بعض القضايا ذات الصّلة، بينها موافقة الرئيس الفرنسي على استعادة جماجم المقاومين الجزائريين المحفوظة في متحف الإنسان بفرنسا، بعد استيفاء بعض الإجراءات القانونية، وهي خطوة ذات دلالات مرتبطة بملف استعادة الأرشيف بكلّ أبعاده.
في سياق الذاكرة، تميزت سنة 2017 برحيل المفكّر والسياسي رضا مالك، واحدٌ من أبرز الوجوه السياسيّة والفكرية في الجزائر، ومن ضمن أهمّ الفاعلين في مفاوضات إيفيان التي جرت قبيل الاستقلال بأشهر، وهو الذي تبوأ عديداً من المناصب الدبلوماسية والحكومية، وعرف بسجالاته الفكرية والسياسية وجرأته في مواجهة خصومه، وبدرجة أخصّ في التيار الإسلامي.
لا يختلف اثنان في أنّ للدبلوماسيّة الجزائريّة ثوابت ومعالم، تأسست على عقيدة الثورة الجزائريّة، وتعزّزت بقامات عديدة، أبرزها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي حاور وفاوض في مسيرته الطويلة كبار العالم أمثال ديغول وويلي برانت، وبريجنيف وتشي غيفارا وشوون لاي وغيرهم، أبقى على ذلك الخط في إدارته للشأن الخارجي للجزائر، بالحفاظ على استقلالية القرار والموقف من كلّ القضايا حتّى تلك التي تتسم بالحساسية العالية، من قبيل أن الجيش الجزائري محكوم بمبدأ عدم التدخل في نزاعات خارج حدوده؛ لأنّ الجزائر تتبنى مبدأ الحوار أوّلاً وثانياً وأبداً؛ لهذا فإنّ 2017 شهدت محافظة الجزائر على هذه القاعدة، وأنصفها التاريخ كثيراً.
لا يمكنُ أن نمرّ على سنة 2017 دون أنْ نتذكّر القرارَ المؤسف والمجحف للرئيس الأميركي بإعلان القدس عاصمةً للكيان الإسرائيلي، إنّه القرار المؤلم الذي تعتبره الجزائر تجاوزاً للقرارات الأممية في شأن القضية الفلسطينية، ودوساً على حقوق شعب يشهد كلّ العالم بالظلم الواقع عليه بسبب السياسات غير المنصفة، وطبيعي أن يستمرّ الجزائريون في ترديد مقولة الرئيس بومدين «نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة». هناك أحداث كثيرة في الثقافة والفنّ سنة 2017، لعلّ أهمّها تمكنّنا من إنجاز فيلم سينمائي يجسّد حياة العلّامة عبد الحميد ابن باديس، في فترة وجيزة جدّاً، الفيلم الذي انطلق تصويره فعلياً في يونيو (حزيران) 2016، تمّ عرضه الشرفي الأول في مايو 2017، وهي السنة التي عادَ فيها صاحب رائعة «آفافا إينوفا» الفنان الكبير إيدير، معلناً عودته بعد غياب دام قرابة أربعين عاماً؛ إذ سيحيي حفلين يومي 4 و5 يناير (كانون الثاني) 2018.
كما شهدت2017 تكريم الفنّان الكبير لونيس آيت منقلات بالدكتوراه الفخرية في جامعة تيزي وزّو ضمن الاحتفالات بمئوية الكاتب الراحل مولود معمري، دون أن ننسى إطلاق تسمية اسم محمد فوزي، الفنان المصري الكبير، على المعهد العالي للموسيقى بالجزائر العاصمة بتوصية من رئيس الجمهورية مع إسدائه وسام الاستحقاق الوطني ما بعد الوفاة، باعتباره ملحّن النشيد الوطني الجزائري الخالد «قسماً» الذي كتب كلماته شاعر الثورة مفدي زكريّا. وهي اللفتة التي تفاعل معها الرأي العام في مصر والجزائر؛ كونها تعبّر عن وفاء وعرفان من الجزائر لهذا الفنان العبقري، حيث تنازلت عائلته عن حقوقها المادية للدولة الجزائرية.
2017 كانت سنة الاحتفاء بالثقافة الأفريقية في الجزائر من خلال جنوب أفريقيا، ضيف شرف المعرض الدولي للكتاب، الحدث الثقافي الأبرز والأكثر استقطاباً في الجزائر بمليوني زائر... كما تميزت السنة بتكريس علوّ كعب الكتاب الجزائريين في المشهد الثقافي العربي من خلال مشاركاتهم العديدة في مختلف اللقاءات الأدبية والثقافية، ولعلّ الأهمّ هو فوز ثلاثة كتّاب جزائريين بأهم جوائز «كتارا»، هم سعيد خطيبي، وعبد الوهاب عيساوي، والدكتور بشير ضيف الله... كما شهدنا تنظيم عديد من الفعاليات في السينما والمسرح والأدب ومختلف الفنون، على غرار مهرجان وهران الدولي للفيلم العربيّ، وهو الذي كان بوابة حقيقية لعودة التتويجات إلى السينما الجزائرية التي فازت بأهم جوائز المهرجان، فضلاً عن مهرجان الفيلم الملتزم الذي يعكس القيم الإنسانية والنضالية التي رسّختها الثورة الجزائرية كواحدة من ثوابتها. ورحلت عنّا خلال هذا العام أسماء وازنة في المشهد الثقافي والفكري والإبداعي، بينها المفكر والسياسي العربي دماغ العتروس، والذي يعدّ من ضمن أبرز رموزنا الثقافية والنضالية، وأحد أبرز فناني الجزائر من المجدّدين في عالم الموسيقى الراحل بلاوي الهواري الذي تسلّم من الرئيس وسام الاستحقاق الوطني قبل أشهر قليلة من وفاته، تاركاً خزانة فنية كبيرة ومهمة... وكانت بداية السنة قد عرفت فقداننا واحداً من أبرزِ جهابذة اللغة العربية والمعروف بـ«أبو اللسانيات» وهو المرحوم عبد الرحمن حاج صالح، رئيس المجمع الجزائري للغة العربية سابقاً، والحائز جائزة الملك فيصل العالمية.
ونزلت خلال 2017 الجزائر ضيف شرف على مهرجان «سوق عكاظ» بالطائف في المملكة العربية السعودية، حيث احتفت المملكة بجوانب من التراث الثقافي الجزائري، واعتبر الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز حضور الجزائر خطوة نحو بناء جسور تبادل ثقافي دائم خدمة للتراث العربي.
في الختام، نأمل أن تكون سنة 2018 سنة خير وبركة على البشريّة جمعاء، وأن يعمّ الأمن والسلامُ الشارع العربيَّ، نتمنى أنْ تكون سنة تراجعُ فيها الشعوب العربيّة خياراتها الثقافيّة ورهاناتها الاجتماعيّة.



إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
TT

إدانات يمنية لمجزرة حوثية في حجّة خلفت عشرات الضحايا

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الخروق للتهدئة القائمة مع القوات الحكومية (رويترز)

أثارت مجزرة حوثية في محافظة حجة بشمال غربي اليمن، موجة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، حيث قتل وأصيب نحو 38 مدنياً، بينهم أطفال، جراء قصف مدفعي شنته الجماعة على تجمّع للأهالي أثناء تناولهم وجبة الإفطار في مديرية حيران.

ووفق مصادر محلية، استهدف القصف، مساء الأحد، ساحة أحد المنازل، حيث كان الأهالي مجتمعين لتناول الإفطار في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، في مشهد اجتماعي معتاد يعكس تقاليد التكافل بين سكان المنطقة.

وأفادت معلومات رسمية أولية بأن القصف أسفر عن مقتل 8 مدنيين بينهم طفلان، إضافة إلى إصابة أكثر من 30 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، في حين سارعت فرق الإسعاف والأهالي إلى نقل المصابين إلى المراكز الطبية القريبة.

الحوثيون رفعوا صوراً ضخمة للمرشد الإيراني علي خامنئي عقب مقتله (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر، فإن الهجوم وقع بعد عملية رصد جوي باستخدام طائرة مسيّرة لتحديد موقع التجمع المدني، قبل أن يتم استهدافه بالقصف المدفعي، وهو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية كبيرة وترك آثار صادمة في أوساط السكان المحليين.

وأشارت التقارير الميدانية إلى أن شدة القصف تسببت في إصابات خطيرة بين الضحايا، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة القتلى.

