«نسكافيه مع الشريف الرضي»... هاجس العودة إلى الجذور

تعالج ثيمات متعددة أبرزها الهجرة والغربة والحب والحرب

«نسكافيه مع الشريف الرضي»... هاجس العودة إلى الجذور
TT

«نسكافيه مع الشريف الرضي»... هاجس العودة إلى الجذور

«نسكافيه مع الشريف الرضي»... هاجس العودة إلى الجذور

صدرت عن دار «المتوسط» في بغداد رواية «نسكافيه مع الشريف الرضي» للكاتبة والمترجمة العراقية ميادة خليل. وهي رواية متدفقة لا تحفل بالتزويق اللفظي أو الكلام المقعّر.
وتعالج الرواية ثيمات متعددة أبرزها الهجرة، والاندماج، والغربة، والحب، والحرب، والموت، والانتحار، والعودة إلى الجذور، كما اعتمدت الروائية على التقنية البوليفونية ذات الأصوات المتعددة، والمنحى الاستذكاري، وأسلوب الرسائل، وبعض الأبيات الشعرية المقتبسة حصراً من الشريف الرضي، أغزر الشعراء الهاشميين وأكثرهم جودة. وقد شكّلت مقتبساته الشعرية الستة خلفية فنية للنص الروائي الذي تلاقحت أفكاره، قصداً أو مصادفةً، مع غالبية الثيمات المشار إليها سلفاً.
لا يعتمد النسق السردي للرواية على خط زمني مستقيم، بل إن الشخصيات الرئيسية بمجملها تسرد الوقائع والأحداث عبر الارتجاعات الذهنية وخصوصاً آمنة، وديفيد، وعبّاس الذين يشكّلون العصب النابض للرواية، ويمدّونها بعنصر التصعيد الدرامي الذي يبلغ ذروته قبل أن نصل إلى الحلّ النهائي الذي تقترحه كاتبة الرواية.
ترتكز هذه الرواية على إشكاليات متعددة أولها انتحار ديفيد، وثانيها موت العلاقة العاطفية بين آمنة وعبّاس رغم أن شرارتها قد اندلعت، لكن آمنة سرعان ما أخمدتها لتقتل قصة حب قد تخفِّف، في أبسط الأحوال، أحاسيس الغربة ومشاعر الاغتراب لدى الطرفين، أما الإشكالية الثالثة فهي عودة آمنة النهائية إلى العراق وكأنها تردد ذات الفكرة التي وردت في بيت للشريف الرضي يقول فيه: «ولو قالَ لي الغادونَ: ما أنتَ مشتهٍ / غداة جزعنا الرمل، قلتُ: أعودُ».
وبغية توضيح هذه الإشكاليات الثلاث التي تختصر الأحداث الروائية المكثّفة أصلاً لا بد أن نتوقف قليلاً عند نقطة التحول التي حدثت في المقطع الخامس من الرواية، حيث تتوقف آمنة، بعد أن نبهتها سميرة المغربية، عند أغراض ديفيد المُلقاة أمام البناية، وما لفت نظرها تحديداً هو وجود لوحة كبيرة، وصندوق خشبي فيه مجموعة كتب بينها ديوان الشريف الرضي. تُرى، ما الذي يهمها في حياة رجل غريب لم تعرفه من قبل وهي الأرملة المغتربة التي مات زوجها متأثراً بمرض السرطان؟
تستعمل الروائية ميادة خليل تقنية البنية الموازية التي تتيح للشخصيتين الرئيسيتين وبعض الشخصيات المؤازرة الأخرى أن تبوح بكل شيء تقريباً فيتعرّف القارئ من خلال استذكارات ديفيد على جدّه الذي كان ضابطاً في البحرية، ويمتلك مكتبة كبيرة، وجدته التي كان يحبها ويفضل العيش معها تحت سقف واحد وهي التي تذكِّرة دائماً بأن «المكتبة لك ديفيد... إنها أعزّ ما كان يملك جدّك» (ص28). وفيها كتب أدبية وتاريخية وفلسفية قرأ معظمها فلا غرابة أن يكون نموذجاً للشخصية المثقفة العابرة للقوميات والأديان والحدود ويقترن بسلمى الفتاة العراقية التي درست الأدب الإنجليزي في جامعة لندن، وكانت تحب الرسم، وتحاول أن تقيم بعض المعارض الشخصية لها، واللوحة التي عثرت عليها آمنة قرب «مكبّ» النفايات هي لوحة سلمى التي تنطوي على محمولات عراقية صرف مثل القِباب الكثيرة، وتعويذة الـ«سبع عيون» التي تدرأ الحسد، وما إلى ذلك من ألوان شرقية حارّة. لقد أحبّ ديفيد سلمى وأخلص لها مع أنه كان زير نساء قبل يتعرّف عليها لكنه أحبّها بصدق مذ صافحها، ونظر إلى وجهها، وظل مصعوقاً بهذا الحب حتى لحظة انتحاره لأنه، ببساطة شديدة، لا يستطيع العيش من دونها. لعلّ سائلاً عن سرّ انجذاب ديفيد إلى سلمى وتعلّقه بها إلى درجة الوله الصوفي فيأتي الجواب واضحاً لا غُبار عليه: «أحياناً أظن أن سبب افتتاني بسلمى هو كونها مختلفة عني تماماً، أردت الدخول إلى عالمها الذي لا أعرفه، والهروب من كل شيء أعرفه» (ص61) الأمر الذي يقودنا إلى «التكامل» الذي يتطلع إليه مع هذه الشخصية «المختلفة» كي يندمج في عالمها الخاص الذي بدا مجهولاً بالنسبة إليه.
