ليبيا: خطة لتوحيد الجيش... ودخول مصراتة «بلا قتال»

دمج الإدارات والاستخبارات والحسابات العسكرية في طرابلس وبنغازي... وإنشاء مجلس أعلى للقوات المسلحة

TT

ليبيا: خطة لتوحيد الجيش... ودخول مصراتة «بلا قتال»

بين كميات من الملفات وهواتف التي لا تتوقف عن الرنين، وعشرات الضباط الداخلين والخارجين في مكتبه الملحق بمقر إقامته في إحدى ضواحي بنغازي، يدير العميد أحمد المسماري الذي يحظى بثقة قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، مرحلة دقيقة تتضمن محاولة مهمة لتوحيد الجيش الذي تفرقت به السبل بعد إطاحة حكم معمر القذافي في 2011.
ولا تنقطع فناجين الشاي صغيرة الحجم التي تعلوها رغوة داكنة، عن الدوران حول ضيوف المكتب، من ضباط ورجال مخابرات وممثلي قبائل ومدن. ويُعرف المسماري في وسائل الإعلام بأنه المتحدث باسم الجيش، لكن مسؤولياته الأخرى وغير المعلنة كثيرة. وهذا يُمكن أن تلحظه بمجرد الاقتراب من أسوار مبنى المكتب من الخارج.
باختصار، يُعد المسماري من أحد أهم العُقول التي تتشاور يومياً تقريباً مع حفتر، واليد التي تنفذ تعليماته في نهاية المطاف. ويبدو جل وقته مشغولاً بخطة لتوحيد القوات المسلحة الليبية وتحديد مستقبل عمل الجيش في الشهور المقبلة.

كانت بين يديه تقارير استخباراتية تتحدث عن حجم الأسلحة التي حصلت عليها ميليشيات متطرفة من جهات خارجية عدة، لمقاومة تقدم الجيش في الجنوب والغرب. وبينما كان يراجع معلومات واردة من ضواحي بنغازي التي طُرد المتطرفون منها أخيراً، تلقى الرجل ذو البشرة السمراء والشارب الأسود المنسدل على جانبي فمه، اتصالات هاتفية جديدة من ضباط في القوات البحرية، كانوا يستعدون لتنفيذ أول مناورة بالذخيرة الحية على السواحل المحيطة بمدينة درنة، وهي مدينة ما زالت تتحكم فيها مجموعات متطرفة.
من الصعب معرفة الضابط من الجندي من المتطوع المدني. فالكل يعمل ويتحرك كأنه ضمن خلية نحل كبيرة لا تتوقف عن الشغل، رغم أن المعارك توقفت في بنغازي، باستثناء منطقة «سيدي خريبيش» المحاصرة التي تقع على مرمى حجر من الميناء البحري، في ثاني أكبر المدن الليبية. وتعرضت بنغازي لدمار واسع بسبب الأسلحة الفتاكة التي كان يملكها المتطرفون وهم يستميتون للاحتفاظ بالمدينة.
الآن، وبعد نحو ثلاث سنوات من الحرب المستعرة في الشرق والجنوب، تنفس الجيش الصعداء. ودخل مرحلة جديدة. عينه على أكبر مدينتين بعد بنغازي، وهما طرابلس ومصراتة غرباً. ويعوّل حفتر على ترتيب أوضاع العسكريين هناك للعمل تحت مظلة الجيش، وبالتالي تجنب الصدام والتدمير والاقتتال. وتوجد اتصالات بالفعل لتفادي هذا المصير.
حمل المسماري ملفات، وشد مقعده بعيداً عن مكتبه، وبدأ يشرح بطريقة تلقائية خطة توحيد الجيش. إنها تتضمن، بشكل لا لبس فيه، إحالة ضباط شاركوا في حروب ضد القوات المسلحة إلى محاكم عسكرية. واستبعاد أحد الضباط الليبيين في مصراتة، ممن سافروا أخيراً إلى قطر، من المشاركة في جهود توحيد الجيش الجارية عبر لقاءات تعقد في القاهرة.