إدانة حكومية

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم بشدة، ورأت أنه يمثل جريمة حرب وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وقالت وزارة حقوق الإنسان في بيان رسمي، إن الهجوم لم يكن عشوائياً؛ بل جرى تنفيذه عقب عملية رصد جوي دقيقة، ما يشير إلى وجود نية مسبقة لاستهداف المدنيين.

وأوضحت الوزارة أن التقارير الميدانية التي تلقتها تؤكد أن الضحايا كانوا مدنيين مجتمعين لتناول وجبة الإفطار، الأمر الذي يجعل الهجوم استهدافاً مباشراً لتجمع مدني.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية خلال تجمع في صنعاء دعا له زعيمهم (إ.ب.أ)

وأضافت أن هذا النوع من الهجمات يندرج ضمن الجرائم التي قد ترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.

كما أكدت الوزارة أن استمرار الصمت الدولي تجاه مثل هذه الانتهاكات، يشجع على تكرارها، داعية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف واضح لمنع استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وجددت الوزارة تأكيدها أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين لن تسقط بالتقادم، وأن مسار العدالة للضحايا سيظل أولوية حتى تتم محاسبة جميع المتورطين.

اتهامات بالرصد المسبق

من جهتها، قالت منظمات حقوقية يمنية إن المعلومات الميدانية تشير إلى أن القصف جاء بعد استخدام طائرة مسيّرة لرصد موقع التجمع المدني قبل استهدافه.

وأوضحت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن فريقها الميداني في محافظة حجة، وثق أن القصف استهدف ساحة مجلس المواطن عادل جنيد في مديرية حيران، حيث كان الأهالي مجتمعين حول مائدة الإفطار.

وأكدت الشبكة أن استهداف تجمع مدني في وقت الإفطار خلال شهر رمضان يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما مبادئ حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.

وأضافت أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي لتحديد تجمعات مدنية ثم قصفها بشكل مباشر، قد يرقى إلى هجوم متعمد ضد المدنيين، وهو ما يندرج ضمن الجرائم الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.

كما أشارت إلى أن مثل هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في مناطق النزاع داخل اليمن، داعية إلى تحقيق دولي مستقل لكشف ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.

وقالت منظمة «تقصي للتنمية وحقوق الإنسان» إن الهجوم الصاروخي الذي استهدف تجمع الإفطار في مديرية حيران، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال، في حادثة تعكس خطورة استمرار استهداف المدنيين في مناطق النزاع.

وشددت المنظمة على أن استهداف تجمعات مدنية خلال شهر رمضان، يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، داعية الأمم المتحدة إلى فتح تحقيق مستقل في الحادثة.

كما طالبت بتقديم مساعدات طبية عاجلة للجرحى ودعم أسر الضحايا الذين فقدوا أقاربهم في الهجوم.

التحقيق والمساءلة

ودعا مسؤولون حكوميون ومنظمات حقوقية يمنية، المجتمع الدولي، إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً إزاء الهجمات الحوثية التي تستهدف المدنيين في اليمن.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، إن استهداف مدنيين أثناء تجمعهم حول مائدة الإفطار، يمثل جريمة بشعة وانتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والدينية.

وأضاف أن الهجوم يكشف مجدداً خطورة استمرار العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن هذه الجريمة تضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات التي شهدتها مناطق النزاع في البلاد.

وطالب الإرياني، الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية، بإدانة الجريمة بوضوح، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها، مؤكداً أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات.

بدورها، حمّلت السلطة المحلية في محافظة حجة، جماعة الحوثيين، المسؤولية الكاملة عن الهجوم، داعية المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط حقيقية لوقف استهداف المدنيين.

كما ناشدت السلطات المحلية المنظمات الإنسانية والإغاثية تقديم الدعم الطبي للجرحى ومساعدة أسر الضحايا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها المناطق المتضررة.


وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)
دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، محذراً من الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي بيان صدر الأحد بعدما تقدمت به وزارة الدولة للإعلام في مصر ووافقت عليه الدول العربية، حذر المجلس من «الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض».

