الكتاب الأميركيون في متحف رائد

يضم عرضاً موجزاً لسير الأدباء مع صورهم ومقتطفات من أقوالهم المأثورة

جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
TT

الكتاب الأميركيون في متحف رائد

جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»

لا شك أن الاهتمام بالأدب يشهد تراجعاً في الولايات المتحدة بالمقارنة مع الماضي، ويرجع ذلك من جهة إلى انتشار التقنيات الحديثة واستقطابها للشباب، فضلاً عن انتشار الهوايات الأخرى المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، والتي تزود البشر بمتع مغايرة للمطالعة، بل تتجاوز في الخيال المبتدع معظم الإبداع الأدبي. لذلك، نشهد في عصرنا الراهن ظاهرة «الكتاب الأفضل مبيعاً»، وهذه نوعية من الكتب تقدم كثيراً من التشويق، لكنها مصنوعة بشكل يلائم الذوق العريض، ويصلح للاقتباس إلى أفلام هوليوودية الطابع، ولا تطمح إلى الفوز بجوائز أدبية رفيعة مثل «بوليتزر» وسواها. صار لا يطبع من دواوين الشعر الأميركي الحديث إلا القليل، وهي تحتاج إلى دور تغامر بنشرها، إلا إذا كان الشاعر يحظى باسم له شهرة عالمية مدوية. فالعالم ما زال يقرأ ت. س. إليوت، إزرا باوند، والت وايتمان، رالف إيمرسون، إميلي ديكنسون، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. أما المسرح، فنشر نصوصه يعتبر من أصعب المعضلات بالنسبة للمؤلفين، لأن الغالبية العظمى من دور النشر تملك قناعة راسخة بأن المسرحية المقروءة لا تبيع، وبالتالي فإن نشرها مشروع خاسر. لذلك، ما زال الرائج طبع الكلاسيكيات الحديثة كأعمال يوجين أونيل، تنيسي ويليامز، آرثر ميلر، ثورنتون وايلدر وكليفورد أوديتس أكثر من المسرحيات الجديدة. لذلك أيضاً، تجد دوراً معينة قليلة متخصصة بنشر المسرحيات دون سواها، وتعمل كوكيل حصري لها بحيث تنال غالباً حصة من أرباح إنتاجها في المسارح. حتى المجموعات القصصية طالها انحسار نسبي بعد الشهرة المدوية لأساطين كتابها، مثل و. هنري، إدغار ألن بو ومارك توين. وحدها الرواية ما زالت تحظى بانتشار واهتمام وتنافس، وتتنافس دور النشر على إطلاقها. هذا التراث الغني بدأ من ملفيل وهوثورن وهمنغواي وفيتزجيرالد، وامتد إلى بول أوستر، نورمان ميلر، أليكس هيلي، أليس وولكر، توني موريسون، ووصل إلى فيليب روث ومايكل شابون، وسواهم كثير.
في الواقع، ليس تراجع الاهتمام بالأدب ظاهرة أميركية فحسب، بل هي بالأحرى عالمية. أذكر أن الكتاب الجديد الواحد في وطننا العربي كان يطبع 3000 نسخة كحد وسط، ويصل الرقم أحياناً إلى 10000 نسخة. ما لبث عدد النسخ المطبوعة أن تراجع إلى 1000 نسخة فقط، بل هبط أحياناً إلى 500. وكثيراً ما صرت تجد دور نشر مرموقة في بلادنا تفاوض الأديب خلسة أن يسهم بدفع تكلفة طباعة كتابه، أو بطبعه من جيبه الخاص بالكامل مقابل وضع اسم الدار على الكتاب! أما الناس في العواصم الأوروبية الكبرى، فهم يقرأون