وتركت الحملة التي شنها حلف شمال الأطلسي لمساندة المظاهرات ضد القذافي، الجيش مدمراً ومنقسماً على نفسه. وأعلن حفتر في 2014 «عملية الكرامة» بهدف جمع شتات الجيش ومحاربة الجماعات المتطرفة. ورغم الحظر الدولي على تسليح قواته، إلا أن حفتر تمكن من طرد المتطرفين من مناطق واسعة من البلاد، خصوصاً في الشرق، بينما ظلَّ أمر دخوله إلى العاصمة ومدينة مصراتة القوية، معلقاً، لكن يبدو أن هناك خطة معدة لهذا الغرض.
ويقول المسماري إن مفتاح دخول الجيش إلى طرابلس سيبدأ من مدينة الزاوية التي تقع غرب العاصمة، وإنه «لن يكون هناك قتال في مصراتة». ومعلوم أنه يتنازع على التحكم في طرابلس وما حولها، منذ شهور، قوات موالية لرئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وأخرى معادية له.
قطع سيل الحديث دخول شاب بملابس عسكرية، ليهمس في أذن المسماري بما بدا أنه بلاغ عاجل من جبهة ما. وحين استأنف المسماري كلامه، تذكر أن يشير إلى أن «لدينا ضباطاً من الأمازيغ والطوارق والتبو يعملون من أجل دولة موحدة، على عكس ما يُشاع بين حين وآخر، من أن هذه المكونات الثقافية تسعى إلى تقسيم ليبيا... إنهم ضباط وطنيون. وبعض منهم يشارك في لقاءات القاهرة لتوحيد المؤسسة العسكرية». وأضاف: «توجد شعارات غير صحيحة عن أن الأمازيغ يريدون الانفصال، وأنهم لا يريدون العربية، لكن هذا كله لا أساس له، ومحاولة لتشويه أهلنا الأمازيغ، وهم براء من ذلك... وفدُنا الآن إلى القاهرة يتألف من ضباط من القيادة العامة، بينهم خمسة ضباط من منطقة الأمازيغ».
وتابع: «لقد اختلطت دماء العسكريين الليبيين والمتطوعين المدنيين الذين معهم، على طول محاور بنغازي الحصينة، والتي كانت تتمركز فيها، لأكثر من عامين، جماعات جرى تصنيفها عربياً ودولياً كمنظمات إرهابية، بعضها مرتبط بدولة قطر... المحاربون تحت راية الجيش كانوا من كل أنحاء ليبيا. عربي، أمازيغي، طوارقي، تباوي. لا فرق. نقاتل معاً بإمكانيات محلية شبه معدومة. فقدنا أكثر من 5600 في معارك بنغازي ودرنة والهلال النفطي وفي الجنوب والمنطقة الغربية، ولدينا آلاف المصابين بينهم ما يزيد على 1200 أصبحوا مبتوري الأطراف وفاقدي البصر والسمع».
وهزّ المسماري رأسه كأنه ينفض ذكريات مريرة من ذهنه عن أيام الحرب وفقد الرفاق على الجبهات. وبعد لحظة صمت استعاد فيها رباطة جأشه، انبرى يتحدث في ثقة عن المستقبل الجديد لبناء أركان جيش قادر على خوض «معارك السيطرة» على عموم البلاد. وقال: «نعمل الآن على إنشاء المجلس الأعلى للقيادة العامة للقوات المسلحة، ومجلس أعلى للأمن. ودمج الهيئات العسكرية في طرابلس وبنغازي في منظومة واحدة».
لكن ما العمل؟ ماذا سيفعل الجيش، إذا استمرت الانقسامات وجلسات الحوار التي لم تنته منذ خريف 2014؟ يجيب المسماري بحزم: «لقد أعطينا مهلة مدتها 6 أشهر، لكي يحل السياسيون خلافاتهم. هذه المهلة تنتهي في مارس المقبل. وبعد ذلك ستكون لنا كلمة لإنقاذ البلاد... المواطنون يرون أن أمن ليبيا يتحقق بالجيش». وعن الخطوة المقبلة إذا انتهت هذه المهلة من دون حل الخلافات، قال: «أكيد معلوم ماذا سيفعل الجيش... وهو حسم الأمور بالقوة... وإذا اضطر الجيش لتولي المسؤولية السياسية بنفسه، فستكون عبئاً لكن لا بد منه، وإذا كانت هناك مطالب عامة بتولي حفتر رئاسة الدولة، فلا مانع».