ووجَّه المجلس التحية لوسائل الإعلام العربية التي نقلت تطورات الأحداث «بمهنية وشرف والتزام بالثوابت القومية العربية، وجسدت تماسك وقوة المجتمعات والدول العربية الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات، ونقلت حالة الإجماع الرسمي والشعبي العربي على التضامن مع شعوب الدول العربية وإقرار حقها في الدفاع الشرعي عن النفس، والإدانة الكاملة للعدوان عليها».

وناشد البيان جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية والرقمية، المسموعة والمقروءة والمرئية، القيام بدورها في توعية الرأي العام العربي والعالمي بشأن حقائق التطورات الجارية، مع التأكيد على أن ما تتعرض له بعض الدول العربية من هجمات إيرانية هو «اعتداء غاشم غير مبرر على دول مسالمة لم تبادر بالاعتداء على أي طرف، ولم تستخدم قواتها العسكرية في توجيه أي هجمات لإيران أو لأي طرف في الصراع الجاري».

وأكد البيان على أهمية اطلاع الرأي العام على حقيقة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول العربية «قد استهدفت في معظمها مرافق مدنية، والبنية التحتية المدنية، ومقدرات الشعوب العربية وثرواتها، وإلحاق الضرر بأمن مواطنيها».

«خلط متعمد أو مغلوط»

وشدد البيان على ضرورة تجنب وقوع وسائل الإعلام «في الخلط المتعمد أو المغلوط بين الموقف من العمليات العسكرية والصراع المسلح بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، وبين الهجمات الإيرانية العدوانية على بعض الدول العربية».

وتابع: «أياً كان الموقف من الصراع بين إيران وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، فإنه لا يبرر مطلقاً الخلط بينه وبين عدوان إيراني صريح وواضح على أهداف في دول عربية لم تستخدم قواتها في مهاجمة إيران، ولم تمس أراضيها أو أهدافها العسكرية أو المدنية».

كما ناشد المجلس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

وأشار إلى أن الظروف الراهنة «تتطلب من كل مواطن عربي التعبير عن التضامن العربي الكامل مع الشعوب التي تتعرض للعدوان، والحفاظ على وحدة الموقف العربي الثابت في وجه كل مساس بأي شعب عربي مسالم».

ودعا المجلس إلى تعاون وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة في نقل الحقائق إلى الرأي العام العربي استناداً إلى البيانات والمعلومات الرسمية التي تصدر عن الدول العربية التي تتعرض للاعتداءات الإيرانية، «لقطع الطريق على ما يتم ترويجه من أكاذيب متعمدة بشأن أهداف ونتائج هذه الاعتداءات».

كما دعا إلى «تعاون عربي شامل لاطلاع الرأي العام العالمي بحقائق الأمور بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية وانتهاك سيادتها، والتواصل مع وسائل الإعلام الدولية الكبرى وتزويدها بالحقائق وتصحيح ما يتم ترويجه من مغالطات وأكاذيب».

المعلومات الموثقة

عميدة كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقاً، ليلى عبد المجيد، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن من الطبيعي أن يقف أي عربي مع الدول العربية الشقيقة «لأننا كتلة واحدة نؤثر ونتأثر ببعضنا البعض، وبالتالي من البديهي أن يصدر وزراء الإعلام العرب بياناً تضامنياً وداعماً للدول التي تتعرض لاعتداءات من إيران».

وأضافت أن البيان تضمن لغة الخطاب التي حددت مجموعة من الأمور الأساسية المتفق عليها، «فكلنا ضد ما تتعرض له دول عربية من ضربات إيرانية رداً على الحرب من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل عليها».

واستطردت: «يمكن أن نحقق ما جاء في البيان من خلال وسائل الإعلام المهنية مثل الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية».

ثم قالت: «الإشكالية تكمن في مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بعض الشخصيات غير المسؤولة والذين ليس لديهم معلومات موثقة أو رؤية واضحة ويتحدثون بشكل غير مسؤول لا يعكس وعياً بحقيقة الأمر».

وتابعت: «أتصور أن تكون هناك توعية لمن يوجدون على وسائل التواصل الاجتماعي العربي، كما أن هناك حسابات كثيرة مزيفة تحاول بث الفرقة ونشر الشائعات يجب التصدي لها، وفي المقابل هناك بعض الصحافيين المهنيين يحاولون توضيح الأخبار المزيفة ويعطون المعلومات الحقيقية للجمهور».


مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».