أما الساردة الثانية، فهي آمنة التي عادت بنا إلى عائلتها في الناصرية وروت لنا حياة أسرتها التي تُعدّ نموذجاً مصغّراً للمجتمع العراقي بكل تناقضاته الفكرية المتعارف عليها منذ زمن طويل. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى عمّها موفق الذي كان شيوعياً ثم انتمى إلى حزب الدعوة المحظور آنذاك، الأمر الذي أفضى إلى إعدامه من قِبل الأجهزة الأمنية للنظام السابق. وقد حاول صلاح، شقيق الساردة أن ينتحر لكنهم أنقذوه في الوقت المناسب ليموت في الحرب العراقية - الإيرانية مُحترقاً في جوف دبابته مخلّفاً ورءاه مكتبته الأثيرة التي تضم أفضل الكتب التي اقتناها حسب رأيه. لا شك في أن فكرة الموت أو الانتحار تتلاقح مع بيت الشريف الرضي الذي استشهدت به الروائية مُذكرة إيّانا بالخلفية الفنية التي يتشابك فيها الماضي البعيد مع الحاضر الأسيان حيث يقول الشاعر: «وموتُ الفتى خيرٌ له من حياته / إذا جاورَ الأيام وهو ذليل». وبما أن الساردة آمنة هي شخصية محورية في الحدث الروائي فلا بد أن نفيها حقّها لما تنطوي عليه من نَفَس إشكالي يتعاطف معه القارئ، خصوصاً وأن الكاتبة قد استعملت المحكية العراقية في توصيف هذه الشخصية ورسم معالمها الخارجية لا تلفت الانتباه إليها البتة. فالأم تردد: «ما أعرف شنو فايدتك؟» والأب لا يجد حرجاً في القول: «هذه الخِلقة منو ياخذها؟» والأخ علاء يستوضح: «أنتِ حاسبة روحج مثل النسوان؟»، والزوج إبراهيم يتساءل: «أنتِ ليش مو مثل الأمهات؟» (ص51) باستثناء شقيقها صلاح الذي نبهها ذات مرة حينما وجدت حلاً لمسألة حسابية صعبة فقال: «آمنة، أنتِ ذكية جداً» (ص47) لعل الخصلة الوحيدة التي أنقذتها من العنوسة هي «الشرف»، فغالباً ما تُوصف بـ«الشريفة والطاهرة» لكن هاتين الصفتين الحميدتين تؤكدان «قبحها» بمعنى من المعاني. تزوجت آمنة من إبراهيم دون أن تحبه، وعاشت غربتها المريرة رغم وجود الأبناء والأصدقاء، ومات زوجها متأثراً بمرض السرطان، وأوصى أن يُدفن بين أهله وذويه، فحققت له آمنة هذه الرغبة المِلحاحة.
أشرنا إلى نقطة التحوّل الأولى حينما عثرت آمنة على لوحة سلمى وديوان الشريف الرضي في أغراض ديفيد المُلقاة قرب حاوية النفايات فكان هذا المشهد بمثابة الحبكة الأولى، أما الحبكة الثانية التي حدثت في القسم الأخير من الرواية فتتمثل بتعرّف آمنة على الرسام عباس الذي أُعجب بها، ودعاها إلى شقته بعد أن استلطفته ووجدت فيه نموذجاً للزوج المستقبلي الملائم لسنّها، وحياتها الاجتماعية التي تكتنفها الغربة، والعزلة، والحنين إلى الأهل والوطن لكنها ما إن ذهبت إليه حتى وجدت لويزا، صديقته الهولندية القديمة، فقررت وأد علاقة عاطفية كانت في طريقها إلى النموّ والازدهار، وحينما زارها لتوضيح التباس القصد طلبت منه ألا تراه مرة ثانية لكنها في طوّية نفسها كانت تميل إليه، فهي شخصية إشكالية عويصة تترجح بين الإقدام والإحجام لكنها حسمت أمرها وأقنعت نفسها بأن «عبّاساً» كان وهماً في حياتها، وأن ديفيد الذي أحب سلمى لحد التضحية بحياته هو الحقيقة الدامغة التي تدفعها للعودة النهائية إلى خيمة الوطن ودفء الأحبّة.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.