تنتشر صور حفتر في شوارع بنغازي مقترنة بكلمات الفخار. بدأت المدينة أخيراً تتذوق طعم الهدوء، وتتخلص من أصوات انفجار القذائف الصاروخية. وعلى جانبي الطرقات يكنس العمال بقايا الفوضى وركام الحرب، ويعيدون ربط كابلات الكهرباء وتوصيل مواسير المياه التي دمرتها القنابل.
على مدى تاريخ قبائل ليبيا، يعد الشعر الشعبي الوسيلة الأكثر شجناً للتعبير عن مآسي الحروب والحب وشظف العيش. وحتى المسماري نفسه كان يردد مقاطع من هذا النوع من القصائد أثناء فترات التقاط الأنفاس. ولديه كتب كذلك من تأليفه عن التراث الليبي، يحوي بعضها مقطوعات شعرية تفخر بأيام الجهاد ضد الاستعمار.
اليوم. في كل منعطف وغرفة ضيافة وخيمة عرس تقريباً، هناك قصص أسطورية عن مقاتلين ضحوا بأرواحهم وهم يتقدمون بين الحواري الضيقة وعلى شوارع مزروعة بالألغام الأرضية، من أجل طرد المتطرفين. وفي خيمة عُرس في بلدة برسس القريبة، حيث مئات الحضور، دخل الشاعران الشعبيان الكبيران نصيب السكوري ومحمد بوستة في مناجاة عن حرب الجيش ضد تنظيم «أنصار الشريعة» في محيط مطار بنغازي المعروف باسم «مطار بنينا».
وتدعو أبيات هذين الشاعرين كل من لم يحضر الحرب في بنينا إلى أن يذهب ويشاهد آثار الرصاص على الأسوار. أو كما يقول مقطع من القصيدة باللهجة المحلية: «اللي ما حضر حفر الرصاص بعينه... تعاته يبهت في أسوار بنينا».
ويجد المسماري في انتصارات الجيش في المناطق الشرقية والجنوبية، عزاء لمن انطلقوا لتحرير بنغازي من جبروت المتطرفين في ظروف صعبة. «المعركة استغرقت، حتى الآن، نحو أربع سنوات متواصلة. كانت في البداية معركة تعبوية داخل بنغازي. معركة كانت صعبة جداً. كان التفوق العددي وفي العدة والعتاد لصالح الجماعات الإرهابية التي كانت في بنغازي نتيجة لتحالف كبير جداً بين تنظيم القاعدة وتنظيم الإخوان المسلمين... أقصد فريق الإخوان الذي رفع السلاح ودخل في تحالف مع أنصار الشريعة ومع القاعدة ومع الجماعة الإسلامية المقاتلة. وبعد ذلك ظهر تنظيم داعش في 2014. وانضموا جميعاً في خندق واحد ضد القوات المسلحة».
خلال السهرة الطويلة في مكتبه، عرض المسماري مقاطع مصورة لمعارك أدارها رجال قضوا نحبهم وهم يقاتلون بأبسط الإمكانيات، أمام ترسانة حديثة يملكها المتطرفون، من قذائف صاروخية ومفخخات ومناظير رؤية ليلية إلى بنادق قنص، بينما الجيش يعاني من حصار دولي يمنعه من شراء الأسلحة ومستلزمات ميادين القتال. وقال وهو يعرض مقطعاً: «لقد كان محاربونا يفتقرون حتى للملابس العسكرية. انظر... هذه مجموعة تقوم بتفكيك ألغام بأيادٍ عارية. ومع ذلك انتصرنا».
وفي غرفة مجاورة، ارتفعت أصوات مناقشات بين مجموعة ضباط بشأن الإعداد لمناورات القوات البحرية على الساحل الشرقي. ثم دخل إلى المكتب وفد عسكري من الزوار لترتيب السفر إلى لقاءات القاهرة. ودارت صينية الشاي مرة أخرى.