بكثافة تزجية للوقت خلال ركوبهم المترو لزمن طويل يومياً، وهم يتابعون أدباء جادين مثل كافكا وماركيز وكويللو. أذكر في بدء عهدي بالنشر في العالم العربي في مطلع السبعينات أن عدد النسخ كان وسطياً 3000 نسخة، وربما وصل أحياناً إلى 10000، بينما تراجع عدد النسخ المطبوعة منذ أواخر القرن الماضي إلى 1000 نسخة، وأصبح بعض الكتب في القرن الحادي والعشرين لا يطبع سوى 500 نسخة. الأمر له علاقة، بالتأكيد، بسوء التوزيع، لأن الكتاب صار لا يوزع إلا داخل البلد الواحد قليل عدد السكان وضمن معارض الكتب، إلا إذا نشر في مصر ذات الكثافة السكانية، أو في لبنان الضليع في التوزيع في مشرق العالم العربي ومغربه.
كثيراً ما كان يشاع في بلدان تروج العداء للسياسة الأميركية أن الولايات المتحدة قوية عسكرياً واقتصادياً، لكنها فقيرة حضارياً بالمقارنة مع التراث الأوروبي الغني. يثبت «متحف الكتاب الأميركيين» زيف هذه المقولة وبطلانها، ويثبت أن تاريخ الأدب حافل بأسماء مبدعين في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح والمقالة النقدية. يكفي أن نعرف أن ثلاثة رؤساء أميركيين في التاريخ، على أقل تقدير، كانوا في عداد أولئك الكتاب الذين يحيي هذا المتحف ذكراهم، وهم توماس جيفرسون، إبراهام لينكولن وثيودور روزفلت. بالتالي، يصحح «متحف الكتاب الأميركيين» الاعتقاد الخاطئ السائد في منطقتنا، وربما في مناطق أخرى من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية خصوصاً أن الولايات المتحدة بلد يجسد «حضارة القوة»، وليس «قوة الحضارة». يدحض افتتاح «متحف الكتاب الأميركيين» في وسط مدينة شيكاغو، (المكناة «ثاني مدن أميركا»،) هذه النظرية تماماً، إذ يذكر الكم المذهل من المبدعين الأميركيين الكبار الذين مروا في تاريخ الأدب والثقافة، وتركوا بصماتهم الخالدة على مرِّ العصور.
رغم صغر حجم «متحف الكتاب الأميركيين» في شيكاغو فإنه يبقى صرحاً رائداً من نوعه يحتفي بتاريخ عريق سيفاجئ الكثير من الزوار الأجانب، وربما حتى من المواطنين أبناء البلد أنفسهم، وذلك بسبب احتوائه على كم هائل من المعلومات عن الأدباء والنقاد الأميركيين منذ القرن الثامن عشر وصولاً إلى العصر الحديث.
يقع المتحف في الطابق الثاني من بناء أنيق في منتصف شارع التسوق الشهير في شيكاغو، شارع ميتشيغن. يجول الزائر في المتحف الصغير نسبياً، وتحفز الصور والأسماء ذاكرته لتحيي ذكريات من زمن اليفاعة والشباب.
في الرواية، هل يمكن أن ينسى المرء ناثانيال هوثورن مؤلف رواية «الحرف القرمزي»، وهرمن ملفيل مؤلف روايات «موبي ديك» و«تايبي» و«أومو»؟ هل يمكن أن ينسى أحد إرنست همنغواي مؤلف روايات «وتشرق الشمس أيضاً» و«لمن تقرع الأجراس» و«ثلوج كليمنجارو»، ؟ هل يفوت أحد ذكر ف. سكوت فيتزجيرالد مؤلف رواية «غاتسبي العظيم»؟ وهل تغيب عن الذاكرة إبداعات مارك توين مؤلف «مغامرات هكلبري فين»، أو هارييت بيشر ستو مؤلفة «كوخ العم توم»، أو مارغريت ميتشل مؤلفة «ذهب مع الريح»؟ من ذا الذي ينسى وليم فوكنر مؤلف «الصوت والغضب» و«بينما أرقد لأموت»؟ وجون ستاينبك مؤلف «عناقيد الغضب» و«رجال وفئران»؟ هل تغيب عن الذاكرة أيضاً لويزا ماري ألكوت مؤلفة «نساء صغيرات»، أليس والكر مؤلفة «اللون الأرجواني»، وتوني موريسون مؤلفة رواية «محبوبة»، هاربر لي وروايتها «قتل طائر محاكي»، جاك كيرواك وروايته «على الطريق» التي كرست جيل «البيتنكس»، جاك لندن مؤلف «عشرة أيام هزت العالم»، واشنطن إيرفينغ، ترومان كابوته، هنري جيمس، نورمان ميلر، جون آبدايك، ترومان كابوت، ريموند تشاندلر، وداشيل هاميت وسواهم؟ ربما سيفاجأ زائر «متحف الكتاب الأميركيين» حين يعلم أن فلاديمير نابوكوف مؤلف رواية «لوليتا» الشهيرة مصنف بين الأدباء الأميركيين رغم أصله الروسي! أما في مجال المسرح، فلا يمكن لأحد أن يغفل فضل يوجين أونيل مؤلف «الحِداد يليق بإلكترا»، ثورنتون وايلدر مؤلف «مدينتنا»، تنيسي ويليامز مؤلف «ترام اسمه الرغبة» و«الحيوانات الزجاجية»، آرثر ميلر مؤلف «كلهم أبنائي» و«موت بائع جوال» و«البوتقة»، والكثير من المؤلفين المسرحيين الآخرين.
في القصة القصيرة، لا يعقل أن ينسى أحد رائد الحداثة إدغار ألن بو بقصصه الغرائبية المشوقة مثل «سقوط منزل آشر»، ولا ينسى أو. هنري بقصصه الإنسانية الرائعة جميعاً. في الشعر، لا يمكن لأحد أن ينسى الشاعر والت وايتمان، مؤلف «أوراق العشب»، والشاعر ت. س. إليوت، مؤلف «الأرض اليباب» و«أربعاء الرماد»، كما لا يمكن نسيان الشاعرة إميلي ديكنسون، روبرت فروست ودبليو. إتش. أودن وسواهم. بعض هؤلاء حاز جائزة «نوبل» للآداب، وكثير منهم حازوا جوائز «بوليتزر» أو «توني» أو سواها.
يضم «متحف الكتاب الأميركيين» عرضاً موجزاً لسير الأدباء مع صورهم ومقتطفات أقوالهم المأثورة وسطور من إبداعاتهم الخالدة بوسائل جذابة للزائر. إنه متحف صغير حقاً، لكنه نموذجي بحيث يشجع ويلهم ليس المدن الأميركية الأخرى فحسب، بل العواصم العالمية والعربية أيضاً، أن تحذو حذوه وتطلق مشاريع من هذا النوع لتخليد إبداعات أدبائها قبل إقامة التماثيل لزعمائها السياسيين.
أمثال هذا المتحف تغري بأن يؤمها جيل الشباب ليتعرف إلى مبدعي أوطانهم الكبار، الذين رحلوا جسدياً عن عالمنا، لكن ما أضافوا روحياً يبقى خالداً في سجل الإنسانية. يشكل «متحف الكتاب الأميركيين» في شيكاغو خطوة ملهمة وظاهرة حضارية راقية نأمل أن تسري عدواها إلى كل مكان لتعيد إلى الأدب جدارته واعتباره في عصرٍ طغت فيه وسائل الاتصال التكنولوجية المتقدمة حتى هيمنت على صناعة السينما والتلفزيون، وعلى عالم الإنترنت. «متحف للكتاب الأميركيين» مبادرة عظيمة تستحق أن تفخر بها شيكاغو في زمن تضاءل فيه اهتمام الناس بالأدب والأدباء.
*كاتب سوري مقيم
في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.