وبعد أن رشف من فنجانه، ورحب بالضيوف، واصل المسماري قائلاً، وهو يقاوم إرهاق هذا اليوم الطويل: «أقول لك... لقد تحقق الهدف من عملية الكرامة. كانت حين انطلقت في 2014 مجرد عملية، وأصبحت اليوم قيادة، وأصبحت اليوم جيشاً، وأصبحت اليوم شعباً. وبالتالي نحن الآن دخلنا في مرحلة أخرى».
ومنذ بداية إعلان الحرب على المتطرفين من جانب المشير حفتر، قسمت القيادة العامة للجيش المعركة إلى ثلاثة أهداف رئيسية. ويقول المسماري إن «الهدف الأول كان تعبوياً ميدانياً، والحمد لله وفقنا في ذلك. والهدف الثاني هو السيطرة على هدف التحكم في اللعبة السياسية (أي التحكم في النفط)، خصوصاً مع الأطراف الخارجية. لقد سيطرنا على الهلال النفطي بالكامل، والآن بدأ الهدف الاستراتيجي. الآن نعمل على الهدف الاستراتيجي، ألا وهو الوصول إلى العاصمة ودخولها. والسيد المشير (حفتر) يؤكد أن الدخول إليها سيكون سلمياً من دون سلاح أو استخدام لأي قوة عسكرية».
وعن الطريقة التي يخطط بها الجيش لدخول العاصمة سلمياً، يوضح المسماري: «حققنا استفادة في الشهور الأخيرة... أي بعد معارك صبراتة وزوَّارة وغيرهما (في غرب طرابلس)، بأن تمكنّا من فصل معركة منطقة غرب طرابلس عن طرابلس نفسها. وبدأت المناطق الخلفية هناك تقف مع القوات المسلحة، وتشكل مناطق داعمة لها، ومنها مناطق الجبل (الأمازيغية)». وأضاف: «تاريخياً وعسكرياً من قدم الزمان، مفتاح طرابلس هو مدينة الزاوية (40 كيلومتراً غرب العاصمة). الزاوية الآن فيها حراك كبير جداً. وفيها كثير من الشباب الذين كان مغرراً بهم، والذين دخلوا في هذه الميليشيات بدأوا الآن يتخلون عن سلاحهم. وبالتالي عندما تتم معركة الزاوية، ستتم معركة طرابلس».
أما عن دخول الجيش إلى مدينة مصراتة، فيقول: «بإذن الله لن يكون فيها قتال أيضاً... إنها مدينة ليبية وطنية كانت مُختطفة. الآن بدأ التحرك الوطني فيها بشكل كبير جداً. وأحيي الوطنيين في مصراتة. لقد بدأت فيها عمليات ضد الإرهاب والإرهابيين. نحن نثمن ذلك. ونؤيد وندعم ونساعد أي قوى تحارب القوى الظالمة أو القوى الإرهابية. وأوجه التحية إلى القيادات العسكرية والمدنية الوطنية في مصراتة. أقول لهم: نحن لا نقاتل وطنياً على الإطلاق. هذا من المحرمات. نحن جميعاً في خندق واحد لمحاربة من يتسترون باسم الدين لحكم ليبيا بالحديد والنار والسلاح. كل إرهابي وكل داعشي نعده عدواً للقوات المسلحة».
وعُرف اسم مصراتة في وسائل إعلام عالمية أثناء الانتفاضة المسلحة ضد حكم القذافي. حاصرتها دبابات النظام السابق. وحين ردت، نكلت بجثث القذافي ونجله المعتصم ووزير دفاعه أبو بكر يونس، وجلبتهم إلى المدينة بعد مقتلهم في سرت. ودفنتهم في أماكن غير معلومة حتى اليوم. لكن بعد أكثر من ست سنوات على إطاحة نظام القذافي، ضربت الخلافات قوات المدينة التي كانت قد استحوذت على كميات كبيرة من عتاد الجيش. وأصبحت فيها اليوم ميليشيات معادية لحفتر وأخرى تعتنق الفكر المتطرف. ويقاتل بعضها بعضاً.
وتحركت قوات في مصراتة خلال الأسابيع الماضية، وشنت حملة واسعة ضد مراكز لجماعات متشددة، وتم ضبط مخازن أسلحة ومتفجرات. ويقول المسماري إن «مصراتة ساهمت بهذه العلميات القوية جداً ضد المجاميع المتطرفة، في تراجع العمليات الإرهابية في بنغازي، باعتبار أن من قُبض عليهم في مصراتة، رؤوس تعلم بمخازن الأسلحة والذخائر والمتفجرات ومخابئها... هذا توصلنا إليه الآن عن طريق مصراتة».
ويوضح المسماري صورة مصراتة اليوم بشكل أكثر تفصيلاً: «ضباط مصراتة كانوا محكومين، حسب ما تحدثوا، بأربعة أنواع من الميليشيات... كانت لديهم ميليشيات مؤدلجة، والآن تم القبض على بعض منها وتتم محاربتها، وما زالت الحرب طويلة في هذا المجال. وهناك ميليشيات جهوية، وهناك ميليشيات للإيجار... وهناك ميليشيات وطنية يمكن التعويل عليها كقوة مساندة (للجيش). وبالتالي بدأت مصراتة الآن تتحرر».
بعد مداولات مع أطراف عسكرية ليبية من مشارب مختلفة، لا توجد مشاكل قانونية تمنع توحيد هذه المؤسسة. والجروح العميقة التي أصابت قادة عسكريين عقب مقتل القذافي تسببت في أغلبها جماعة «الإخوان» حين هيمنت على حكم البلاد في ذلك الوقت، بحسب المسماري الذي يقول: «في الجيش نحن تراتبية واحدة، وأقدمية عسكرية واحدة، ومدارس واحدة، وكليات واحدة... ليست لدينا فوارق».
وبحسب المسماري، فقد نجحتْ جماعة «الإخوان» بعد 2011 في إدخال ضباط للجيش كانوا خارج الخدمة. وهؤلاء الضباط «أغلبهم مؤدلجون ولهم أهداف، وفيهم من كان قد ترك الخدمة في عهد القذافي على أساس أن الجيش كافر. وهناك من خرج في قضايا أخلاقية. كل هؤلاء رجعوا إلى الجيش على يد الإخوان. واستطاع الإخوان بإرجاع الآلاف وإخراج الآلاف من العسكريين النظاميين بالتقاعد وبالاستقالات وبقانون العزل السياسي، إخلاء الساحة لهذه الفئة التي عبثت بالوطن».
وبسؤاله عما ترمي إليه الاجتماعات التي تعقد في القاهرة، يقول: «هذه الاجتماعات تُركز على أشياء تنظيمية فقط... مثلاً هناك هيئة تنظيم وإدارة تابعة للجيش في طرابلس، وأخرى هنا في بنغازي. يجب أن تُدمج هذه الهيئات في منظومة واحدة. أيضاً العمل على دمج هيئة الحسابات العسكرية، ودمج هيئة الاستخبارات. وإن شاء الله سنعمل على إنشاء المجلس الأعلى للقيادة العامة للقوات المسلحة، وسيادة المشير أصدر توجيهاته وتعليماته لنا كلجنة للبدء في التشاور والتحاور من أجل إنشاء مجلس أعلى للأمن في الدولة الليبية».
وعلى عكس ما يتداول لدى بعض الأوساط بأن أطراف الجيش الليبي «تتحاور» في القاهرة، يوضح المسماري أن ما يجري «ليس مرحلة حوار، لكن اجتماعات للجان الفنية... لقد بدأنا العمل». وأضاف بعدما انتهى من استقبال مكالمة هاتفية بدت، من تعبيرات وجهه، مهمة للغاية، أن «كل لجنة ستنبثق من هذه اللجان الفنية ستقوم بجمع الأفراد... مثلاً لدينا أفراد في مصراتة وفي طرابلس في الاستخبارات العسكرية. كيف نجعل كل هؤلاء في منظومة واحدة. هم أصلاً الآن أقدميتهم واحدة وتراتبيتهم واحدة. لكن من ناحية العمل فقط. كيف نجمع ملفات هؤلاء على بعضها بعضاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هيئة التنظيم والإدارة والحسابات العسكرية. وبعد ذلك سنأتي لكل الإدارات. إدارة التوجيه المعنوي في طرابلس، وإدارة التوجيه المعنوي في بنغازي، يجب أن تكون إدارة التوجيه المعنوي واحدة».
وبمزيد من التوضيح لطبيعة تفاصيل توحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، يؤكد: «ببساطة... الأمر يحتاج إلى أن تقول لي ماذا لديك أنت، وأن أقول لك ماذا لدي أنا. لا بد من أن تكون هناك تصفية للموضوع. هُناك ضباط خدموا في ميليشيات. هؤلاء لا بد من أن يكونوا خارجاً. مثل هؤلاء لا يشملهم هذا الاتفاق. الضباط الذين شاركوا في حرب ضد الجيش، وفي حرب فجر ليبيا، وفي حرب البنيان المرصوص، وشاركوا مع الدواعش، وعملوا تحت قيادات مدنية، مثل هؤلاء لا يمكن ضمهم إلى القيادة العامة، إلا بعد عرضهم على المحاكم العسكرية». وأشار إلى أن أحد القادة العسكريين في مصراتة قام مؤخرا بزيارة لقطر، وتم إبعاده من إجراءات توحيد الجيش.
أحياناً يقول خصوم الجيش إن حفتر يسعى لأن يكون رئيساً وحاكماً لليبيا. وحين ظهرت بعض الأصوات، خصوصاً في شرق البلاد، تطالب بترشيحه للرئاسة أخيراً، تم تسليط الضوء على هذا الموضوع مرة أخرى. وعن الكيفية التي يفسر بها المسماري هذا الأمر، يقول إن «هذا الموضوع يتكون من شقين... الشق الأول هو أنه في البداية حين انطلقنا، لم يكن لدينا طموح للرئاسة ولا الوصول لمنصب. كان الطموح الأوحد هو القضاء على الإرهاب... ولم ندخل في أي حوار على الإطلاق من حوارات جنيف والصخيرات وغيرهما، على رغم أن الغرب حاول إدخال القوات المسلحة في هذا الأتون».
ويشير إلى أنه «بعد أن دخلت مصر والإمارات على الخط، وهما دولتان نحترمهما ونقدرهما، تواصل السيد المشير مع السيد السراج، ولكن لم يصلا إلى نتيجة. لقد وافق السراج على كل شروط المشير في الإمارات، وبعد ذلك تملص منها، وفي باريس وافق أمام المجتمع الدولي، وبعد ذلك تملص، وبالتالي نحن لدينا قناعة أن السراج لا يستطيع السيطرة على شيء، ولا يتحكم في أي شيء على الإطلاق، ولكن هناك قوى أخرى تعمل خلف السراج».
ويُكمل قائلاً: «حتى هذه اللحظة، يجري الحوار في تونس بمشاركة البرلمان الليبي، لكن نحن كعسكريين مهمتنا حماية الوطن والمواطن. المواطن بدأ وضعه الآن يتردى جداً. وبالتالي أعطيناهم 6 أشهر، ستنتهي في مارس المقبل، وبعد ذلك ستكون لنا كلمة لإنقاذ الوطن وكف العبث بأمن المواطن. والشعب الآن، في كل أنحاء البلاد، لا يرى مستقبلاً لليبيا إلا بين يدي الجيش». وأضاف: «أقول لمن يحملوننا المسؤولية، ورغم أن المسؤولية السياسية مسؤولية جسيمة، وليست مثل المسؤولية العسكرية، أقول: نحن مستعدون لتنفيذ أمر الشعب في أي لحظة. على المستوى العسكري والسياسي».
وعن موقف حفتر من تولي الرئاسة، قال المسماري: «لا مانع في ذلك... وبالتأكيد هذا المطلب جاء من رحم المعاناة، ونحن مهمتنا إنهاء هذه المعاناة، لكي تعود الأمور إلى جادة الصواب، وبعد ذلك من يسعى للحكم، فليأت إلى حكم ليبيا عن طريق صناديق الاقتراع».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.